"عيد بأي حال عدت يا عيد"!

لبنان يا قطعة سما!

أي شعب في العالم تعرّض للاستغلال والاضطهاد من قبل شعب آخر، من حقه أن يحتفل بيوم الخلاص؛ ذلك اليوم الذي نال فيه استقلاله، واستعاد فيه حريته الذاتية، وممتلكاته، ومن هنا فقد تعارفت شعوب العالم على اختلافها على الاحتفال بذكرى الاستقلال؛ حيث يخصّص هذا اليوم لإقامة كل أنواع الاحتفالات على مستوى الدولة، وبطريقة يتسنّى فيها لكافة المواطنين المشاركة في هذه الذكرى الخالدة التي تجمع أبناء الأمة الواحدة، وتعيد إليهم ماضيهم العريق، وأمجادهم الخالدة.

احتفل لبنان بعيد الاستقلال الـ75 والدولة بكل قياداتها الرسمية والسياسية شاركت بالاحتفال الذي تقيمه قيادة الجيش، وكعادتها في كل سنة، في جادة الرئيس الراحل شفيق الوزان، حيث أقيم العرض العسكري لوحدات الجيش وألويته القتالية المدرعة وبمشاركة المروحيات القتالية، وغيرها وبمشاركة الأجهزة الامنية من امن داخلي وامن عام وامن الدولة وغيرهم۔

بلا شك في أي بلد طبيعي مستقل، يجب أن تعمّ الاحتفالات بعيد الاستقلال كل البلاد، من الشعب الى القيادات السياسية والعسكرية والامنية وغيرها، خاصة نحن في لبنان، فقد قدم الشعب اللبناني الكثير من الشهداء على مذبح الاستقلال والحرية والكرامة للحفاظ على وطن اسمه لبنان، ومن أجل الحصول على هذا الاستقلال الكبير، وتحت راية العلم اللبناني الواحد بألوانه الثلاثة والذي تتوسطه أرزة شامخة تعبّر عن عنفوان الوطن والمواطن اللبناني، ونشيدنا الوطني الذي يمتشق السيف والقلم، ومن سهوله وجباله تنبت الرجال، مع صرخة كلنا للوطن۔

كلنا للوطن

للعلا للعلم

ملء عين الزمان

سيفنا والقلم

سهلنا والجبل منبت للرجال

قولنا والعمل في سبيل الكمال۔۔ الخ۔

لكن السؤال هو، هل حافظنا على هذا الاستقلال الذي دفعنا ثمنه دم وشهداء وقتل وتهجير لأبنائه۔ جغرافيا نستطيع القول نعم، ما عدا احتلال مزارع شبعا وقرية الغجر المحتلين من العدو الاسرائيلي۔ لكننا في الداخل، هل حصلنا فعلا على استقلالنا ام أن احتلالا زرع في مجددا وسرق استقلالنا من المحتل لنقبع تحت سلطة الفساد والمفسدين وتحت سلطة بعض رجال السياسة الذين ما زالوا يعملون "مرتزقة" عند بعض الدول التي تمنحهم النفوذ والسلطة، وأيضا تحت سلطة بعض كبار التجار وأصحاب الثروات الكبيرة، الذين يسرقون مقدرات الوطن ويجعلون الشعب الذي دفع الغالي والنفيس ودافع عن كرامته وكرامة وطنه، يجعلونه يشحذ في وطنه، يسرقون منه الحلم، يسرقون منه استقلاله الحقيقي۔

لقد أخذنا استقلالنا من المحتل الغريب، لكننا وقعنا تحت سلطة الاحزاب والتيارات والطوائف والمذاهب، ودخل الاحتلال الى كل مدينة وقرية وبيت من بيوت هذا الوطن۔


