أثار الفيديو الترويجي الذي نشره الإعلام الحربي المركزي لـ «حزب الله» يوم الجمعة الماضي، ارتباكاً كبيراً لدى العدو الإسرائيلي برز في التعليقات التي بُثّت على مواقع التواصل الإجتماعي وفي مختلف وسائل الإعلام الصهونية. هذا الفيديو الذي لم تتعدَّ مدّته الدقيقة ونصف الدقيقة تمكّن من الردّ على التهديدات الإسرائيلية المستمرّة للبنان بشنّ حرب جديدة عليه، وعبارة «أيها الصهاينة، إن تجرّأتم ستندمون» كانت كفيلة بلجم اندفاعة إسرائيل في اتجاه «حزب الله»، والمزاعم التي نقلها وزير الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة في أيلول الماضي عن وجود مواقع صواريخ للحزب قرب مطار بيروت الدولي.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة، بأنّ نتنياهو كان يأمل من خلال ما ادّعاه في الأمم المتحدة عن امتلاك «حزب الله» لقواعد صواريخ قرب مطار بيروت الدولي، أن يلفت الأنظار من جهة الى أنّ الحزب لا يأبه بأرواح اللبنانيين القريبين من المواقع الثلاثة التي تحدّث عنها، ولهذا يتخذ قاعدة للصواريخ تابعة له قرب ملعب نادي العهد الرياضي الذي لا يبعد إلاّ كيلومترات معدودة عن المطار الوحيد القائم حالياً في لبنان، وأن يُؤلّب من جهة ثانية، غضب المجتمع الدولي على ممارسات الحزب، ما يعطيه ذريعة بشنّ حرب جديدة عليه تبدأ من المطار كونه يُمثّل الشريان الحيوي بين لبنان ودول الخارج، وتريد إسرائيل ضربه لقطع الأوصال بين لبنان واي دولة خارجية.

غير أنّ مخططّات نتنياهو لم تنفع، على ما أوضحت الاوساط، إذ لم يلقَ استعراضه في الأمم المتحدة أي نتائج ملموسة، على غرار ما كان يأمل. وجاءه الجواب بعد ذلك من وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الذي قام بجولة ميدانية لـ 72 سفيراً وديبلوماسياً معتمدين في لبنان، الى المواقع التي زعم نتنياهو أنّها موجودة، ليتبيّن للحاضرين أن لا شيء قرب ملعب العهد، ولا أثر بالتالي لأي قواعد للصواريخ، ما دحض اتهامات العدو وفضح أكاذيب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

أمّا الفيديو الذي بثّه الحزب، فيقول بعض العارفين بأنّه جرى إعداده ونشره من قبل الإعلام الحربي المركزي بعد أن قام العدو بسلسلة محاولات لإخافة لبنان و«حزب الله» منها، ولا سيما آخرها الإتهامات والإدعاءات الإسرائيلية التي نشرتها عبر الأقمار الإصطناعية عن وصول طائرة ايرانية الى مطار بيروت الدولي محمّلة بالأسلحة والمعدّات المتطوّرة، فضلاً عن تكثيف طلعات الإستطلاع الجوية في جنوب لبنان، الى جانب إقامة غارات وهمية على جنوب سوريا، والهجوم الإلكتروني الذي نفّذته بهدف تضليل الرادارات.. وقد سبق ذلك كلّه مناورات برّية تضمّنت هجوماً إسرائيلياً على إحدى القرى الحدودية استعملت فيها «الروبوتات» بدلاً من الجنود كونها لا تنوي إرسال قوّاتها الى لبنان في حال حصول أي اعتداء جديد عليه، لأنّها تعلم سلفاً بأنّها ستخسر هذه الحرب البريّة أمام عناصر الجيش اللبناني والمقاومة الأقوياء والمعتادين على هذا النوع من المعارك والمؤهّلين لتحقيق الإنتصار فيه.

من هنا، فإنّ ما تضمّنه الفيديو من كلام للأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله عن أنّ «أي إعتداء على لبنان، أي غارة جويّة على لبنان، أي قصف على لبنان، سنردّ عليه حتماً حتماً حتماً»، قد أرعب العدو الإسرائيلي، على ما أوضحت الأوساط نفسها، وجعله يُعيد حساباته ليس فقط بالنسبة للربح والخسارة في حربه المقبلة على لبنان التي يُهدّد بشنّها باستمرار، وإنّما بمدى عدم فاعلية المزاعم التي أطلقها نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة.

