ليس صحيحاً بأنّ بعض الأطراف السياسية استخدمت ملف النزوح السوري لأغراض إنتخابية، على أنّه بعد انتهاء الإنتخابات النيابية التي جرت في 6 أيّار الماضي، ألقته جانباً. فلبنان ما زال مهتمّاً بمسألة إعادة جميع النازحين السوريين الى بلادهم لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين والشعب السوري نفسه. ولهذا تواصل المديرية العامّة للأمن العام برئاسة اللواء عبّاس ابراهيم عملها في تأمين العودة الطوعية للنازحين الراغبين بها، وآخرها كان أمس مع إعادة دفعة جديدة من النازحين السوريين من كلّ من بيروت وصور وطرابلس وعرسال الى مناطقهم السورية، علماً أنّ عدد العائدين قد تجاوز الـ 70 ألفاً حتى الآن، بحسب المعلومات، وستستمرّ العودة في الأسابيع المقبلة ليرتفع العدد أكثر فأكثر.

وإذ عرض رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا أمس ملف النازحين السوريين في لبنان مع وفد من مجموعة الصداقة مع لبنان في مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، مشدّداً على أنّ «تقديم المجتمع الدولي المساعدات للنازحين السوريين بعد عودتهم الى بلادهم يُشجّعهم أكثر على العودة اليها»، ومشدداً الدعوة الى عدم انتظار الحلّ السياسي من أجل تحقيق العودة الآمنة»، تقول أوساط ديبلوماسية عليمة في هذا السياق، بأنّ موقف الرئيس عون هو الموقف الرسمي الذي يجري نقله الى جميع السفراء الأجانب في لبنان، والى كلّ الموفدين الأوروبيين والغربيين الذين يزورون لبنان لسؤاله عمّا يحتاج اليه في المرحلة الراهنة.

ولعلّ أبرز العناوين التي يطرحها المسؤولون اللبنانيون أمّام زوّارهم، على ما أضافت، هي مسألة تقديم المساعدات الإقتصادية للبنان والقيام بمشاريع إستثمارية فيه، وتقديم المساعدات للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية لتعزيز قدراتها العسكرية، فضلاً عن المساهمة في الترويج دولياً لموقف لبنان الداعي الى ضرورة المساهمة في إعادة النازحين السوريين الى بلادهم قبل انتظار الحلّ السياسي الشامل للأزمة السورية. ويصرّ لبنان على هذا الأمر، كونه ربط سابقاً بين حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أرضه منذ العام 1948 وبين حلّ القضية الفلسطينية، ولا يزال حتى اليوم يتلقّى عواقب هذا الربط، ويدفع الثمن بمفرده، بدليل وجود الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية بشكل «مؤقّت» منذ 70 عاماً.

ويبدو أنّ الأصداء التي تصل الى النازحين السوريين من أقاربهم العائدين إيجابية، على ما أشارت الأوساط نفسها، ما يُشجّعهم على خوض غمار العودة من دون أن يقلقوا على مستقبلهم ومستقبل أولادهم في بلادهم. فالعائدون يُخبرون ذويهم في لبنان أنّهم بدأوا يشعرون بالإستقرار في مناطقهم، وبإعادة إعماره بلادهم، كما أنّهم لا يتعرّضون لأي اضطهاد أو مضايقة من قبل أحد، وهذا الأمر كافٍ ليدفع بالكثير من المتردّدين الى اتخاذ قرار العودة الطوعية.

