تكشفت في الساعات القليلة الماضية معطيات تفسر موقف الرئيس المكلف سعد الحريري ربطا بما تمر به المملكة العربية السعودية في قضية اغتيال جمال خاشقجي، وفيما دخلت الضغوط الاميركية على حزب الله «طورا» جديدا من «بوابة» «كورنيت» غزة، اخترقت «كوما» المفاوضات الحكومية معلومات جدية عن تراجع رئيس الجمهورية ميشال عون عن رفضه توزير نواب «التكتل التشاوري» او من يمثلهم من حصته الوزارية، وهي خطوة متقدمة على مسار تحريك «الركود» الحاصل في جولات وزير الخارجية جبران باسيل الذي لم يخط جديا بعد باتجاه «نواب سنة» 8آذار، ويفضل حتى الان اجراء لقاءات «منفردة» معهم، ما اثار علامات استفهام لـدى هؤلاء، فيما تقول أوساط «تكتل لبنان القوي» «ان كـل شيء بوقته»... في هذا الوقت يبقى موقف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري معلقا على ما سيحمله باسيل من «تسوية» نهائية لم يفصح عنها بعد، مع العلم انه بات على قناعة بأن «ولادة» الحكومة لن تحصل دون تراجعه عن موقفه من تمثيل هؤلاء، وسيكون الحل بتنازله مقابل تنازل رئيس الجمهورية، وتنازل «التكتل التشاوري» عن تمثيل واحد منهم، فيما تجري مراجعة داخل فريقه لوعده بتمثيل ممثل عن الرئيس ميقاتي، بينما لا يزال حزب الله على موقفه الرافض للتدخل في عملية التفاوض، مجـددا موقفه القائم على «قبول ما يقبل به حلفاءه»...

 من اين جاء «الكورنيت»؟

وفي ملف زيادة «الضغوط» الاميركية على حزب الله، حذرت أوساط دبلوماسية غربية في بيروت مسؤول أمني لبناني، من «تداعيات» ما حصل في غزة مؤخرا، وتوقعت تشددا اميركيا متصاعدا باتجاه الحزب، ونصحت بالاسراع في تشكيل الحكومة لحماية الاستقرار الداخلي، لان معلوماتها تشير بأن الامور لن تقف عند حدود تسريع وتيرة العقوبات على المالية في المديين القصير، والمتوسط، لكن التشدد الاميركي قد يصل الى نواح اكثر خطورة، في ظل ضغوط اسرائيلية جدية على الادارة الاميركية، بعد ان رفعت الحكومة الاسرائيلية تقريرا موثقا حول الهجوم الاخير الذي شنته حركة حماس على باص يقل جنود اسرائيليين قرب قطاع غزة، واتهمت حزب الله بنقل «صواريخ كورنيت» الى «كتائب القسام».. ولم تفصح تلك الاوساط عن طبيعة الخطوات الاميركية لكنها لفتت الى ان «الموساد» الاسرائيلي طلب مساعدة جدية من «السي اي ايه» ومن المخابرات المصرية للكشف عن «خطوط» الإمداد التي اعتمدها الحزب لايصال هذا «السلاح الفتاك» الى القطاع، محذرة من أن المرحلة المقبلة ستكون شديدة الخطورة، لان الاسرائيليين يعتقدون ان «أمنهم القومي» قد تعرض لاكبر عملية خرق في بقعة جغرافية محاصرة، ويريدون اجابات عن سؤال مركزي كيف وصلت تلك الصواريخ الى حركة حماس؟

 «التسوية» الحكومية...الرئيس يتراجع 

في هذا الوقت لا تزال «حركة» وزير الخارجية جبران باسيل «بلا بركة» عمليا، وما تمخضت عنه زياراته في اتجاه مرجعيات سياسية وروحية حتى الان، هو اقرار بحق «التكتل التشاوري» في التمثيل بالحكومة، من حصة رئيس الجمهورية، وليس من حصة رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يتجه الى التراجع عن توزير احدى الشخصيات التي تمثل رئيس الحكومة الاسبق نجيب ميقاتي، في حال تمت التسوية... لكن المتغير المهم في هذه المشاورات هو تراجع رئيس الجمهورية عن موقفه من تمثيل النواب الستة، وبات محسوما انه اعطى موافقته على ان يكون تمثيلهم من حصته الوزارية، وعلى هذا الاساس تم تكليف الوزير جبران باسيل بالتحرك، وهو ابلغ المعنيين بالتفاوض انه ينطلق في «التسوية» المفترضة من هذه الثابتة..

