حجم المواكبة الاميركية «للتهويل» الإسرائيلي على لبنان، بذريعة القيام بحملة للبحث عن أنفاق لحزب الله، تصل بين الجنوب والأراضي المحتلة، زاد من منسوب «القلق» لدى المسؤولين اللبنانيين، وجاء الإجتماع «العاجل» الذي عقد بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في بروكسل، ليضفي المزيد من التوتر على المشهد، خصوصا ان ما توافر من معلومات، يفيد بأن السفيرة الاميركية في بيروت اليزابيت ريتشارد تولت نقل رسائل اميركية متشددة خلال «مروحة» من الاتصالات» شملت الرؤساء الثلاثة وعدد من القيادات اللبنانية.. وفيما يلتزم حزب الله استراتيجة «الصمت البناء» في مواجهة التصعيد الاسرائيلي والاميركي الممنهج، تستبعد اوساط مقربة من المقاومة حصول حرب شاملة بفعل هذه «الهمروجة»، لكنها لم تستبعد احتمال حصول ما يسمى «بمعركة» بين «حربين»، تريدها اسرائيل محدودة لاستعادة مفهوم «الردع» لكن حزب الله قد يحولها الى «فرصة» لـ«قلب المعادلة» ليس في لبنان وانما في المنطقة، لان القرار اتخذ بالرد الحاسم على اي اعتداء مهما بلغ حجمه... علما ان «الشك» تحول الى «يقين» عند الاسرائيليين بان «المياه» تجري من «تحت اقدامهم» منذ عملية الرد في شبعا قبل نحو عامين..

ووفقا لما تسرّب عن فحوى المحادثات الهاتفية بين السفيرة الاميركية وعدد من المسؤولين اللبنانيين، انها نقلت رسائل «تهديد» اسرائيلية، حمّلها نتنياهو لوزير الخارجية الاميركي، لم تصل الى حدود التحذير من حرب، لكنها وصلت بجديتها الى حد المطالبة باخذ الامور هذه المرة على درجة كبيرة الحذر، وعدم اعتبار ما يحصل مجرد «مناورة» اسرائيلية، وشددت ايضا على ان بلادها تدعم حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها.. وقد خرج المسؤولون اللبنانيون بانطباع واضح يفيد بأن واشنطن لا تسعى فقط الى احراج لبنان الرسمي بل الى «ترهيبه»، خصوصا ان ريتشارد حرصت خلال محادثاتها على التأكيد ان مسألة الانفاق تعتبر خرقا للقرار 1701وهذا يرتب مسؤوليات وتبعات على الدولة اللبنانية، وليس فقط على حزب الله، وهي اكدت ان واشنطن تنتظر من السلطات اللبنانية اجراءات عملية لتطبيق بنود القرار.

واذا كان حزب الله متمسكاً حتى اللحظة باستراتيجية «الغموض البناء» ازاء ما يحصل على الحدود، فإن اوساطاً مقربة من المقاومة تشير الى ان الحذر مطلوب في هذه المرحلة دون الحاجة الى «الذعر»، فاسرائيل تعتمد سياسة التصعيد الممنهج ضد لبنان، وتوحي بأنها تحضر «ساحة العمليات» لشيء ما، غير واضح المعالم حتى الان، وهذا بالطبع يتطلب من الجانب الاخر الجهوزية التامة لمواجهة اي احتمالات قد تأتي من خارج السياقات المنطقية، والعقلانية التي يمكن من خلالها استبعاد حصول حرب اسرائيلية شاملة تستهدف حزب الله، لاسباب كثيرة اهمها ميزان «الردع» القائم وعدم جهوزية الجبهة الداخلية الاسرائيلية سياسيا، وامنيا، وعسكريا لمواجهة حرب مفتوحة ستؤدي حتما الى تدمير هائل في البنى التحتية الاسرائيلية، وستسبب خسائر بشرية لا يمكن لأي رئيس حكومة قوي ان يتحمل تبعاتها، فكيف بنتانياهو «الضعيف» «والملاحق قانونيا بتهم فساد،وسقوط حكومته معلق على خروج وزير واحد منها، ولذلك لا افق لاي معركة مع حزب الله الان، وكل الخلاصات العسكرية الاسرائيلية تشير الى ان الحرب ستكون مكلفة ونتائجها غير محسومة...

لكن هذا الامر لا يعني انه يجب عدم التحسب لخروج الامور عن «السيطرة» نتيجة خطأ في الحسابات السياسية او الميدانية، لكن هذا لن يؤدي الى وقوع حرب واسعة، بحسب تقديرات تلك الاوساط، ففي هذه الاوقات الحرجة التي يمر بها نتانياهو لمحت مصادر ديبلوماسية اوروبية انه يحتاج الى عملية «استعراضية» يعيد من خلالها ترميم صورته، واذا وجد ضالته عن طريق استهداف حزب الله باعتباره اكثر «اعداء» اسرائيل قوة وقدرة، فلن يتردد، وقد حذر هؤلاء من احتمال حصول ما يسمى «معركة» بين «حربين»، اي ان يبادر الجيش الاسرائيلي الى القيام برد محدود في الزمان والمكان ضد اهداف منتقاة داخل الاراضي اللبنانية لا تؤدي وفقا لحساباته الى حصول تصعيد كبير، كما حصل في حرب تموز2006 ولكن تهيىء الارضية للحرب المقبلة، ولكنها يفترض ان تؤدي غرضها من حيث استعادة «الردع» مع المقاومة، وترسم «قواعد» جديدة للمعادلة التي سبق وحيّدت لبنان عن تبادل «الرسائل» «النارية» التي كان مسرحها الاراضي السورية، واذا نجح نتانياهو في هذا الامر يكون قد حقق انجازا سياسيا وعسكريا هو الاول منذ حرب تموز عام 2006.

