لا شك في ان سماحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، انقذ لبنان من فتنة كبيرة، و«حمام دم» عبر تدخله السريع لضبط الرؤوس الحامية، في البلد واعادتها الى رشدها وعقلنتها مما ادى الى اطفاء «فتيل» الجاهلية، واتخاذه مساراً مختلفا، وباتت الامور بعهدة القضاء الذي عليه كشف ملابسات ما جرى، وكيف قتل الشاب محمد ابو ذياب الذي بكته الجاهلية وكل قرى الجبل في ظل اجماع من كل ابناء الطائفة الدرزية معارضين وموالين على الاشادة باخلاصه وسيرته الحسنة ومد يد العون للجميع واعتداله وعمله لمصلحة الطائفة الدرزية.

وبعيداً عن التأويلات، وكلام مواقع التواصل الاجتماعي والعديد من النخب الدرزية الاشتراكية والجنبلاطية التي وجهت سهامها نحو حزب الله وسوريا وايران وتحميلهم مسؤولية ما جرى، حيث ترد مصادر مطلعة على هذا الكلام والذي يتبناه جنبلاط شخصياً. وتسأل المصادر هؤلاء اين تدخل حزب الله ضد جنبلاط وليقدموا دليلاً واحداً على تدخل الحزب ضده او العمل على تحجيمه رغم كل مواقف جنبلاط وانتقاداته العنيفة لحزب الله والرئيس بشار الاسد وايران وصولاً الى روسيا؟ رغم ان جنبلاط اخذ في كل المحطات خيار «المتراس الاول» ضد ايران وسوريا وحزب الله منذ عام 2005 حتى يومنا هذا؟ وعلى جنبلاط ان يسأل الرئيس نبيه بري حليفه الاول منتصراً او مهزوماً. ماذا كان موقف حزب الله في الانتخابات النيابية الاخيرة في بيروت وحاصبيا والجبل؟ وكيف صبت الاصوات الشيعية في الجبل بالتساوي بين كل اللوائح؟ حتى ان جنبلاط ابلغ ان حزب الله لا يريد مواجهة معه، ولو كان حزب الله او سوريا او ايران يريدون المواجهة لكانوا شكلوا لائحة تضم ارسلان ووهاب والقومي والتيار الوطني والشيوعي بمواجهة لائحة جنبلاط وكانوا نالوا 6 نواباً وكانت خلافات ارسلان ووهاب سقطت بنصف ساعة، حتى ان جنبلاط وجه الشكر لحزب الله على مواقفه بالطرق المعروفة.

وتتابع المصادر، لقد تعرض حزب الله لانتقادات من حلفائه في الانتخابات النيابية لمراعاته جنبلاط، ورئيس التقدمي يعرف ان الرئيس ميشال عون خاض معركة توزير طلال ارسلان وليس حزب الله، وبالتالي استمرت السهام الجنبلاطية على الحزب دون معرفة الاسباب. حتى جاء تمثيل الوزراء السنة، وانبرى جنبلاط فجأة «بسماء صافية» للهجوم على حزب الله وسوريا وايران من دون سبب ولقصة حكومية بسيطة، وما «بتحرز» حتى ان الوزير وهاب كان الى جانب جنبلاط في معركته الاخيرة ضد ارسلان، ولو كان حزب الله وسوريا يريدان معركة مع جنبلاط لطلبا من وهاب اتخاذ موقف معاكس، عبر اتصال هاتفي فقط؟ وتخيلوا لو كان وهاب نائباً لكان التوازن الدرزي تحقق فعلاً في البلاد وحلفاؤه يتحملون المسؤولية بذلك، والمستفيد الاول هو وليد جنبلاط.

