«رسائل» «تهدئة» وسعي لضمانات بعدم رد المقاومة على «الأنفاق»

واشنطن ترفض طلبا اسرائيليا «بتجميد» المساعدات العسكرية للجيش

كتب ابراهيم ناصرالدين

«صمت» حزب الله يقلق اسرائيل. بهذه الخلاصة يمكن اختصار مفاعيل اليوم الثالث لعملية «درع الشمال» التي بدأت تستنفد اغراضها الدعائية، بعدما اخفق رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو في استدراج المقاومة الى «الكشف عن اوراقها» الدفاعية او الهجومية، وقد استخدمت اسرائيل خلال الساعات القليلة الماضية قنوات دبلوماسية اوروبية لايصال رسائل واضحة الى الجانب اللبناني، وحزب الله بعدم وجود رغبة في التصعيد او الذهاب الى حرب، وذلك على خلاف «الصخب» الاعلامي على الحدود.. وفي المقابل عملت الدبلوماسية الفرنسية «بتكليف اسرائيلي للحصول على «تطمينات» من قيادة حزب الله بعدم الاقدام على اي رد فعل امني او عسكري، باعتبار ان العملية محدودة ولن تستهدف الاراضي اللبنانية، وكان «الجواب»: «لا تعليق»، ومزيداً من «الصمت» الذي اضفى على المشهد الكثير من الغموض، ورفع منسوب التوتر على الجانب الاسرائيلي الذي عاد وطالب قيادة اليونيفيل بإيصال رسائل مشابهة والحصول على اجوبة، ولكن دون جدوى... اما داخليا فالبارز ما نقله زوار رئيس الجمهورية عنه «امتعاضه» من رفض رئيس الحكومة سعد الحريري للحلول المقترحة لتذليل العقدة السنية في الحكومة، وصلت الى حد مطالبته «بالاعتذار» اذا لم يكن قادرا على التأليف.

ووفقا لاوساط دبلوماسية في بيروت تبلغ الاوروبيون من الاسرائيليين ما يشبه «رسائل تطمين» الى الجانب الاخر من الحدود بأن اسرائيل لا ترغب في التصعيد العسكري على الارض وحجم القوات التي أرسلت إلى الشمال هو ليس للمبادرة الى شن هجوم وانما مجرد اجراء احترازي، خوفاً من حصول تصعيد غير محسوب من قبل حزب الله.! وفي الشرح الاسرائيلي للعملية قيل لهؤلاء ان اطلاق تسمية «درع الشمال» على التحرك قرب الحدود، جاء للتدليل على انها مهمة دفاعية وليست هجومية، وإسرائيل ملتزمة العمل في «أراضيها» فيما تعتبره نشاطات مشروعة من أجل إحباط اي عملية مستقبلية ضدها.. وعند تحذير تلك الاوساط الاسرائيليين من مغبة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، كان الجواب الاسرائيلي واضحا بأن الهدف من العملية الاستباقية سحب ورقة هجومية هامة من حزب الله، كان أعدها من أجل استخدامها عند اندلاع الحرب المقبلة، وفي تقدير الاسرائيليين لن يكون هذا الامر سببا لاندلاع حرب الآن. وعند محاولة دبلوماسيين اوروبيين الحصول على اجوبة في بيروت اصطدموا بجدار «سميك» من الصمت في «حارة حريك» وحاولوا الحصول على اجابات من «اصدقاء» للمقاومة، ولكن دون جدوى، فيما الاتصالات مع المسؤولين اللبنانيين لم تحمل اي جديد.

