هل بدأت إسرائيل حرباً من نوع آخر في منطقة الشرق الأوسط تقوم على التنافس بينها وبين الدول الأخرى، ومن بينها لبنان، على تصدير الغاز للدول الأوروبية، وتعمل بالتالي على عرقلة تصديره من لبنان قبل البدء باستكشافه؟ فالاتفاق الرباعي بينها وبين كلّ من قبرص واليونان وإيطاليا حول مدّ أنبوب غاز مشترك في عرض البحر المتوسط بطول 2100 كيلومتر، من فلسطين المحتلّة الى قبرص مروراً باليونان وصولاً الى إيطاليا، أصبح حقيقة واقعة. وهذا الخط الذي سيُنشأ يُعتبر الأطول والأعمق في العالم تحت الماء، إذ تبلغ سعته 12 مليار متر مكعّب سنوياً، وتُقدّر كلفته بين 7 و10 مليار دولار أو أكثر، بحسب التقديرات، على أن يُصبح في الخدمة في غضون خمس سنوات، من بدء العمل الذي لم يتمّ تحديد موعده بعد، لكنّه لن يكون بعيداً.

ورغم أنّ لبنان وفلسطين ومصر وسوريا هي دول معنية بحقل الغاز الذي جرى اكتشافه في العام 2011، وبناء عليه قرّرت إسرائيل عقد الإتفاق الرباعي لإنشاء خط الأنبوب في البحر وتصدير الغاز عبره الى الدول الأوروبية، إلاّ أنّها لا تُعتبر جزءاً رسمياً من هذه الاتفاقية، ما يُحتّم عليها التصرّف إزاءها حفاظاً على حقوقها في المنطقة الإقتصادية الخالصة.

وتقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة بأنّه على لبنان التحرّك سريعاً تجاه قبرص من جهة، واليونان وإيطاليا من جهة أخرى. قبرص بصفتها إحدى دول الجوار التي وقّعت مع لبنان اتفاقاً ثنائياً لتحديد المنطقة الإقتصادية الخالصة للبلدين في 17 كانون الثاني من العام 2007، وضرورة مراجعة هذه الحدود وتحسينها، لا سيما بعد الإتفاق الذي تمّ توقيعه بين قبرص وإسرائيل في 17 كانون الأول من العام 2010، ودخل حيّز التنفيذ في 25 شباط 2011، وقد اعتمدت فيه النقطة (1) والتي لا يُوافق عليها لبنان، كونها تقتطع مساحة قدرها نحو 860 كلم 2 من المنطقة الإقتصادية الخالصة العائدة للبنان. كما عليه مراجعة إيطاليا، كون شركة «إيني» الإيطالية هي إحدى الشركات الثلاث التي منحها لبنان التراخيص لاستكشاف النفط والغاز في منطقته البحرية، الى جانب «نوفاتيك» الروسية، و«توتال» الفرنسية.

وإذ تشير التقديرات الى أنّه لدى لبنان في 45 % فقط من منطقته الاقتصادية الخالصة المقسّمة الى بلوكات، نحو 95.5 تريليون قدم مكعّب من الغاز، و865 مليون برميل من النفط ، فإنّ إسرائيل تسعى من خلال اتفاقها مع الدول الأوروبية عرقلت تصدير لبنان لغازه الذي لم يتمّ استكشافه بعد. علماً أنّ المرحلة الأولى من استكشاف النفط والغاز التي ستمتدّ على فترة 3 سنوات قد بدأت في أيّار المنصرم بعد أن تمّت الموافقة على خطتي الإستكشاف في البلوكين رقم 4 و9 في المنطقة الإقتصادية، على أنّ لبنان ينتظر إطلاق دورة التراخيص الثانية خلال 6 أشهر. وأفادت المعلومات في هذا السياق، بأنّ لبنان يعاني من مشكلة تصدير الغاز منه الى الخارج، ولهذا فإنّ إسرائيل تنطلق من هذه الثغرة لعرقلة أي محاولات مستقبلية لتصدير غازه، سيما أنّ اقتصاد لبنان لا يتعلّق بالغاز، إنّما بالنفط مباشرة. فضلاً عن أنّ ثمّة صعوبة في تصدير الغاز، في ظلّ الافتقار الى آليات التصدير، كما أنّ الخطوات تتطلّب عملية تسييل الغاز بواسطة البواخر التي يجب أن تكون في البحر، أو بواسطة مواقع على البرّ. ولهذا فالحلّ يقضي باستقدام البواخر لتسييل الغاز المستكشف، ثمّ بوضعه في البواخر ونقله الى الخارج، لأنّه ليس هناك أنابيب غاز في البحر يتمّ عبرها تصدير الغاز الى الخارج.

