أي دور لمساعد وزير الخارجية الروسي بوغدانوف في لبنان، ومن يتابع حركته اللبنانية تعود به الذاكرة الى الحقبة السورية ودور المرحوم اللواء غازي كنعان واللواء المرحوم رستم غزالي في استقبال الشخصيات اللبنانية والاستدعاءات الى عنجر وحلحلة خلافات المسؤولين والحصص، اما اليوم فباتت الى موسكو وكأن الوصاية السورية استبدلت بوصاية روسية وهذا ما يؤشر الى ان الدور الروسي في المنطقة وتحديداً في العراق وسوريا ولبنان والاردن، سيمسك بكل الاوراق بعد ان رسخ الروس اقدامهم في سوريا الى «أبد الابدين» ولا يمكن حماية سوريا الا «بشمول» الوصاية الروسية دول الجوار لها ومنع اي تحركات ضد الجيش الروسي في سوريا انطلاقا من العراق ولبنان والاردن، وربما كان لبنان الخاصرة الرخوة لسوريا، وهذا يتطلب تعاملا روسياً مختلفاً مع لبنان يستدعي علاقات مباشرة مع الطوائف والاحزاب والقيادات الرسمية العليا.

جدول مواعيد مساعد وزير الخارجية الروسي للشرق الاوسط بوغدانوف طويل ويشمل جميع الشخصيات اللبنانية، والاحزاب والقيادات، لكلن اللافت ان هذه اللقاءات تستثني اي موعد مع القوات اللبنانية حتى الآن، وقد بدأت اللقاءات مع بوغدانوف منذ شهر تقريبا ومحطتها في هذه الايام مع تيمور جنبلاط ومساعده وائل ابو فاعور. وبعد ايام مع الرئيس نجيب ميقاتي الذي سيلتقي لافروف لاهمية الضيف اللبناني، وكان لافروف قد التقى رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونجله طوني وقيادات المردة، النائب طلال ارسلان رئيس تيار التوحيد العربي وئام وهاب لكن اللقاء المميز كان لرئيس حزب الكتائب سامي الجميل مع جدول زيارات لمسؤولين روس، فيما شملت لقاءات بوغدانوف الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة، العميد مصطفى حمدان، التنظيم الشعبي الناصري، قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي، قيادات ناصرية، بالاضافة الى شخصيات لبنانية وفاعليات اقتصادية واجتماعية، فيما يتولى النائب امل ابو زيد ترتيب العلاقات الروسية - اللبنانية بتكليف من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل رغم ان علاقته فاترة بالمسؤولين الروس وبالسفير الروسي في لبنان زاسبكين لدوره في معركة رئاسة الجمهورية لصالح سليمان فرنجيه، اما الرئيس الحريري فعلاقته مميزة عبر مستشاره جورج شعبان الذي نال وساما من بوتين.

وحسب المتابعين، فان بوغدانوف «جنبلاطي الهوى» بالاساس وعلاقته برئيس التقدمي وبجميع قيادات الحزب التقدمي الاشتراكي وكبار مشايخ الطائفة الدرزية والحركة الوطنية اللبنانية وقيادات منظمة التحرير الفلسطينية تعود الى ايام حرب الجبل عام 1982 يوم كان مستشاراً في السفارة السوفياتية في دمشق وكان مسؤولا عن العلاقة بين الاتحاد السوفياتي والحركة الوطنية في لبنان ومع جنبلاط شخصيا والقيادات الفلسطينية، وهو ساهم بفتح مخازن الاسلحة في الاتحاد السوفياتي في حقبة الرئيس اندربوف والمواجهة الروسية السورية الكبيرة مع الاميركيين والفرنسيين والبريطانيين ودول التحالف الاوروبي واسرائيل في لبنان وقدم كل الامكانيات للمقاومة الوطنية لتنفيذ عمليات ضد الاسرائيليين وللحزب الاشتراكي، و«أمل» لاحداث موازين قوى جديدة على الارض في لبنان لصالح روسيا وسوريا، وهناك من يقول ان بوغدانوف هو من نقل رسالة للسفارة الاميركية في دمشق، ان «زحلة» خط احمر، وتقدم القوات الاسرائيلية باتجاهها سيدفع الاتحاد السوفياتي للتدخل المباشر، وان بوغدانوف هو من تابع مع خبراء سوفيات معركة «بيادر العدس» و«عين داره» وحيث خاض الجيش السوري مواجهات بطولية، ودفع القوات الاسرائيلية الى التراجع لعشرات الكيلومترات وتغيير مسار المعركة وبدء التحولات لصالح سوريا والحركة الوطنية بعد خسائر كبيرة في الجيش الاسرائيلي.