} نتانياهو يطلب «وساطة» بومبيو؟ }

وكشفت تلك الاوساط، ان لقاء نتنياهو في بروكسيل مع وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو لم يكن يهدف فقط الى التنسيق مع الأميركيين حول النشاطات ضد الأنفاق في الشمال، بل طلب منه نقل تحذير شديد اللهجة للحكومة اللبنانية ـ كي تتعامل مع الموضوع «بهدوء» وتحاول كبح حزب الله من أجل منع تصعيد الوضع على الحدود. وكان السؤال المقلق بالنسبة الى الاسرائيليين ولا يزال هو اسباب هذا الصمت المطبق من قبل حزب الله، وهم مشغولون بالحصول على اجوبة حول احتمالات رده وكيفية حصول ذلك؟

} لا تصريح... ولا تلميح... }

من جهتها لا تعتقد اوساط مقربة من حزب الله ان المقاومة معنية بالتصريح او التلميح في هذه المرحلة، ويجب ان تزداد حيرة الاسرائيليين الذين دخلوا في «نفق» ولن يساعدهم احد على الخروج منه، في المقابل، العمل الجدي على الارض مستمر وكل التحركات الاسرائيلية تحت المراقبة الدقيقة، وما يحصل لن يغير من «قواعد الاشتباك» فاسرائيل تدرك الإمكانات التدميرية الكامنة لعشرات آلاف الصواريخ والقذائف الموجودة بحوزة حزب الله، والمزاعم الاسرائيلية باكتشاف «الانفاق» ليس الا مادة دعائية عديمة الجدوى، ويدرك قادة العدو ان هذا السلاح، ان وجد اصلا، ليس الا اداة حربية ثانوية اما سلاح المقاومة الاساسي فهو يرتكز على مهاجمة الجبهة الإسرائيلية الداخلية بالصواريخ، وعليه ليس هناك في واقع الأمر تغيير في ميزان الردع المتبادل الذي نشأ بين الطرفين، ولذلك فان الاعتقاد السائد هو ان الجميع بعيد عن حرب شاملة في المنطقة،لأن هذه الساحة لم تعد إطاراً محلياً محدوداً للمواجهة مع حزب الله، بل ساحة ذات إمكانية كامنة لمواجهة أوسع، يمكن أن تتورط فيها الدول العظمى..وهذا ما لا ترغب به الولايات المتحدة وروسيا.

} التصعيد «غير منطقي» }

وللدلالة على وجود ضجة مفتعلة على الحدود، تشير الرواية الاسرائيلية الى ان هناك علاقة وثيقة بين التطورات الأخيرة في قطاع غزة والحدود مع لبنان. فنتنياهو ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، قاما بتضخيم تهديد الأنفاق من أجل تأجيل عملية ضرورية في غزة، وذلك من خلال اقناع الجمهور الاسرائيلي «بحكمة» وقف العمليات في القطاع...وبحسب المعلومات، ناقشت الحكومة الاسرائيلية آخر المستجدات بشأن الأنفاق في الشمال خلال الأشهر الأخيرة. وتم طرح الموضوع على التصويت وسجلت معارضة وزير الامن افيغدور ليبرمان الذي اعتبر أن العملية في الشمال غير ملحة والعملية البرية في غزة أكثر أهمية. أيضاً تحفظ عدد كبير من ضباط هيئة الأركان عن العملية بسبب الخوف من التداعيات المحتملة.

وبعد فشل العملية الامنية في خانيونس عارض قائد الاركان الجنرال غادي ايزنكوت في 13 تشرين الثاني عملية برية في غزة بدعم من نتنياهو وذكر تلميحا يومها مسألة الأنفاق في الشمال، فالرجلان خشيا من العملية المطلوب القيام بها في غزة، ولذلك رتبا عملية أخرى، ولكنها أقل حيوية كبديل. وعملية كهذه الآن تخدم رئيس الحكومة مرتين: تحرف النقاش العام خلال يومين فقط عن نشر توصيات الشرطة ضده في ملف 4000، وتعود لتقديمه كسياسي رفيع المستوى يستطيع مواجهة التحديات الإقليمية المعقدة والمتغيرة التي تواجهها إسرائيل. وكذلك آيزنكوت الذي حصل على عمليته في الشمال قبل انتهاء منصبه في 15 كانون الثاني.

} لا حرب على «الابواب» }

وازاء ما تقدم يعتقد الاوروبيون ان الحرب ليست على «الابواب»، وما يحصل الان يستهدف تشديد الضغط الدولي على حزب الله، وعلى إيران، والحكومة اللبنانية، لاظهارهم قرار مجلس الأمن 1701. كما تريد اسرائيل الايحاء للرأي العام المحبط من عدم جهوزية الجبهة الداخلية بأن الاستخبارات الاسرائيلية تعرف ما يجري على الطرف الاخر من الحدود في لبنان، وذلك في اطار الحرب الدعائية مع حزب الله.

