بقي ملف الهبة العسكرية الروسية الى الجيش اللبناني معلقا، بانتظار تحديد الجانب اللبناني وجهة قبولها... بعد الحديث المتداول عن «ترحيلها» لصالح قوى الامن الداخلي، وسط مساع للوصول الى اخراج لا يضر بالعلاقات اللبنانية ـ الروسية، ولا «يُنقِّز» الادارة الاميركية التي تتعامل مع لبنان من موقع «صاحبة المونة»، وبخاصة في ملف تسليح الجيش اللبناني.

«الدوشة» التي رافقت طرح الهبة الروسية ارتفعت مع غياب الموقف اللبناني الواضح منها، الامر الذي استدعى زيارة للسفير الروسي الى وزارة الدفاع ولقائه قائد الجيش العماد جوزاف عون، وخروجه بانطباعات ايجابية مصحوبة ببعض الحذر من ان يكون الرد المنتظر منسجما مع «الرغبات والتمنيات» الاميركية.

لم تمضِ ساعات قليلة على المواجهة البطولية التي خاضتها قوة الجيش اللبناني المتمركزة في بلدة عديسة عند الحدود مع فلسطين المحتلة، ضد الاحتلال الاسرائيلي عند اطراف مستوطنة مسكافعام، حتى حضر على عجل وفد عسكري وامني اميركي، يرافقه محققون كُلَّفوا بتقصي «الحقائق» عما اذا كان ضباط وجنود الجيش اللبناني استخدموا في المواجهة ذخائر «القداسة» الاميركية من اسلحة يتوزد بها الجيش ضمن برامج المساعدات العسكرية.

لا يُهمل الجانب اللبناني المجاهرة في الحرص على علاقات صداقة مع روسيا، لكن غالبا ما تكون اي شحنة عسكرية من المساعدات الروسية تقدم هبة للجيش اللبناني، عنوان جدل يلفه الغموض والارباك والشفافية، وآخرها المتعلق بهبة الذخائر، حيث «ابتدعوا «نظرية الترحيل من مؤسسة عسكرية الى مؤسسة امنية، في حين ان ما هو معتمد ان الدولة الواهبة عادة ما تختار وجهة هبتها، وتلفت الى «التسامح» الروسي تجاه «الدلع» اللبناني في ملف الهبة، وما رافقها من ميوعة من السلطة السياسية، وفق ما ترى اوساط مطلعة، اوصلت الى «مخرج» ترحيل الهبة، وترى ان واضعي هذا المخرج يؤمنون انه يُجنِّب لبنان الحرج من «السطوة» الاميركية على تسليح جيوش المنطقة، ومنها لبنان، ورسم خط احمر، بما يُرضي الاميركيين، امام اي محاولة لتعزيز النفوذ الروسي المتنامي منذ اندلاع الحرب على سوريا، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقات الصداقة مع روسيا التي كانت تأمل في الوصول الى محادثات مع لبنان تُثمر عن اتفاق تعاون يفتح الموانىء البحرية والجوية اللبنانية، امام البوارج الحربية والطائرات العسكرية الروسية.

وبرأي الاوساط المطلعة، فان الاحتلال الاسرائيلي، وبعد تجربته المريرة مع روسيا في الملف السوري، فهو قلق من محاولات «تسلل» التسليح الروسي انطلاقا من ان ذلك سيؤدي حتما الى تقييد لا بل تكبيل اليد الاسرائيلية الطويلة على لبنان، في حين يتعاملون مع التسليح الاميركي بارتياح واسع، طالما انهم يحصلون على ضمانات اميركية بان المساعدة العسكرية للجيش اللبناني لا تشكل تهديداَ للاسرائيليين، في حال حدوث مواجهة، وأن الأسلحة المقدمة لا تغيّر موازين القوى بصورة جوهرية، وتلفت الاوساط الى ان ما سُوِّق من مخاوف اميركية واوروبية بوصول الاسلحة النوعية والمتطورة الى ايدي «حزب الله»، يُستحضر مع كل جولة مساعدات عسكرية خارجية الى لبنان، وتشير الى بعض المحطات في هذا السياق، وتقول الاوساط يوم رفض لبنان ثماني طائرات ميغ 27 الروسية المتطورة بحجة ان كلفة صيانتها ووقودها مرتفعة!، وبالتالي فلا قدرة مالية للبنان على تحملها !، ورفضت فرنسا بيع لبنان صواريخ «ميسترال» المضادة للطائرات، ادرك الاسرائيليون مدى فاعلية الضغوط الاميركية على لبنان ونجاعتها، وهي ما تزال سارية المفعول وتحضر اليوم بقوة في ملف الهبة العسكرية الروسية «المعلَّقة»... حتى اشعار آخر.

وبرأي المطلعين، فان الارتياح الاسرائيلي من «المونة» الاميركية على لبنان الى تزايد، وتُذَكِّر انه حين اسقط سلاح الجو الاسرائيلي قبل اربع سنوات طائرة استطلاع صغيرة، تحدثت معلومات غير دقيقة ان «حزب الله» هو من اطلقها باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة، قام وفد اميركي وُصِف بـ «رفيع المستوى»، يرافقه الملحق العسكري في السفارة الاميركية بزيارة الى الجنوب وجال في منطقة «الخط الازرق» الحدودي، واللافت انه حرص على تفقد «الحديقة العامة» التي اقامتها بلدية كفركلا، وهي ملاصقة تماما للجدار الاسمنتي الحدودي الذي بنته قوات الاحتلال، فالاسرائيليون مؤمنون بالارادة الاميركية في لبنان، وترجمه مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد ساترفيلد الخبير في شؤون لبنان والمنطقة، والمصنف اسرائيليا بـ «صديق اسرائيل»، بقوله... أن الإدارة الأميركية تنوي الاستمرار في جهودها الرامية إلى دعم العناصر الأمنية الرسمية في الدولة، وخصوصاً الجيش اللبناني، بالرغم من ان بعض الاوساط السياسية والعسكرية داخل الكيان الاسرائيلي يعتبرون ان الجيش اللبناني بات أداة في يد «حزب الله»، ولا فائدة من تعزيز قواته.

وفي السياق نفسه، ثمة من يسأل.. من يمنع ان يتزود لبنان منظومات الصواريخ المضادة للطائرات، لوقف الانتهاكات الجوية اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال الاسرائيلي في الاجواء اللبنانية؟ وهل يدرك اللبنانيون ان بلدهم يكاد يكون البلد الوحيد في العام الذي يترك اجواءه مستباحة لعدو... وممنوع عليه ان يتسلح بصواريخ تحمي سماءه، وتلفت الى ان من يمنع امتلاك لبنان بمنظومة صواريخ اسوة بدول المنطقة، هي منظومة من المصالح والحسابات ذات البعدين الاقليمي والدولي... والى حين حصول متغيرات جوهرية في موازين القوى، فان لبنان سيبقى رهينة الاستباحة الاسرائيلية لبره وبحره وجوّه، طالما ان خضوعه للضغوط الاميركية تجعل منه الحلقة الاضعف.