وعلم في هذا السياق ان الامور عند الرئيس الحريري «مش مقفلة» لجهة القبول بشخصية ترضي الطرفين، لكنه متردد في اعطاء الموافقة، لاسباب تتعلق بمراحل التفاوض، ويدرس مدى تأثيرها اقليميا.. اما الموقف المعلن من قبل «التكتل التشاوري» هو رفض التنازل عن تمثيل احدهم في الحكومة، بانتظار العرض الجدي الذي سيحمله الوزير باسيل الذي لم يخط بعد باتجاه عقد لقاء موسع مع هؤلاء النواب، وهو الامر الذي اثار استغراب مصادر نيابية معنية بالملف، والتي سألت عن سبب تأخير هذا اللقاء حتى الان، مع العلم ان الانطلاقة السليمة لاي حوار جدي تقضي بأن يحصل هذا الاجتماع بالامس وليس غدا، ولم يفهم حتى الان اسباب اصرار وزير الخارجية على عقد اجتماعات منفصلة مع اعضاء «التكتل»، وهو بعد اجتماعه مع النائب فيصل كرامي، وبالامس مع النائب عدنان طرابلسي، دون ان يقدم مخارج واضحة للازمة تاركا «الابواب» مفتوحة على الحل..

 «كل شي بوقته»..

وفيما التقى الوزير باسيل البطريرك الراعي، واعلن عن رغبته في حل يقوم على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب» وتشكيل حكومة منتجة على قاعدة التفاهم الوطني، أكدت أوساط تكتل لبنان القوي ان الحلول «تطبخ» على «نار هادئة» ولا يرغب الوزير باسيل بأن «تشيط الطبخة»، ولذلك فهو يعمل «بصمت» وفق معادلة «واقضوا حوائجكم بالكتمان»، ولذلك ليس الوقت الان لتقييم مسار عملية التفاوض، لكن المهم الان هو «تبريد» الاجواء والتفكير بعيدا عن التشنجات التي تركها «التراشق» بالمواقف الاسبوع الماضي، اما عن عدم لقاء وزير الخارجية مع «التكتل التشاوري»، فاكدت تلك الاوساط ان «كل شيء بوقته»..

اللقاء التشاوري «ينتظر»..

في هذا الوقت، تؤكد اوساط «اللقاء التشاوري» ان موقفه لا يزال على حاله لجهة حقه في دخول الحكومة عبر احد نوابه ودون منة من احد، واشارت الى انها لم تتلق اي عرض جديد حتى الان، ولم تتبلغ «رسميا» بالمخارج المطروحة من قبل باسيل، وما يقال عن قبول الرئيس عون بتمثيل شخصية سنية من «حصته»، وكذلك تراجع الرئيس الحريري عن موقفه المتشدد وقبوله بدخول من يمثل هؤلاء الى الحكومة، افكار لا تزال غير «ناضجة» بعد لانها لا تزال مجرد «تسريبات» وليست معطيات ملموسة، والان «الانتظار» سيد الموقف حتى «يفرج» الوزير باسيل عما لديه من «حيثيات» عندما يجد «الوقت مناسب» لعقد لقاء معنا»..

