جورج خباز، فنان لبناني أصيل، هو مجموعة عباقرة في عبقري، وقيمة لبنانية كبيرة، من جذور شجر الأرز، وهذا ليس مجاملة او مبالغة، إنما أن تكتب عن فنان كبير وعبقري مثل الفنان جورج خباز، هذا يعني أنك تنال شرف الكتابة عن مبدع ونابغة، استطاع عبر عبقريته وصبره وجلده وطموحه ومثابرته وإصراره ونضاله، ان يخترق حائط الجمود في لبنان، وحتى الوطن العربي، وينتشلنا من العبثية والفوضى المعششة فينا، وأن ينقل المسرح اللبناني، من براثن الابتذال، بعدما اتجه البعض الى مَسرَحة النكات لا سيما البذيئة منها والى استعراض المفاتن والسيقان والصراخ واحيانا النشاز الثقيل.مسرح جورج خباز يضيف الى لبنان مجد سيكتب عنه التاريخ ويضيفه الى تاريخ وأمجاد لبنان العريقة التي يحاول البعض ان يشتتنا عنها ويأخذنا الى عالم ليس عالمنا.

في مسرحيته الجديدة والتي بدأ عرضها منذ أيام قليلة، «إلا إذا تغيّر شي»، والتي تعتبر مكملة الى المسرحية السابقة «إلا إذا»، اقتحم جورج خباز كل المربعات الأمنية والسياسية والاجتماعية، لا بل سماها بأسمائها وخاطبها جميعها وبشكل مباشرة من خلال مبنى آيل للسقوط ومع ذلك فإن سكانه من كل الأطياف اللبنانية لا يقومون بأي جهد إنقاذي لوقف هذا التداعي والذي يلخّص مجتمعنا الذي تعيشه كل الطوائف في لبنان.

لم يستثن أحد من الانتقاد والنقد، في حين كان الجمهور يُشعل صالة مسرح «شاتو لو تريانو» تصفيقا وضحكات عالية، بمثل علو السقف الذي اعتمده في تناول الوضع اللبناني بكل التداعيات والمخاطر المحدقة بأبنائه متعددي المعتقدات، والذين جمعهم في مبنى واحد وعلى وشك الانهيار والذين وحّدهم الفقر والهموم المعيشية وفرقتهم الطوائف والمذاهب والسياسة.

لن نخوض كثيرا في غمار هذا العمل المسرحي الكبير، «لأن الشوفة مش متل الحكي»، ولن نتكلم عن الشخصيات الموجودة، لانه مهما قيل لن نفيها حقها وهذا ما عودنا عليه هذا الفنان العبقري، لأنه مهما كتب وقيل، فلن تبلغ لا الكتابة ولا القول حق وقيمة هذا العمل العظيم، وبكل شخصياته التي تمثل فيه، لأنهم جميعا تألقوا وأبدعوا بلا استثناء، خاصة ان شخصية هذا العمل تختلف كليا عن كل أعمال الفنان جورج خباز والذي وصفه بأنه قمة أعماله، وهو حقيقة عمل رائع بأسلوبه وشخصياته التي امتزجت الكوميديا بالدراما في أمتع واجمل كوكتيل فني على الاطلاق، لقد حوّل الصالة والحضور الى سوق عكاظ اذ امتزجت اصوات وأهازيج متعددة فيها ملامح فرح ورضى وشعور غريب لم يستطع احد من الحاضرين ان يترجم هذا الشعور الكبير.

اخبرني أحد الحاضرين بعد ان رأيت الدموع في عينيه أثناء خروجه من المسرحية، فقال: «حقيقة لا استطيع ان اعبر عما اشعر به اني في قمة السعادة والنشوة وفي عالم آخر اخذتني اليه هذه المسرحية وإني فخور اني لبناني لانه ما زال يوجد شخص في لبنان اسمه جورج خباز يخبرنا كم نحن مجتمع نعيش على الأوهام وكلنا نحب لبنان ولكننا ندمره بحبنا العشوائي».

للفنان جورج خباز، هذا الإنسان الراقي بأخلاقه رقيّه بفنّه، كل الحبّ، أقول له ما قاله أحد الفلاسفة: «كلّما بلغتم قمّة، تراءت لكم قممٌ أخرى أنتم جديرون ببلوغها». وحقيقة القمم تليق بكم! والألقاب، وأسمح لنفسي أن أستعير من كلمات جبران خليل جبران: مهما أجد قولي فليس مكافئا قولاً سموت به على النظراء.

خليل جابر