كلٌّ له عَلَمهُ ونشيده

بات لكل حزب او تيار أو طائفة عَلَمهُ الخاص به ونشيده الخاص به، حتى أن الكثير من الشعب اللبناني وحتى نواب الأمة نسوا أو لا يعرفون أصلا ما هو النشيد الوطني اللبناني، لكنهم يحفظون نشيد أحزابها وتياراتهم وتناسى الجميع أنه مهما ابتعدنا وفرقتنا الطوائف والمذاهب والاحزاب، وبات وضعنا في هذا الوطن كما وصفه أحد عباقرة المسرح والفن في لبنان جورج خباز بإحدى مسرحياته بهذا النشيد الذي يعبر عن وضع الفاسدين في هذا البلد۔

"كلنا عالوطن وكل واحد عنده علم

كيف إلكن عين بهالزمن تعيشوا الناس بهالألم

بعنا السهل والجبل وعمنفتش عالرجال

والشباب بلا عمل بتهاجر لتجيب المال

كلنا برا الوطن والسرقات البِلْ-عَلَن حرقت سلاّف الوطن"

لقد وصل الامر ببعض السياسيين والفاسدين الى إفقار الناس، لا بل الى تلويث البيئة، وباتت النفايات على كل الاراضي اللبنانية من أكبر المشكلات، ونحن نحتفل بالعيد ال75 للاستقلال في بلد كهرباؤه مقننة ومهددة بالانقطاع وتتحكّم به أصحاب مولدات، والنفايات تنتشر على كل أراضيه ولا حل في المدى المنظور، ومياه أنهاره وينابيعه ملوثة، والمواطنون يقفون على أبواب المستشفيات، وبات شراء الدواء يقتصر على ميسوري الحال والأثرياء فقط، إذ ان المواطن الفقير لا يستطيع الحصول على الدواء بسبب ارتفاع اسعاره۔

كيف نحتفل باستقلالنا ونحن محكومون من طبقة سياسية عاثت فيه فسادا، لدرجة أن المواطن اللبناني بات يعتبر المطر لعنة، لأنه يخاف أن تنفجر في وجهه المجاري، وأن تغرق بيوته ومزروعاته في وحول السيول والانهار التي تدخل دون استئذان، كما يُدخل الفاسدون ايديهم الى جيوبه ويسرقونه وهو ينظر بعينيه ويكم فمه عن الكلام لانه لا حول له ولا قوة، لانهم أقوياء عليه وعلى الوطن، محميين من طائفة أو مذهب، لكأن السارق ينتمي الى طائفة او مذهب وحتى الى وطن۔


عيدٌ بأيّ حالٍ عُدت يا عيد

نعم، بأي حال عدت أيها العيد ولم يتغيّر شيئاً منذ 75 عاماً، أي منذ الاستقلال الاول، لا بل ساءت الأوضاع وتدهورت الأحوال بشكل مزري وانقرضت الطبقة الوسطى، وسيطرت طبقة فاحشة الثراء وطبقة فاحشة الفقر۔

الكثير من الشهداء قدموا دماؤهم على مذبح الوطن، لأنهم كانوا يحلمون بوطن حر، سيّد، مستقل، يعيش فيه الناس بكرامة۔

ذهبوا ليبقى الوطن الواحد الموحد۔۔۔

إرحلوا عنّا، أيها المفسدون،

إرحلوا عنّا، أيها السارقون لأحلام شبابنا،

إرحلوا عنّا، لقد دفعنا الكثير من الدماء والشهداء في سبيل هذا الوطن،

لبناننا غير لبنانكم،

لبناننا لن نعلن استقلاله التام إلا بعد أن ترحلوا عنه، لأن احتلالكم المافيوي أخطر من احتلال الغريب،

لبناننا غير لبنانكم،

لبناننا أخضر، لأنه ارتوى من دماء نقية طاهرة،

لبناننا أزهرت فيه شقائق النعمان وأينعت براعم أطفالنا بأمان،

لبناننا أبيض بشموخ جبل شيخه،

لبناننا أنهاره من لبنٌ وعسل، سماؤه صافية وبيئته نظيفة،

لبناننا قطعة سما، لا تطالها الأقزام، ولا تتطاول عليها،

لبناننا رايته حمراء، قلبه أبيض، نبضه أرزٌ لا يشيخ۔

إرحلوا عنا۔۔


كفى۔۔۔ كفى۔۔۔ كفى۔۔۔