وتشير المصادر، الى ان القلق الجنبلاطي والذي لا يمكن تجاوزه يعود الى تطورات المنطقة وانتصار سوريا وايران وحزب الله، وهنا بدأت «النقزة» الجنبلاطية نتيجة رهانات خاطئة وتورطه وتحريضه دروز سوريا على الانقلاب على النظام ومحاولته زجهم في «وكر دبابير بالمنطقة»، واي عاقل في السياسة يتخذ هذا القرار بعيداً عن بهورات البعض. ورغم ذلك، اين حاول حزب الله استثمار انتصاره في المنطقة داخلياً وتحديداً ضد جنبلاط؟ واين حاولت سوريا استغلال انتصارها ضد جنبلاط؟ واذا كان لديه اي «معلومة» فحزب الله قادر على معالجتها، لكن مشكلة جنبلاط تكمن في انه يعتبر كل معارض درزي عميلاً للمخابرات السورية والايرانية وحزب الله، وبان هؤلاء مزروعون بالطائفة للانقلاب عليه لمصلحة اجندات خارجية وتحديداً سوريا بالدرجة الاولى، علما ان جنبلاط يدرك ان خيار المقاومة يحظى بشعبية عند الدروز تتجاوز الـ 40% وهو «خيار مقدس» وهؤلاء «مزلطين» من كل الخدمات ومعرضون «للعين الحمراء» دائماً ولم يتبدلوا ووقفوا الى جانب المقاومة في كل المراحل، وجنبلاط يدرك ان اصحاب هذا الخيار من «فقراء الطائفة» واخر همهم الامتيازات والمناصب والوظائف، وليقدم جنبلاط دليلاً واحداً على ان احداً منهم قبض اموالاً «للحرتقة» عليه ودعم حزب الله للتوحيد وارسلان والقومي لا يذكر عند دعم السعودية لجنبلاط مع خدمات الدولة اللبنانية ووزارة المهجرين لانصاره، حتى ان جنبلاط يدرك انه في احداث 7 ايار، وقف اكثرية حلفاء المقاومة ضد الاشتباكات في الجبل، رغم ان ليل 5 ايار الطويل والمؤامرة على المقاومة وسلاحها ادى الى ما حصل في 7 ايار وبعدها اتفاق الدوحة الذي حافظ على كل امتيازات التقدمي، وجنبلاط في هذا الاطار يعرف كل التفاصيل جيداً.

لكن السؤال الاساسي، حسب المصادر، والذي لن يكون له جواب في القريب: من هي الجهة القادرة على «طمأنة» جنبلاط بعد انتصار الاسد وسوريا وقناعة جنبلاط ان هذا الانتصار سيدفع ثمنه عاجلا ام اجلا سياسيا، علما ان رئيس التقدمي يدرك جيداً أن القرار الأول والاخير في لبنان هو لسماحة السيد حسن نصرالله وهو الحريص الاول على الدروز وجنبلاط ووحدة هذه الطائفة، وجنبلاط يدرك جيداً ان حزب الله رغم حماس حلفائه لتشكيل «سرايا المقاومة» في الجبل اسوة بكل الناطق فان السيد نصرالله رفض هذه الفكرة مطلقاً منعا لاي حساسيات في الطائفة الدرزية.

وحسب المصادر، فان كل ما قدمه حزب الله من ايجابيات قابلها جنبلاط بردود سلبية، وصلت الى «الدق» بحلفائه وهذا لا ولن يرضاه حزب الله، فالحزب لم يقف مع الوزير ميشال سماحه وترك الامر للقضاء ومع رفعت عيد وغيرهما تاركا الامر للقضاء، في ملفات عليها الكثير من الشكوك، لكن ان تصل الامور الى ضرب حلفائه لانهم مع المقاومة فهذا لا يقبله؟ وماذا فعل وهاب لكي ترسل له «فرقة» لم يرسل مثلها لقتال «داعش» في جرود عرسال، واذا كان الهدف من ذلك «فرك اذن» وهاب كرسالة الى الرئيس الاسد اولا باعتبار ان وهاب حليف سوريا الاول ومن خلاله الى حزب الله وايران، فهذا لن يمر مهما كان الثمن، ولن يمر ومن كانوا وراء القرار دفعوا «ضريبة كبيرة» بأن حولوا وهاب الى رمز لبناني من الدرجة الاولى، وفي قلب المعادلة، كما وحدوا الاطراف الدرزية الذين شعروا انهم مستهدفون جميعا، وبالتالي فان الوضع الدرزي سيأخذ مساراً مختلفاً بعد حادثة الجاهلية عبر توازنات جديدة.