ولهذا، فمع إنشاء هذه الأنابيب وفق الإتفاق الرباعي، على ما أشارت الأوساط نفسها، فقد اشترطت إسرائيل على شركائها الأوروبيين الإستحصال المسبق على موافقتها في حال أراد لبنان استخدام الأنبوب لتصدير غازه الى الدول الأوروبية. وهذا الشرط بالطبع لن يخضع له لبنان، كونه يصدر عن دولة عدوّة تعمل على هضم حقوقه والاستيلاء كلّ ما هو ليس ملكاً لها. وتقوم إسرائيل بخطوة إستباقية لكي تُصعّب على لبنان مهمة تصدير غازه، التي هي صعبة أساساً، إذا لم تتعاون معه الدول المعنية باستكشاف واستخراج النفط والغاز في منطقته الاقتصادية الخالصة. في موازاة ذلك، طلبت إيطاليا أيضاً الإستحصال على موافقتها على مدّ الأنبوب لاحقاً الى فرنسا أو إسبانيا، إذا أرادت الدولتان استيراد الغاز عبره.

ويرى بعض المراقبين أنّه من الواضح أنّ إسرائيل تريد منع لبنان من استخدام خط الأنبوب، وتتذرّع بشرط أنّه عليه أخذ موافقتها على ذلك، رغم علمها بأنّه لن يقوم بذلك، وإن كان الاتفاق الرباعي أيضاً ينصّ على أنّه ملكية تابعة للقطاع الخاص، وقد يتحوّل الى كيان خاص غير تابع لدول، ويُساهم البنك الأوروبي للتنمية في جزء من تمويله الى جانب الدول الأربع. ولهذا تعمل على منافسة لبنان من خلال إيجاد الطريق الأنسب والأسهل لتصدير غازها، في الوقت الذي تعيق فيه أي خيارات أخرى أمام لبنان مثل استخدام الأنبوب الذي يصل الى أوروبا.

وذكرت بأنّه لدى توقيع مذكرة التفاهم لمدّ الأنبوب بالأحرف الأولى في قبرص، قبل نحو عام، بين الدول الأربع، جرت تساؤلات حول الجدوى الإقتصادية للمشروع ربطاً بكلفته العالية، إلاّ أنّ دراسة الإتحاد الأوروبي أكّدت أنّه يستحقّ العمل عليه وإنجازه. وتنوي أن يتجاوز الأنبوب الدول الموقّعة عليه، وتحديداً الدول الأوروبية المهتمّة باستيراد الغاز من إسرائيل مثل بلغاريا وصربيا ورومانيا، وإن كانت لا تزال تحتلّ الأراضي الفلسطينية وكلّ ما يعود لها من ثروات وممتلكات وأراضٍ وغاز ونفط وما الى ذلك.

أمّا تركيا التي تحتلّ شمال قبرص، فتجد نفسها معنية بهذا الاتفاق، ولهذا هدّد الرئيس رجب طيّب أردوغان أي كيان ينوي إجراء بحوث دون إذنه في المنطقة المحتلّة. ولهذا السبب منعت البحرية التركية في شباط الماضي، سفينة استكشاف إيطالية من القيام بأعمال سبر في أعماق المياه الاقليمية لشمال قبرص. وهذا الأمر من شأنه أن يخلق مشكلة إضافية بين تركيا والدول الموقّعة على الاتفاقية. وفي ما يتعلّق بمصر، أفادت المعلومات أنّها وقّعت مع إسرائيل إتفاقية لتصدير الغاز اليها، وجرى إبرامها عبر شركة «غاز الشرق». وبناء عليه، سيتمّ استخراج الغاز المصري من قبل الجانب الإسرائيلي، ثمّ يُعاد تصديره الى مصر للتسييل، ومن ثمّ تصديره من جديد.

وإذ تجد الدول الموقّعة على هذه الاتفاقية أنّ المشروع يعمل على «تعزيز أمن تموين الغاز الى الإتحاد الأوروبي»، تؤكّد الأوساط نفسها، أنّ هذا الأنبوب من شأنه التخفيف من ارتباط الإتحاد الأوروبي بالغاز الروسي، ومنع لبنان من تصدير الغاز الذي ستستخرجه الشركات التي حصلت على التراخيص لاستكشاف النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة. علماً أنّه من المقرّر أن يمتد الأنبوب من حقل «ليفياتان» قبالة الشواطىء الإسرائيلية الى «أفرودايت» قبالة قبرص، والى كريت ثمّ الى اليونان وإيطاليا. وسيكون هذا الأنبوب قادراً على نقل ما بين 0.3 و0.45 مليار متر مكعّب من الغاز، على أن ينتهي العمل ببنائه في العام 2025. فهل يتحرّك لبنان قبل أن يبدأ العمل الجدّي على إنشاء هذا الأنبوب لكي يحفظ حقوقه في استكشاف واستخراج الغاز وتصديره للدول الأوروبية وسواها؟!