 لماذا يبدو الحريري «مربكا»؟ 

وفيما خرجت السعودية بالامس برواية رابعة عن مقتل جمال خاشقجي، هدفها تبرئة ولي العهد من الجريمة، قالت مصادر وزارية بارزة ان هذا الارباك يشرح كيفية مقاربة الرئيس المكلف سعد الحريري للازمة الحكومية، فهو الان يخشى دفع الثمن سعوديا، وعندما استجاب لطلب ولي العهد محمد بن سلمان للمشاركة في «خطة» فريق عمله الخاص الذي اقترح عليه اطلاق حملة علاقات عامة لمساعدته على «تلميع» صورته، شارك في مؤتمر «دافوس الصحراء» وشارك الامير السعودي «مشهدا مسرحيا» اثار سخرية العالم، ولكنه ادى ما هو مطلوب منه، وطوى «صفحة» اختطافه في المملكة بتسديد «الفاتورة» مرتين، ولهذا ليس بمقدوره ارتكاب هفوات سياسية جديدة يخشى ان تعيد الامور الى الوراء، وهذا ما دفعه الى التشدد في مسألة تمثيل نواب «سنة 8 آذار» من حصته، وهو لا يريد ان يكون السبب في ان يدفع السعوديين اثمانا سياسية على الساحة اللبنانية، ولهذا كان يعول منذ اللحظات الاولى على تسوية للملف يقوم بها رئيس الجمهورية ميشال عون مع حزب الله، وسبق ان وعده بها وزير الخارجية جبران باسيل، لكن هذا لم يحصل، ووجد الحريري نفسه في موقف حرج للغاية، اما الارباك الواضح الذي ظهر عليه في مؤتمره الصحافي الاخير، والذي ترجم بعدم رفع مستوى تصعيده الى حد الدخول في مواجهة مع حزب الله، فيعود الى وجود «ارباك» مماثل في السعودية جراء تداعيات مقتل خاشقجي، حيث بدأت ملامح «الوهن» تظهر على التحالف الثلاثي المصري - الاماراتي - السعودي، في ظل اسئلة مصرية «مشككة» بالقضية، وانتقادات امارتية غير مسبوقة، خصوصا بعد اكتشاف الاماراتيين قيام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بزيارة سرية الى الدوحة..

 زيارة الجبير «السرية» 

وعلم من مصدر دبلوماسي بارز في بيروت ان مسؤولاً اماراتياً مقرباً من ولي عهد ابوظبي محمد بن زايد اطلعه على قيام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بارسل وزير خارجيته عادل الجبير سرا الى قطر للاستفادة من علاقتها مع انقرة لانهاء ملف قتل جمال خاشقجي.وهو امر اثار «حفيظة» الاماراتيين، وقد ادى فشل الزيارة الى صدور بيان النائب العام السعودي بالامس والذي يناقض الرواية التركية، ويفتح «الصراع» مع انقرة على مصراعيه...

ووفقا للمعلومات، زار الجبير قطر الاسبوع الماضي والتقى اميرها وابلغه رسالة شفهية من ولي العهد السعودي، ملخصها ان المملكة وشركاؤها مستعدين لانهاء حصار قطر مقابل قيام الدوحة بتليين موقف الرئيس رجب طيب اردوغان من القضية «ولفلفتها» عن طريق تقديم منح مالية ضخمة للاتراك...

الامارات «غاضبة» 

وكان الدبلوماسي الاماراتي صريحا عندما عبر عن «غضب» بلاده من ما حصل في اسطنبول، وقال «ان السعوديين قاموا بقتل خاشقجي بطريقة وحشية وفظيعة، ولا احد يستطيع انكار ذلك،حتى ان بعض شركاء الرياض في الغرب اضطروا ان يأخذوا موقفا من هذه الجريمة مثل اعضاء في مجلس الشيوخ الاميركي ورئيسة وزراء بريطانيا والرئيس الفرنسي وآخرون..لكن على الرغم من التنديد العالمي بهذه الجريمة دافعنا نحن والبحرين عن المملكة ودفعنا ثمنا باهظا نتيجة موقفنا»..واضاف «لكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اعتبر موقفنا في الدفاع عنه غير كاف، ولم يكتف بتجاهلنا بل اشاد بقدرات قطر الاقتصادية في مؤتمر «دافوس الصحراء»، والاسواء من ذلك انه ارسل الجبير الى قطر ووعدها برفع الحصار عنها دون التشاور معنا مسبقا، وهو ما علمناه من مصادر اخرى».. ولذلك قام ولي عهد ابوظبي محمد بن زايد بزيارة عاجلة الى الرياض قبل ايام حيث عبر للملك وولي العهد عن «استياء» الامارات من هذه الخطوات الاحادية الجانب..