ومن هنا، لا تستبعد المصادر المقربة من حزب الله، ان يكون في بال القيادة الاسرائيلية احتمال مماثل يجري تحضير الارضية المناسبة لتنفيذه، ولكن يببقى السؤال حول رد فعل الطرف الاخر على عمليات مماثلة؟ هل سيكون «مكتوف اليدين» ازاء اي محاولة لتعديل «قواعد الاشتباك»؟ وهل سيترك للاسرائيليين تحديد مكان وزمان وحدود اي عملية عسكرية؟ بالطبع لا.. وهذا الامر لا يحتاج الى الكثير من عناء التفكير او التحليل، فهذا السيناريو موضوع على «الطاولة» في غرفة عمليات المقاومة التي رفعت مجموعة من الخيارات المتاحة وتم اقرارها في مجلس شورى حزب الله ، ولم يتاخر السيد حسن نصرالله في المجاهرة بالموقف علنا في خطابه الاخير حيث اكد ان اي استهداف عسكري اسرائيلي للاراضي اللبنانية سيتم الرد عليه حتما، وهذا امر غير قابل للنقاش..

ووفقا للمعلومات، عندما اعلن السيد نصرالله موقفه لم يكن يوجه «رسالة» ردعية للاسرائيليين لمنعهم من ارتكاب اي «حماقة»، وانما كان يقول لهم ان جهوزية المقاومة قد اكتملت «وبنك الاهداف» موضوع على الطاولة، وكل تصعيد سيواجه بمثله او ربما اكثر، وهذا يخضع لتقويم قيادة الحزب التي ستحدد حينها حجم الرد الذي تراه مناسبا.. وهنا تذكر تلك الاوساط انه لا توجد ضمانة بأن تكون معايير «المعركة» بين «الحربين» واحدة، فالمقاومة لها معاييرها التي ستكون واحدة من «المفاجآت» الجديدة في اي تصعيد مهما بلغ حجمه... وقد جرى خلال الساعات القليلة الماضية ابلاغ «رسالة» حازمة في هذا الصدد الى الاميركيين والاسرائيليين عبر «قنوات دبلوماسية» اوروبية بان المقاومة «لن تسكت» ولن تسمح لاحد بتغيير «قواعد اللعبة»..

وانطلاقا من هذه المعطيات يبقى عامل الخوف هو ما يحرك الاسرائيليين باتجاه حزب الله، فهم يعتقدون انه نجح في بناء مواقع وتحصينات وانفاق تحت الارض في قرى الجنوب، وجاء تهديد السيد نصرالله بنقل المعركة إلى الجليل أو إلى الداخل الإسرائيلي، ليعزز مخاوف القيادة الاسرائيلية المتأكدة انه لا يناور.. وكان الذعر الذي ينتاب المستوطنين حافزا لدى الجيش الاسرائيلي للبحث دون جدوى عن انفاق بعد زعمهم سماع اصوات حفر، وضجيج، تحت منازلهم في اكثر من مستوطنة، ولكن البحث لم يصل الى اي مكان.. لكن الامور بدأت تاخذ منحى اكثر خطورة وجدية قبل نحو 3 اعوام عندما ردت المقاومة على الغارات الاسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل الحدود اللبنانية على مقربة من سوريا، بعملية اطلاق صواريخ على مواقع اسرائيلية في مزارع شبعا.

حينها اظهرت التحقيقات الاسرائيلية ان مدى الصواريخ يشير الى انها اطلقت من داخل المزارع، وليس من خارجها، وهذا ما حيّر الاسرائيليين الذين لم يعثروا يوم ذاك على آثار تدل على موقع اطلاقها، ما عزز قناعتهم بانها اطلقت من خلال انفاق تحت الارض ...ومنذ ذلك الحين لا تزال «لعبة القط الفأر» مستمرة دون ان يتمكن الاسرائيليون «الحائرون» من تفسير ما حصل من تحقيق اي نتائج ميدانية... واذا صدقت الادعاءات الاسرائيلية باكتشاف انفاق، فخياراتها ستبقى محدودة واسهلها القيام بإقفال او تفجير الأنفاق من جهة فلسطين المحتلة، اما اذا اختارت الذهاب الى معركة محدودة او حرب شاملة، فخيار الرد قادم لا محالة، ولدى حزب الله الاستعدادات الكاملة لمواجهة كافة الاحتمالات.. ويبقى «الصمت» سيد الموقف الى حين يقرر السيد نصرالله الكلام، وهو خيار تجري دراسته بجدية.