لكن السؤال الاساسي: من يقف وراء القرار وارسال القوة الى الجاهلية، فالمعلومات تؤكد، ان حزب الله ابلغ وهاب ان رئيس الجمهورية لم يأمر بالقرار، وانه اطلع عليه بعد حصوله ووجه تأنيباً شديداً الى المعنيين بالقرار، لكن السؤال الاساسي: هل يمكن لقوة كبيرة من المعلومات ان تتحرك في منطقة تابعة للجيش والذي دفع بتعزيزات كبيرة الى المنطقة نتيجة التوترات، ان تتحرك وتدخل الشوف دون علم الجيش اللبناني؟ سؤال برسم المعنيين فالجميع يتنصل اليوم من المسؤولية، بعد اعتراف الجميع بالخطأ، وبأن البلاد كانت على شفير حرب اهلية لولا حكمة قائد القوة المداهمة من آل «عليوان» الذي انسحب بعدما شاهد على الارض ما يحصل واستعداد شباب وهاب الى القتال لاخر نقطة دم، فالدم يجر الدم، والتدخل الفوري لحزب الله الذي قال كلاماً كبيراً للمعنيين ووجه تحذيراً حاسماً يرفض الحزب الكشف عن تفاصيله. علما ان مشايخ كباراً ومعروفين بعدم تأييدهم لوهاب وقفوا الى جانبه خلال الاشكال رافضين دخول «البيوتات» الدرزية بهذا الشكل، ولماذا المؤامرة على وهاب فقط، في بلد فيه كل شيء الا القانون.

نتائج ما حدث

ويبقى ان موقف حزب الله وحلفاءه يتلخص بالآتي:

1- عدم الموافقة ورفض المس بالكرامات والاساءة الى الرموز من اي جهة كانت، مع الاسف الكبير للانحدار الذي حصل في الخطاب السياسي والاعلامي خلال الاسبوع الماضي من جميع الاطراف، وما قام به الوزير وئام وهاب هو في اقصى الاحوال جريمة قدح وذم. وهذا الامر تتابعه المحاكم المختصة.

2- من الواضح ان الطريقة التي تم التعامل بها مع هذه القضية، اي ارسال 40 آلية ومئة عسكري لم يكن الهدف منه تبليغ وهاب ولا مذكرات احضار وجلب له، وانما الامر الحقيقي لهذا الموضوع هو القتل المتعمد عن طريق افتعال اشتباك داخل المنزل وفي محيطه بحيث يؤدي هذا الاشتباك الى اطلاق نار متبادل يقتل خلاله وئام وهاب، وعندئذ سوف يتم تصوير الامر على انه قتل خلال اشتباك وحادث عرضي، وبعد ذلك يتم تقاذف المسؤوليات والاتهامات حول مرتكب الجريمة ثم تجري لفلفة الموضوع لاحقاً. ومن اخذ بالقرار جهة كبيرة بغطاء من قوى محلية وقد احبط حزب الله المخطط.

3- هل الذي ارسل هذه الدورية كان يعلم بالمحاذير السياسية والطائفية القائمة في البلد؟ هل كان يعرف الى اين يمكن ان تؤدي الامور؟ هل كان يتوقع ان ذلك قد يؤدي الى فتنة كبيرة في الجبل، وربما فتنة طائفية في البلد، وبعدها يصبح لبنان على حافة الحرب الاهلية؟ اذا كان لا يعلم فتلك مصيبة كبيرة اما اذا كان يعلم وكانت هناك نية مبيتة بالجريمة فذلك في غاية الخطورة.

4- في العام الماضي في مثل هذا الوقت، كان الرئيس سعد الحريري معتقلاً في السعودية، وكانت تعليمات محمد بن سلمان وتامر السبهان والاخرين من ازلامه تهدف الى دفع البلد الى حافة الحرب الاهلية عن طريق الايحاء بان سعد الحريري رئيس الوزراء السني المعتقل انما استقال بسبب الاجواء الطائفية في البلد، ودعوة المشايخ الى القاء خطب تحريض طائفي في المساجد وفي يوم الجمعة ومن ثم تسيير التظاهرات الكبيرة وقطع الطرقات وخلق اجواء طائفية تؤدي الى فتنة بين السنة والشيعة، وقد تم وأد هذه الفتنة عن طريق التدخل والعاقل والحكيم من قبل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وحزب الله والعمل معاً من اجل عودة رئيس الحكومة الى وطنه ومنع البلد من الانجرار الى الحرب الاهلية.