} تحول في الموقف الاميركي }

وتلفت اوساط متابعة للملف الى وجود تحول اميركي لم يلتفت اليه الكثيرون وهو «يكبح» جماح اي تصعيد اسرائيلي مرتقب على الحدود الشمالية، فالمبعوث الأميركي الخاص لشؤون سوريا، جيمس جفري، اوضح لسفراء فرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية ومصر والأردن ان خروج القوات الإيرانية من سوريا سينفذ في إطار جهود دبلوماسية وسياسية، أي ليس من خلال استخدام القوة، وهذا تحول اميركي رافقته «رسالة» واضحة للاسرائيليين بعدم رغبة واشنطن بالتصعيد في المنطقة لانها لا ترغب بمواجهة مع روسيا.

} واشنطن ترفض طلبا اسرائيليا ! }

ولذلك يخلص مصدر دبلوماسي اوروبي الى التأكيد امام زواره ان إحياء ساحة القتال في لبنان كبديل عن الساحة السورية يعتبر سيناريو غير مرغوب فيه، سواء بالنسبة لإسرائيل أو حزب الله. هذا السيناريو يمكنه أن يحدث فقط في أعقاب خطأ تكتيكي على الأرض وهذا ما تسعى اسرائيل الى تجنبه وتبحث عن بدائل لممارسة الضغوط الداخلية على حزب الله والدولة اللبنانية.. ووفقا للمعلومات طلب الاسرائيليون من واشنطن زيادة الضغوط على الحكومة اللبنانية من خلال «تجميد» المساعدات للجيش اللبناني، فجاء الجواب سلبيا، وتم ابلاغ الجانب الاسرائيلي ان واشنطن ليست بصدد خسارة علاقتها مع المؤسسة العسكرية اللبنانية... لان الامر يضر بالمصالح الاميركية، ويجب البحث عن وسائل اخرى للضغط على الدولة اللبنانية لكن المسح بتسليح الجيش «خط احمر» في واشنطن.

وانطلاقا من هذه المعطيات، اكدت تلك الاوساط ان حكومتها دعت المسؤولين اللبنانيين الى عدم «الهلع» من التصعيد الاعلامي الاسرائيلي، لكنها نصحتهم «بالحذر» والتحرك لاثبات ان لبنان يحترم القرار 1701، فكان الجواب اللبناني واضحا لجهة السؤال عن احترام اسرائيل لهذا القرار والخروقات المستمرة جوا وبحرا وبرا... في هذا الوقت وجه وزير الخارجية جبران باسيل كتابا الى مندوبة لبنان لدى الامم المتحدة لتقديم شكوى ضد اسرائيل، بعد توجيهه رسائل صوتية تهدد اللبنانيين بحياتهم، وجاء ذلك عل خلفية وصول رسائل اسرائيلية على هواتف ابناء كفركلا تدعوهم للابتعاد عن حزب الله، وتهددهم بتدمير البلدة بحجة وجود الانفاق..

} اليونيفيل والعثور على «نفق»؟ }

على المقلب الاخر، اجرى وفد من القوات الدولية جولة استطلاعية على الانفاق المزعومة، وطالبته اسرائيل بالتحرك وفق خريطة تزعم وجود نفق جديد من بلدة رامية باتجاه مستوطنة زرعيت، وقد اعلنت قيادة اليونيفيل مساء وجود نفق قريب من «الخط الازرق»، وقالت انها تقوم بمتابعة عاجلة مع الاطراف المعنية... وقد طالب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، من الحكومة اللبنانية بالتوقف عن السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد بلاده، مهددا بالتحرك ضد لبنان، وقال خلال جولة على الحدود مع لبنان برفقة عدد من سفراء الدول الأجنبية، «ندعو الحكومة اللبنانية إلى التوقف عن منح الائتمان لأراضيها لشن هجمات على إسرائيل... كما طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي سفراء الدول الأجنبية المعتمدة في تل أبيب، بإدانة ما وصفه، العدوان الإيراني وحزب الله وحماس، وتكثيف العقوبات ضدهم. وزعم نتنياهو أن «هذه الأنفاق التي استثمر فيها حزب الله أموالا كثيرة لن تبقى ولن تكون فعالة».

