بولا مراد

لم يكن للنواب السنة الـ10 الذين لا يدورون في فلك تيار «المستقبل» أي قدرة على فرض تمثيلهم حكوميا والأهم تعليق عملية التشكيل التي كان من المفترض أن تكون قد أُنجزت قبل أكثر من شهر، وبالتحديد بعد حل ما كان يُعرف بـ«العقدة القواتية»، لولا قرار تبني حزب الله مطلبهم. فبات الـ10 سيمثلون على الأرجح بوزيرين بعدما كان التوجه لاحتكار التمثيل السني من قبل تيار «المستقبل». ورغم حصر الحالة السنية المعارضة بـ6 نواب مع رفض الـ4 الآخرين الانضمام الى تكتل ذي صبغة مذهبية، الا أن ما يمكن التأكيد عليه أن حزب الله نجح بفرض حلفائه السنة لاعبين فاعلين في الحياة السياسية ككل، بعدما كان تأثيرهم شبه معدوم مع تشتتهم في تكتلات نيابية شتى. اليوم يترقب الاعلام كل موقف يصدر عن أحد هؤلاء النواب لمحاولة البناء عليه لتبيان المسار الذي تسلكه عملية التشكيل. أما اجتماعات «التكتل التشاوري» فباتت محط أنظار ومتابعة وفاقت بأهميتها للاعلام اجتماعات «المستقبل» و«لبنان القوي» وغيرها من اجتماعات الكتل الاساسية في المجلس النيابي.

وكما العادة، أعد حزب الله حساباته بدقة. فمع قراره الانسحاب الى الخلف في موضوع «العقدة السنية» ووضع حلفائه الـ6 في الواجهة، داعيا أي مفاوض للجلوس معهم مباشرة وحصر أي قرار يُتخذ بهم شخصيا، تمكن من اعطائهم الحيثية التي لطالما افتقدوها بغض النظر عن شكل وحجم تمثيلهم النيابي المرتقب. وفي هذا المجال، تعتبر مصادر سياسية معنية أن الحزب ضرب عصفورين في حجر واحد، اذ تمكن من خرق الساحة السنية من بابها العريض مع التوجه لتوزير وزيرين سنيين من خارج مظلة «المستقبل»، شخصية يتوافق عليها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، وشخصية أخرى تمثل «اللقاء التشاوري»، علما أن الحزب لم يكن يتطلع أو يطمح لخرق بأكثر من وزير واحد، اذ وقع الحريري بالحفرة التي نصبها لأخصامه بخروجه للحديث علنا بتوزير شخصية سنية محسوبة على ميقاتي بعدما كان التوجه لتوزير شخصية مسيحية كانت على الأرجح النائب جان عبيد.

أما العصفور الثاني الذي سقط بضربة حزب الله، فالسعي لحصر المقاومة في الطائفة الشيعية بهدف احراجها أمام المجتمع الدولي وتصويرها كحزب طائفي بأهداف مذهبية. وتشير المصادر الى أن حزب الله نجح اليوم وبعد سنوات من النضال في هذا المجال باعادة وهج المقاومة لما كان عليه قبل العام 2000 حين كان كل اللبنانيين يلتفون حولها وبشكل خاص السنة، لافتة الى ان ما يحصل اليوم خرق كبير في الساحة الاقليمية والدولية باعتبار ان حزب الله بات قادرا ليخرج ويتحدث بارتياح عن غطاء وطني للمقاومة التي باتت تحظى بتأييد نيابي رسمي شيعي عبر نواب «الثنائي الشيعي»، مسيحي عبر أكبر كتلة نيابية في البرلمان اي كتلة «لبنان القوي» وسني عبر نواب «اللقاء التشاوري» الذين سيتمثلون أيضا في الحكومة.

ولعل العنصر المستجد الأبرز مؤخرا، هو نجاح حزب الله أيضا باختراق الساحة الدرزية من بابها العريض. فبالرغم من ان ما حدث في الجاهلية نهاية الاسبوع كان يهدد بانفجار أمني كبير، الا أن نتائجه صبت مباشرة لمصلحة حزب الله اذ وسّع من حيثية حلفائه في البيت الدرزي الذي ضاق كثيرا على رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط. وتشير المعلومات الى توجه لقيام تكتل درزي لم تكن الظروف ناضجة لقيامه عشية الانتخابات النيابية الماضية، يضم بشكل أساسي رئيس الحزب «الديمقراطي اللبناني» النائب طلال ارسلان ورئيس حزب «التوحيد العربي» وئام وهاب وشخصيات درزية أخرى تدور في فلك المقاومة، ما سيضيف غطاء جديدا لحزب الله أمام المجتمع الدولي هو الغطاء الدرزي، بعدما كان غطاء هشا قبل حادثة الجاهلية. فبحسب المصادر السياسية المعنية، تمكن وهاب مؤخرا من فرض نفسه «حالة درزية» يُحسب لها ألف حساب، وهو ما ظهر جليا في حجم القوة الأمنية التي أرسلت لاحضاره للمثول أمام القضاء، كما في القرار السريع الذي اتخذ بالتراجع عن التوقيف بعد تدخل حزب الله للدفاع عن حليفه ومؤازرته.

وبمقابل النجاحات التي يسجلها حزب الله سواء في الميدان السوري خلال السنوات القليلة الماضية أوفي التخطيط السياسي في الداخل اللبناني، تتوالى خسارات أخصامه التي بلغت مستويات غير مسبوقة، ولعل أكثر ما يثير استهزاء انصار الحزب في هذا المجال، أن هذه الخسارات محققة بمعظمها بأهداف يسجلها الخصم في شباكه مباشرة من دون أي مجهود من لاعبي فريق المقاومة.