وتقول الاوساط، بأنّ عبارة «أيّها الصهاينة إن تجرّأتم ستندمون» والتي ألحقها الفيديو بالكشف عن صور وإحداثيات من الجوّ أكّدت أنّ حزب الله لا يعلم أين تقع المواقع العسكرية والاستراتيجية للعدو فقط، إنّما بات قادراً على استهدافها في الحرب المقبلة بالصواريخ المتطوّرة التي يملكها والتي يُمكنها أن تصيبها بشكل دقيق ومباشر، جعلت الإسرائيليين، مسؤولين ومدنيين، يتضعضعون ويخشون من أي خطوة مستقبلية غير مدروسة من العدو العسكري الإسرائيلي، رغم أنّ أحد عسكريي العدو اكتفى بالقول بأنّ «تهديدات نصرالله فارغة»، بهدف التخفيف من أهمية ما كشف عنه الفيديو من معلومات دقيقة. كما حاول السيّد نصرالله إفهام إسرائيل بأنّ الحرب المقبلة ضدّها ستكون مختلفة عن حرب تمّوز- آب 2006 التي انتصر فيها ولم تتمكّن خلالها من القضاء على حزبه رغم الغطاء الدولي التي حصلت عليه آنذاك، ومختلفة تماماً عن حربها مع الفلسطينيين في غزّة، إذ قدّم للعدو الاسرائيلي قائمة الأهداف التي سيضربها، (وذلك ردّاً على مزاعم نتنياهو عن وجود 3 قواعد للصواريخ كشف عنها أمام المجتمع الدولي تمهيداً لضربها مستقبلاً)، وتتضمّن: قاعدة بالماخيم، قاعدة تل نوف، قاعدة رامات دافيد، قاعدة نيفاتيم، قاعدة حتسور، مركز ديمونة للأبحاث النووية، خزّانات أمونيا حيف، وقاعدة الأركان العامّة أي وزارة الدفاع في تلّ أبيب.

وهذا التحديد للمواقع جعل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تأخذ تهديدات «حزب الله» على محمل الجدّ، على ما عقّبت الاوساط، سيما وأنّها تعلم بأنّ السيّد نصرالله عندما يقول كلمة ينفّذها.. ففي المرّة الأخيرة التي قام فيها الحزب بتوزيع مقاطع فيديو أعلن خلالها عن نيّته بـ «احتلال المستوطنات» على الحدود الجنوبية، على ما أفادت المعلومات، أدلى السيّد نصرالله بهذا التصريح علناً، وسرعان ما تحوّلت هذه التهديدات الى خطة عمل منتظمة ذات إستجابة متعدّدة الأبعاد في حال تدهور الوضع الأمني في الجنوب الى حرب جديدة. فالعدو الإسرائيلي يأخذ كلام السيّد نصرالله بشكل جدّي جدّاً، وإن قام بعض العسكريين بالاستخفاف علناً بما يملكه الحزب من معلومات، وذلك بهدف السيطرة على الرأي العام الداخلي ولتقوية معنوياته أمام ما يعتبرونه حرباً نفسية يلجأ اليها الحزب من حين الى آخر.

وعمّا أعلنه جيش العدو عن أنّه رصد أنفاقاً لهجمات حدودية لـ «حزب الله» تسمح بالتسلّل من لبنان الى أراضي إسرائيل (فلسطين المحتلّة) وباشر عملية «الدرع الشمالي»، على ما أسماها، لسدّها أو تدميرها، علماً أنّها لم تكن قد بدأت العمل بعد، فهو يدخل في باب التهويل، على ما أشارت الأوساط نفسها، سيما وأنّه لم يُحدّد مكان وعدد هذه الأنفاق ولا الوسائل التي سيستخدمها لهذه الغاية.

فالثمن اليوم أمام أي حرب «إسرائيلية» جديدة على لبنان، سيكون باهظاً، وهذه الرسالة وصلت بشكل واضح الى العدو الإسرائيلي، على ما أكّدت الأوساط نفسها، ما يجعل فكرة ضرب لبنان أو شنّ حرب جديدة عليه مستبعدة من قبل الصهاينة الى أبعد فترة ممكنة. فقد بات واضحاً أمام المسؤولين العسكريين الاسرائيليين بأنّ الحرب المقبلة على «حزب الله» في لبنان لن تكون «نزهة»، كما أنّ حماية المواطنين في تلّ أبيب هذه المرّة، لن يكون بالسهولة نفسها، على غرار المرّات السابقة.