واشار المصدر الدبلوماسي الى ان المسؤول الاماراتي ابلغه، بان الامارات دفعت ثمنا غاليا بفعل تهور السياسات السعودية، وقال له كانت لدينا علاقات متوازنة ومستقرة مع كل دول المنطقة والشرق الاوسط بأسره، وحسدنا معظم العالم على تقدمنا الاقتصادي، لكن مسايرة عاسلة الملك سلمان وسياسات ولي عهده الفاشلة خصوصا في حرب اليمن ومؤخرا حصار قطر، ادت الى تباطؤ النمو الاقتصادي في الامارات، والى حصول استياء دولي من دول الخليج، ومشاكل كبيرة مع دول الجوار الاقليمية، وهذا ما سيؤدي الى مزيد من الازمات السياسية والاقتصادية والامنية.. وهو امر بات يحتاج الى مراجعة جدية... وهو ما يحصل الان من قبل القيادة الاماراتية..

 العلاقات مع سوريا 

وقد ربطت المصادر الدبلوماسية، بين هذا «الغضب» الاماراتي من سياسات محمد بن سلمان، وبين اندفاع الاماراتيين نحو فتح علاقات جدية مع النظام السوري، حيث اصبحت الاتصالات متقدمة جدا، لاعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وعودة السفارة الاماراتية الى سوريا، كمقدمة لعودة دمشق الى الجامعة العربية ضمن «صفقة» متكاملة تسعى اليها الامارات لتعبيد «الطريق» امام استعادة الثقة للعلاقات مع طهران..لكن «الارباك» السعودي في قضية خاشقجي لا يزال «يثقل» حركة الاماراتيين الذين يرغبون في «الخروج» من ازمتي اليمن وسوريا بأقل الاضرار الممكنة..

 مصر «مربكة».. وتطرح اسئلة

وفي السياق نفسه، أكدت تلك المصادرحصول لقاء بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير والسفير المصري في الرياض ناصر الحمدي الذي حمل اسئلة من القيادة المصرية عن قضية اختفاء جمال خاشقجي وعن مصير جثته؟ لكنه لم يحصل على معلومة مفيدة بل المزيد من «المراوغة» لان الجبير نفى علمه بأي تفصيل حول هذه القضية، وقال «ان المسألة اصبحت لغزا غامضا حتى بالنسبة لنا»..

وقال الحميدي ان الرئيس السيسي قلق من هذه القضية ويعتقد ان انعكاس القضية، سيؤثر سلبا ليس فقط على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بل على الملك نفسه، والحكومة السعودية من خلفه، وسوف تتزعزع ثقة العالم بالمملكة العربية السعودية. واضاف الحميدي ان قتل خاشقجي في القنصلية كان بحد ذاته معضلة الا ان ما زاد الطين بلة هو فقدان جثة الرجل وترافق هذه المسألة مع صمت سعودي مريب».. وخاطب الحميدي الجبير قائلا لسنا الوحيدين الذين نريد اجابات على العديد من الاسئلة بل البحرينيون والاردنيون والامارتيون ايضا، وعليك ان تعرف بأن هذه الاسئلة ناتجة عن تعاطف وخوف عليكم من تداعيات الحدث.. وبناء عليه اطلب من حضرتكم ان تخبرونا ما هي المساعدة التي يمكننا تقديمها لكم ونحن على اتم الاستعداد لذلك؟.. وقد رفع السفير المصري تقريرا في غاية السلبية عن اجتماعه في الرياض، ولم يخف قلقه من التداعيات المحتملة لهذه القضية كون السعوديين يتصرفون بتهور ولا يرغبون بمساعدتنا او مساعدة انفسهم..