5- ان حزب الله الذي يرفض ان يتم استخدام القضاء لغايات سياسية، ويرفض استخدام السلطات الامنية بهذا المستوى من اللامسؤولية من قبل السلطة السياسية فانه في الوقت نفسه يوفر مظلة امان كبيرة للوزير وئام وهاب، ولن يسمح اطلاقاً باستفراد حلفائه.

6- ان حزب الله المعروف بالتزامه ووفائه لحلفائه، اكد بسلوكه العملي انه يضع الوفاء والالتزام مع حلفائه على مستوى اعلى من السياسة، فكما وقف الى جانب الوزير سليمان فرنجية في عدة مواقف، خاصة في ما يتعلق بتشكيل الحكومة، ووقف الى جانب الوزير جبران باسيل في مسألة توليه وزارة الطاقة خلال الازمة المعروفة ايام تشكل حكومة نجيب ميقاتي، ووقف الى جانب الرئيس ميشال عون الى حد العمل على ايصاله الى رئاسة الجمهورية، ووقف الى جانب حلفائه السنة بفرض قانون انتخاب على اساس النسبية، ثم الوقوف الى جانبهم في مسألة تشكيل الحكومة، فانه في الوقت نفسه وقف الى جانب حلفائه الدروز في اكثر من مناسبة وان مناسبة احداث الجاهلية جاءت للتأكيد مرة اخرى ان حزب الله يقف على جانب حلفائه ولن يتركهم ولن يخذلهم عند الشدائد.

الخلاصة ان حزب الله هو الجهة الوحيدة اظهرت ان حزب الله مواجهته الوحيدة التي عملت على منع انجرار البلد الى حافة الحرب الاهلية في الجاهلية بعد ارسال هذه الاليات وافتعال مشكلة في بلدة الجاهلية عن طريق الضغط على رئيس الحكومة وعلى فرع المعلومات وعلى القضاء، وان حزب الله رفع الصوت عالياً في هذا الموضوع الامر الذي منع الانجرار الى حرب اهلية وان الحزب وهو وحده من منع الانزلاق الى الفتنة وحمى البلد والطائفة الدرزية في الدرجة الاولى.

اما درزياً، فان المطلوب بعد نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة وما حققه وهاب فيها وبعد موقفه الشجاع في احداث الجاهلية مدعوما من حزب الله فان من المؤكد ان الاحادية الدرزية كسرت، ووهاب بات رقما صعبا في المعادلة الدرزية في داخل الجبل وهذا يفرض انشاء تحالف عريض يضم كل القوى الدرزية الوطنية من ارسلان الى الحزب القومي وفيصل الداود وسواهم لاخذ مواقف تترجم وجودهم في الجبل والوطن وتدفع الامور نحو العمل السياسي دون اي تشنجات او خلافات، لان العمل السياسي يتسع للجميع.

القلق الجنبلاطي باق وسيستمر مع كل تقدم للجيش السوري، وما زاد قلقه هو عدم الجواب السوري على رسائل ودية ارسلت من قبله عبر اصدقاء مشتركين الى القيادة السورية حسب متابعين معارضين لجنبلاط في هذا الملف، وكان الرد «تعلمنا الكثير ولن نعيد الاخطاء والقرار عند السيد حسن» ومن حق جنبلاط ان يقلق لكن القيادة السورية وبناء على موقف مشايخ العقل الدروز لم تمارس اي ردود سلبية ضد الذين وقفوا ضدها في السويداء في ظل ما قدمه دروز جبل العرب لسوريا من شهداء في الجيش العربي السوري وصل عددهم الى اكثر من 8000 شهيد، والقرار عند كبار مشايخ الطائفة في سوريا.

لكن الدروز في هذه الظروف افتقدوا كثيرا لحكمة الشيخين ابو حسن عارف حلاوي وابو محمد جواد ولي الدين، فهل من يتعظ؟