} «الجاهلية» بين الحريري وباسيل }

في هذا الوقت التقى الرئيس المكلف سعد الحريري وزير الخارجية جبران باسيل في «بيت الوسط»، ووفقا لاوساط سياسية مطلعة تقدم ملف حادثة الجاهلية وما خلفته من تداعيات، على الملف الحكومي، وعلم في هذا السياق ان باسيل ابدى «ارتياحه» للمخرج الذي «ابتدعه» الرئيس المكلف والذي ادى الى تراجع النائب السابق مصطفى علوش عن تصريحاته التي اتهم فيها رئيس الجمهورية ميشال عون بالعلم المسبق بالعملية الامنية التي استهدفت الوزير السابق وئام وهاب... وقد ادى هذا «التوضيح» الى منع وقوع «اشتباك» سياسي بين بعبدا وبيت الوسط،اذ تم ابلاغ الحريري نهارا ان القصر الجمهوري يستعد لإصدار بيان «قاس» للرد على تيار المستقبل اذا لم يُجرِ تصحيح الموقف، ووعد الحريري بمعالجة الملف وهذا ما حصل، فقد طلب من علوش اصدار توضيحات اشار فيها ان ما قاله مجرد «استنتاج» وتحليل منطقي، وليس معلومات!

} الملف الحكومي }

اما في ما يتعلق بالملف الحكومي، فقد قال باسيل بعد اللقاء انه سيواصل جهوده لايجاد حل، لكن المعلومات تفيد ان لا شيء جديد سوى تأكيد مصادر تكتل لبنان القوي ان مبادرة باسيل «لم تمت» على الرغم من اصرار الرئيس المكلف على رفض صيغة توسيع الحكومة الى 32 وزيرا عبر اضافة نائبين واحد مسيحي لتمثيل الاقليات والثاني اسلامي لتمثيل العلويين..

لكن تلك المصادر ترى ان هذا الاقتراح لا يزال الاكثر حظوظا من غيره من الصيغ المتداولة على خط حل عقدة التشكيل. ووفقا لاوساط سياسية مطلعة على الاتصالات، لا يرغب الحريري في منح رئيس الجمهورية «الثلث المعطل» في الحكومة، ولذلك ارسل اشارات «ايجابية» لناحية استعداده للقبول بتوزير من يمثل النواب الستة من حصة الرئيس عون، وهو ينتظر الحصول على اجابات واضحة على طرحه.. مع العلم ان هاتين الصيغتين ليستا الحل الوحيد المتداول انما هناك طروحات اخرى يجري تداولها ويتحفظ الجميع عن الافصاح عنها».

اما زوار عين التينة فنقلوا عن الرئيس نبيه بري تأكيده ان «الثنائي» الشيعي سهل منذ البداية عملية التشكيل وارتضى وعن قناعة بالحد الادنى من حصته وحقوقه في الحكومة العتيدة. اما في شأن تأييده لعملية توزير نواب المعارضة السنية او احد اعضاء «اللقاء التشاوري السني» فهو انطلق من المبادئ والاسس التي قامت عليها عملية التشكيل وضرورة تمثيل الجميع في ما يسمى حكومة وحدة وطنية، وسأل اكثر من طرف لماذا استثناء هؤلاء النواب او اللقاء.

وقد حضر الملف الحكومي في لقاء بين رئيس الجمهورية ميشال عون ووفد من اللقاء الديموقراطي برئاسة مروان حمادة الذي اكد التوافق مع الرئيس بالحث على تشكيل الحكومة في اقرب وقت ممكن، وقد لمست مصادر اللقاء الديموقراطي رهان رئيس الجمهورية على توسيع الحكومة، كحل للعقدة الراهنة، ولم تلحظ موافقته الصريحة على اعطاء المقعد الوزاري السني من حصته.