وسط تزاحم التطورات السياسية والأمنية في الشارع، تبرز الأزمة الإقتصادية والتي تنذر تداعياتها المباشرة وغير المباشرة في جرف الواقع في اتجاهات غير محسوبة وغير مسبوقة، قد تكون الأخطر منذ سنوات. وعلى الرغم من عدم الترابط ما بين الأزمة الراهنة على الصعيد الأمني والضغط الإجتماعي الناجم عن التأزّم في الوضعين المالي والإقتصادي، على الأقلّ في اللحظة الراهنة، فإن مصدراً وزارياً معنياً، أكد أن ازدياد المشاكل، وبشكل خاص اتساع رقعة الجمود والعجز في القطاع الخاص وارتفاع نسبة البطالة، سيجعل من الشارع المساحة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الإحتجاجات أولاً، وللمطالبة بتغيير الواقع والسياسات المالية والإقتصادية ثانياً، وللدخول نحو تنفيذ رزمة الإصلاحات الضرورية من أجل وضع حدّ لكل العناوين المرفوعة حول العجز والدين العام.

ولذا فإن الأصوات التي تطالب اليوم بإلغاء سلسلة الرتب والرواتب أو تجميدها، أو حسم نسبة محدّدة منها، لن تحقّق أية مكاسب، وفق المصدر الوزاري نفسه، كما لن يؤدي إلى أية نتائج إيجابية، حيث أنه من المرجّح أن يؤدي ذلك إلى أخطار عدة، لن يكون عنوان الشارع سوى واحداً منها، خاصة وأن حديثاً يدور في الكواليس عن إمكان تحوّل الحركة الشعبية الإحتجاجية في الشارع إلى حركة شبيهة بما حصل في العاصمة الفرنسية الأسبوع الماضي من تحركات احتجاجية لأصحاب «السترات الصفراء». وفي هذا المجال، يرى المصدر نفسه، وجوب وقف الحديث عن إلغاء السلسلة، كون هذا الأمر لن ينقذ الوضع الإقتصادي للدولة، بل على العكس، فهو سيدفع نحو إرساء مناخات سلبية على الساحة الداخلية ستنعكس على مجمل الواقع المالي العام. وأكد أن كل التبريرات التي يجري الحديث عنها من أجل السير بأية قرارات على صعيد مالية الدولة من بوابة تعديل السلسلة، لا تلغي أن الإجراء الرئيسي والوحيد لمعالجة وقف النزف في الخزينة، هو من خلال وقف الهدر وتنفيذ الإصلاحات الضرورية من أجل الحدّ من تراجع الوضع المالي، علماً أن خطوات ثلاث هي ضرورية اليوم من أجل الوصول إلى تحقيق هذا الهدف، وذلك من خلال، أولاً وضع حدّ لأي زيادة في الإنفاق، وثانياً وقف عمليات التوظيف في القطاعات الرسمية، وثالثاً تجميد أي عمليات قد تؤدي إلى زيادة نسبة العجز في الخزينة العامة.

وإزاء هذا الواقع، فإن المصدر الوزاري نفسه، اعتبر أن كلام رئيس مجلس النواب المطمئن والخيارات التي تحدّث عنها بالأمس كل من وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تؤكد أن كل ما يتم تداوله عن تهديد للوضع المالي جراء سلسلة الرتب والرواتب، لا يستند إلى أية معطيات واقعية، لا سيما وأن المستحقات التي حصل عليها المستفيدون من السلسلة، هي مشروعة، وأي عملية حسم لها لا بد وأن تُترجم سلباً على الصعيد الشعبي، حيث أن البلبلة والمخاوف الحاصلة من تدني قيمة العملة نتيجة الأزمة الإقتصادية، ستكون لها تأثيراتها المباشرة في الأسواق، وبالتالي على سعر صرف الليرة، وعندها فإن قيمة كل الأجور ستتراجع، وليس فقط أجور القطاع العام، مما يجعل من الطروحات المتزايدة حول تعليق العمل بالسلسلة، سيؤدي إلى خلق مشكلة إقتصادية جديدة تفاقم الأزمة الإجتماعية، وتزيد من تأزّم الوضعين المالي والإقتصادي، إن لم يكن الأمني.