حزب الله غير معني بـ«تطمين» العدو ويحتفظ بخياراته الاستراتيجية للمواجهة

بولا مراد

يوماً بعد يوم تتشابك تعقيدات الوضع اللبناني سياسياً وأمنياً، ليضاف إليها مؤخراً التهديدات الخارجية المتأتية من الجبهة الجنوبية، عبر ما يسمّى عملية «درع الشمال» التي أطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بحثاً عما أسماها «أنفاق حزب الله» التي تربط الجنوب بعمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتضفي مزيداً من الضغط على الواقع الاقتصادي المتأزم أصلاً بفعل الفراغ الحكومي الذي بلغ منتصف الشهر السابع. ويسعى الرئيس المكلّف سعد الحريري الى تسويق سياسة استقطاب الاستثمارات الأوروبية والعربية، استباقاً لتنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» المعلّقة على حبال التعطيل الحكومي، وسط تضاؤل الآمال بنجاح مساعيه وفق تقدير خبراء الاقتصاد، الذين ذكّروا بأن انتعاش الاستثمار مرتبط حكماً بالاستقرار السياسي والأمني، وهما غير متوفرين حالياً.

ورغم حراجة الوضع الداخلي بقيت تطورات الأوضاع في الجنوب، مستأثرة باهتمام القيادات السياسية، التي كثّفت اتصالاتها لتلافي أي تدهور عسكري محتمل، حيث أعطى وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، توجيهاته الى سفيرة لبنان لدى الأمم المتحدة لتقديم شكوى أمام مجلس الأمن الدولي ضدّ إسرائيل، بسبب تماديها في انتهاك السيادة اللبنانية لأكثر من خمسين مرّة يومياً.

وبموازاة التحرّك السياسي والدبلوماسي، وضعت وحدات الجيش اللبناني المنتشرة على طول الحدود الجنوبية، بجهوزية تامّة للتعامل مع أي مغامرة إسرائيلية فوراً، وبما تقتضيه التطورات الميدانية، وفق ما أكد مصدر عسكري، شدد على أن «القوى العسكرية والأمنية تراقب الأوضاع عن كثب، وهي حريصة على استمرار الاستقرار، لكن لن تقف مكتوفة الأيدي حيال أي اعتداء على السيادة أو على المواطنين اللبنانيين في مناطق الجنوب وغيرها».

واستدعت تطورات الساعات الماضية اجتماعاً عسكرياً ثلاثياً في الناقورة، برئاسة القائد العام لقوات «اليونفيل» اللواء ستيفانو ديل كول، حضره كبار ضباط القوات المسلحة اللبنانية والجيش الإسرائيلي في موقع الأمم المتحدة في رأس الناقورة، وشملت المناقشات «أنشطة الجيش الإسرائيلي جنوب الخط الأزرق للبحث». وشدد ديل كول على «الدور الحاسم لآليات الارتباط والتنسيق التي تضطلع به القوات الدولية لتخفيف حدة التوترات من خلال التواصل المستمر، وتجنب سوء الفهم وضمان الحفاظ على الأمن والاستقرار على طول الخط الأزرق وتعزيزه». وناشد كل الأطراف «تقديم الدعم الممكن للحد من مستوى الخطاب المرتفع».

وتترافق الجهود السياسية والدبلوماسية والعسكرية، مع استنفار دائم للمقاومة بكل قطاعاتها العسكرية، وأوضحت مصادر مقرّبة من «حزب الله» أن «المقاومة غير معنية بتقديم تفسيرات أو تطمينات للعدو الإسرائيلي، وهي تحتفظ بكل خياراتها الاستراتيجية في المواجهة مع العدو، سواء باستخدام الأنفاق أو التحصينات التي يستخدمها لدحر أي عدوان على الشعب اللبناني».

الى ذلك أكد خبير عسكري أن موضوع الأنفاق «يشكل أحد الخيارات الناجحة لـ«حزب الله» بمواجهة إسرائيل»، وقال «بغض النظر عن دقّة أو عدم دقّة المعلومات الإسرائيلية عن وجود أنفاق تبدأ من الجنوب وتصل الى المستعمرات الإسرائيلية، فإن الامر ليس بجديد، وهذا يتقاطع مع الوعود التي قطعها السيّد حسن نصر الله، بنقل المعركة الى أرض العدو، ودعوته مقاتلي المقاومة الى تحرير الجليل الأعلى». ولم يستبعد الخبير العسكري أن «تفجّر المقاومة مفاجأة مدويّة في حرب مقبلة، تتمثّل في السيطرة على المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية، وقد يؤدي ذلك الى استقطاب عربي واسلامي، واصطفاف جديد الى جانب المقاومة والتسليم بخيارتها».

وفيما تواصل الأجهزة القضائية والأمنية تحقيقاتها في حادثة الجاهلية التي أسفرت عن استشهاد محمد أبو دياب مرافق الوزير السابق وئام وهّاب، لتحديد مصدر الرصاصة التي أصابته وهوية القاتل، تستمرّ الجهود السياسية لاحتواء ما جرى، وتجنيب الجبل والشوف مخاطر الفتنة، أطلق المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، موقفاً هو الأول من نوعه منذ الخضّة التي أحدثتها تنفيذ قوّة من فرع المعلومات عملية مداهمة لمنزل وهّاب وتنفيذ مذكرة إحضار قضائية صادرة بحقه، أشار فيه الى أن «مسألة التقيد بمبدأ حقوق الإنسان واحترام كرامة الأشخاص، الذين هم في عهدتهم ليست مسألة تقديرية لهم تخضع لاعتبارات الزمان والمكان، بل هي مسألة إلزامية لها أساس دستوري وقانوني ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالسلوك والقيم الأخلاقية والمهنية». وقال إن «أصحاب الحق في استعمال السلاح بالأمس (السبت) لم يستعملوا حقهم في إطلاق النار، ونحن عندما نذهب لتوقيف الأشخاص نبدأ بإشارة قضائية، وننتهي بإشارة قضائية، ونحن نعرف حقوقنا، ونطلب منكم أن تعرفوا حقوقكم». وأكد عثمان أن «المواطن لا يمكنه أن يتذرع بجهله للقوانين، فالحق هو حق، ونحن نلتزم بالقانون التزاما مطلقاً».

حكومياً لا يزال الوضع في دائرة المراوحة، حيث شدد رئيس مجلس النواب نبيه برّي على «ضرورة الاسراع في تشكيل الحكومة»، معولاً على الدور الذي يقوم به رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل. ونقل عنه النواب خلال «لقاء الأربعاء» النيابي أن «فكرة توسيع الحكومة الى 32 وزيراً لا تزال قابلة للنقاش وقد تشكل حلاً».

من جهته، شدد تكتل «لبنان القوي» على «ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة»، مشيراً الى ان «الطروحات كثيرة لحل العقد، ونحن ملتزمون بتحرك رئيس التكتل الوزير جبران باسيل ونعتبر أن الحلول متوفرة دون أن يشعر أحد بالاستهداف، وبالتالي المفروض أن نتوصل الى قواسم مشتركة دون تأخير». وأعلن التكتل في بيان أذاعه النائب إبراهيم كنعان، أن «لا لزوم للحديث مجدداً عن ضرورة وتشكيل الحكومة، فنحن نرى التحديات الأمنية على الحدود وهناك تحديات اقتصادية مهمة ونحن مستمرون بالمسعى الذي نقوم فيه بذات الروحية بدون أي محاولة للتعرض لحقوق أحد»، معتبراً أن «التضحية ضرورية وإطلاق عمل السلطات التنفيذية اليوم حاجة ملحة».