فبوغدانوف عاصر هذه المرحلة «الذهبية» من المواجهات وانتصارات الجيش السوري والمقاومة الوطنية على الاسرائيليين والاميركيين، حتى ان بوغدانوف كان يتجول في مناطق الجبل خلال الحرب ويعرف مسؤولي الاشتراكي جيدا وكوادرهم مع كوادر الحركة الوطنية ويعرف الخصوصية الدرزية والتركيبة اللبنانية بكل تفاصيلها، حتى ان هناك من يقول ان بوغدانوف هو احد الاعضاء القياديين في الاشتراكي وهو عمل مؤخراً على «ترطيب» علاقات جنبلاط بالروس بعد «الغيمة العابرة» في العلاقات، علما ان العلاقات الاجتماعية بين ابناء الطائفة الدرزية في لبنان وسوريا قوية ومتينة جداً مع الروس ولا تخلو قرية جبلية والا والعديد من شبابها متأهلين من «روسيات» خلال تحصيلهم العلمي ايام الاتحاد السوفياتي الذي كان يقدم مئات المنح الجامعية لطلاب الاشتراكي والحركة الوطنية.

وفي المعلومات، ان الطاقم الروسي، الذي كان يتولى هذه العلاقات في عام 1982 هو الاقوى في الخارجية الروسية حالياً، حتى ان هناك من يقارن بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس اندربوف لجهة القناعة بمواجهة «الامبريالية الاميركية» ولدى هذا الطاقم الروسي حنين لتلك المرحلة، ومنذ تلك الحقبة، عادت «الهيبة» الروسية الى سوريا ولبنان وطورها بوتين حالياً، الذي كان احد مساعدي اندروف عسكرياً ومخابراتياً.

وحسب المتابعين للعلاقة: فالاهتمام الروسي بالطائفة الدرزية يحظى بالاولوية الروسية في لبنان وسوريا، فالعلاقة مع جنبلاط مميزة حالياً، وابواب موسكو مفتوحة امامه وامام نجله دائماً، ومهما ذهب في انتقاداته الدرزية للدور الروسي ودعمه للرئيس الاسد، فان ذلك لا يفسد بالود قضية، وهذا لا يعني ان أبواب موسكو غير مشرعة لرئيس تيار التوحيد وئام وهاب وطلال ارسلان، في ظل حرص روسي على علاقة متوازنة مع جميع الاطراف الدرزية، فجنبلاط وكل القيادات الدرزية يعرفون القرار الروسي الحاسم ومن بوتين شخصياً بمنع سقوط السويداء في ايدي الارهابيين الذين وصلوا الى مشارفها عام 2014 واسقطوا مطارها فتدخل بوتين محذراً ملك الاردن قائلاً: «ممنوع سقوط السويداء»، وتوقفت المعركة، وهذا مانقل الى القيادات الدرزية في لبنان وسوريا، حتى ان الجنرالات الروس يتابعون اوضاع جبل العرب بكل التفاصيل حالياً، وساهموا مع الجيش السوري باطلاق 20 مخطوفاً اثناء احداث السويداء الاخيرة، كما ان وفداً درزياً كبيراً سمع من المسؤولين الروس في بداية الازمة السورية وفي السفارة الروسية بدمشق كلاماً مطمئناً عن «ان حماية الدروز يأتي من ضمن حماية كل سوريا، ولا خوف على الدروز الذين قدموا اكثر من 8 الاف شهيد في صفوف الجيش العربي السوري». كما ان تطمينات قدمها الروس الى وهاب خلال زيارته لروسيا وأبدوا اعجابهم بمواقفه من سوريا وحفاظه على الهوية العربية للدروز.

ولكن الاساس، حسب المتابعين تبقى العلاقة الروسية مع حزب الله وهي ثابتة ومتينة وقائمة على الاحترام والتعاون والثقة، حتى في ظل التباينات اذا وجدت واعجاب القادة العسكريين الروس بمقاتلي حزب الله وشجاعتهم ووفائهم امر معروف، وقد نقلوا هذا الاعجاب الى الرئيس بوتين الذي نقله بدوره الى الرئيس الاسد اثناء زيارة الرئيس الروسي الى سوريا ونقل ايضاً الى قيادات حزب الله.

الروس هم الاقوى حالياً في سوريا ورعايتهم ستمتد لتشمل لبنان والاردن تحديداً مع الحرص على امتدادها الى العراق، ويبدو ان بوتين يطبق حالياً نظرية «كاترين الثانية» اكبر قياصرة روسيا عندما قالت «سوريا مفتاح بيتي»، ولا مشكلة عند اللبنانيين باستبدال الوصاية السورية بوصاية روسية: ناعمة، حسب ما يعتقدون وابرز دليل على قبولهم بالمتغيرات الجديدة والتعامل معها وقوفهم «بالصف» على ابواب الخارجية الروسية حاملين كل التأييد للرئيس بوتين والطاعة للاقوى، لكن سها عن بال القيادات اللبنانية السؤال الاتي: ماذا لو كان الروس يحضرون القيادات اللبنانية ويمهدون لها الطريق للعودة «للحضن السوري» على الناعم ودون عوائق او مشاكل وتخطي مواجهات المرحلة الماضية عبر صفحة جديدة للجميع؟ من يدري؟