متى السترات الصـفراء في لبنان ؟

بعيداً عن الحساسية التي يثيرها اللون الأصفر، لكأنه الهواء الأصفر، ودون أن نستعيد ما قيل حول «القمصان السوداء».

لطالما وصفنا الطبقة السياسية عندنا بـ«الغربان بالياقات البيضاء».

منطقياً، علينا انتظار السترات الصفراء في الداون تاون. يوم كان الشغف اللامتناهي بالموضة الفرنسية، من كوكوشانيل الى ايف سان لوران، قبل أن نتحول الى الموضة الأميركية، من الفيس بريسلي وحتى كوندوليزا رايس.

الفرنسيون يدعون الى الجمهورية السادسة. حتى الشانزيليزيه، بأرصفته الملكية، وبزينة الميلاد التي تشعرك أن السيد المسيح ولد في قصر فرساي لا في مزود أو في مغارة، بدا، وسط الحرائق، كما لو أنه احدى ضواحي الصفيح في كلكوتا.

الخشية الآن من أن يرفع أصحاب السترات الصفراء شعار «قوس النصر بعد الباستيل»، وتندلع الثورة الثانية التي تدفع نحوانقلاب دراماتيكي في منظومة القيم.

مع اقتناعنا، ثانية، بأن ما يحدث جاء بحركة اصبع من جينا هاسبل، مديرة وكالة الاستخبارات المركزية، بعدما رفع ايمانويل ماكرون الصوت بالتحرر من «النير الأميركي». القارة العجوز بحاجة الى زلزال. ريجيس دوبريه كتب عن «اعادة ترتيب الزمن»، أو «اعادة هيكلة الزمن».

عندنا، الجمهورية الثانية ولدت قيصرياً. هاهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. أكثر ما يثير قلق الرئيس ميشال عون، بالنبرة الديغولية، أوبالنبرة البونابرتية، أن تسقط الجمهورية بين يديه.

نحن بين الجمهورية صفر والجمهورية الثالثة. طبقة سياسية رثة، ولا تتقن مراقصة الاعصار. أركانها جاهزون لحزم حقائبهم الى برودواي أوالى الكوت دازور.

ألا نعيش الآن أجواء عام 2005 ان لم تكن أجواء 1975؟

دائماً، اعادة عقارب الساعة الى النار.

وراء الضوء حديث هائل عن الاحتمالات بعدما قادت الطبقة اياها الجمهورية الى الخراب (كل أشكال الخراب). من من اللبنانيين يقول ان هناك دولة في لبنان؟ لماذا، اذاً، رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء، والمجلس النيابي؟

صفقة القرن التي كان قد لحظ أن تنطلق من الأرض السورية قد تنطلق من الأراضي اللبنانية. لا بد من استيعاب «حزب الله»، وتفكيكه، بزجه في صراع داخلي (مذهبي بالدرجة الأولى).

ما يحدث، في سائر المجالات، يشي بأننا بلد على وشك الاضمحلال. الطبقة السياسية متواطئة. يفترض ان يتآكل كل شيء كي لا يبقى هناك من خيار سوى النزول الى الخنادق، أوالنزول الى القبور.

لم تعد تجدي لا السترات الصفراء، ولا السترات الحمراء. هذا زمن «الخوذات البيضاء». لبنان يضج بأحصنة طروادة، من أقصى اليمين الى اقصى اليسار، ومن جماعة قندهار الى جماعة لاس فيغاس.

متى الانفجار؟ أكثر من جهة دولية تدق ناقوس الخطر ما دام هناك من يقف على الأسوار وينفخ في الأبواق.

وراء الضوء ايضاً، كلام حول العودة عن تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة. الحجة (الأحجية؟) أنه لا يستطيع، في أي حال، الا أن يجاري واضعي السيناريو البديل لصفقة القرن.

في أكثر من وسط سياسي سؤال ينطوي على أكثر من دلالة: من يحرك شارع سعد الحريري؟

هناك من يقول «كلنا اختبرنا ردات الفعل على اي كلام بحق أي من مقامات الفريق الآخر، لماذا، اذاً، استهجان ردة الفعل حيال عبارات تجاوزت كل حدود الاساءة الى سعد الحريري وصولاً الى رفيق الحريري؟».

الذين يردون يقولون «ان ردات فعلنا اقتصرت على الشارع، ولا قبل لنا بتوظيف المؤسسات القضائية، والأمنية، في هذا المجال».

يعتبرون أن عملية الجاهلية تمت بأسلوب يحاكي، في أكثر من جانب، حادثة القنصلية في اسطنبول، كما لو أن الهدف قتل وئام وهاب وتقطيع جثته، ولأغراض تتجاوز رئيس الحكومة المكلف الذي ما زال يعيش هاجس الساعات الرهيبة بين يدي ولي العهد وولي الأمر.

اصابع داخلية وتتقاطع مع اصابع خارجية في محاولة صناعة الكارثة. الطبقة السياسية التي اعتمدت على عصا الساحر، أو على قبعة الساحر، في ادارة (أو تدوير) الأزمات، لم تفكر، يوماً، في التخطيط الاستراتيجي، وفد دخل في أساسيات البقاء لأي دولة.

السترات عندنا ليست من لون واحد. لكل فئة، لكل طائفة، ستراتها الخاصة. لا مجال لانتقال العدوى من الأم الحنون الى الصبي الذي بعمر المائة عام لم يبلغ سن الرشد. لا حكم بمنطق الدولة وانما بمنطق الغابة.

لبنان ليس قوى سياسية بل اشلاء سياسية. ليس قوى طائفية بل أشلاء طائفية. متى القداس الأخير على روح الجمهورية؟!