ولاحظت الأوساط بأنّ عدداً كبيراً من الموفدين الأوروبيين وسواهم بدأوا يتفهّمون أكثر الخطوة التي يقوم بها لبنان بإعادة النازحين السوريين، سيما وأنّ وجودهم لسنوات على أراضيه بات يُشكّل عبئاً هائلاً عليه، خصوصاً بعد تقليص المساعدات الدولية لهم والتي أصبحت غير كافية لتغطية حاجاتهم اليومية والمعيشية. وهذا عامل إضافي يدفع بعضهم الى مغادرة لبنان، على ما ألمحت، الى المناطق الأصلية التي فرّوا منها، بحثاً عن العمل وكسب لقمة العيش. غير أنّه رغم ضآلة حجم المساعدات، يتمسّك لبنان بضرورة أن تستمرّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بتقديمها للعائدين الى مناطقهم في سوريا لبضعة أشهر أو لفترة محدّدة، ريثما يتمكّنوا من تدبير أمورهم، كما لو كانت تقدّمها لهم في لبنان.

وإذا كان جميع النازحين يأملون بالعودة الى بلادهم يوماً ما، على ما عقّبت، إلاّ أنّ العديد من السوريين الذين يعتمدون على مساعدات الأمم المتحدة المقدّمة لهم في لبنان، فضلاً عن الذين وجدوا فرص عمل جيّدة، وعدد هؤلاء كبير جدّاً، لا يفكّرون بالعودة حالياً ولا في المستقبل، ما دامت العودة على ما يقولون «طوعية» وليست قسرية أو إجبارية. ولهذا يُطالب لبنان الأمم المتحدة اليوم بعدم شطب أسماء العائدين من لوائح المساعدات، كونها إحدى المغريات التي من شأنها تشجيع أكثر من 90% من النازحين على العودة الى بلادهم.

كما بات غالبية الموفدين على عِلم بأنّه بسبب وجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري في لبنان، فإنّ نسبة البطالة في صفوف اللبنانيين قد ارتفعت الى أكثر من 35 أو 40 % بفعل المضاربة السورية لهم، ولهذا يريد لبنان أن يُعيد النازحين لكي يبقى اللبنانيون في بلادهم، ولا يُضطروا الى الهجرة للعمل في الخارج. ويكفي لبنان أنّ عدد اللبنانيين المنتشرين في دول العالم يفوق عدد سكّانه بأربع مرّات، لهذا فهو يريد الحفاظ على الأربعة ملايين لبناني الصامدين فيه.

في الوقت نفسه، لا يُمكن الإستخفاف بارتفاع نسبة الجرائم فوق الأراضي اللبنانية وضدّ اللبنانيين من قبل السوريين واللاجئين الفلسطينيين الى 30 %، على ما تقول، وهذا الأمر يأخذ العالم الأوروبي والغربي بالإعتبار كون الحفاظ على الأمن والإستقرار في لبنان هو من المسلّمات، ولا يجب التفريط به. علماً أنّ بعض دول الإتحاد الأوروبي قد قامت بترحيل عدد من النازحين السوريين الذين ارتكبوا الجرائم من دون أن تُتهم بالعنصرية أو بالتعصّب، كونها تريد حماية بلدانها من أي مشاكل أمنية.

وبرأيها، فإنّ مسألة حقوق الإنسان تأتي في المقام الثاني، إذ تتقدّمها مسألة حفظ الأمن والسلم، ومن هذا المنطلق لا توافق الدول الغربية على إبقاء من أو ما يمسّ بأمن البلاد أو بسلامة المواطنين لديها. ومن هنا، يحقّ للبنان أيضاً طرح هذه المسألة التي تُشكّل مشاكل كثيرة في بعض المناطق بين النازحين السوريين وبعض اللبنانيين. وتجنّباً لعدم تفاقم هذه المشاكل، فمن الأفضل للنازحين أن يعودوا الى بلادهم قبل أن يسوء الوضع أكثر بينهم وبين السكّان المحليين.

في المقابل، يبدو أنّ مفوضية اللاجئين بدأت تُشجّع اليوم النازحين السوريين على العودة من خلال تعاونها مع المديرية العامة للأمن العام، بعد أن عاد كثيرون الى بلادهم ولم يعد أي منهم الى لبنان لسبب أمني أو معيشي أو سوى ذلك، خصوصاً وأنّ لهؤلاء أقارب صمدوا في بلادهم، وهم على دراية أكثر من الذين نزحوا كيف يُمكنهم أن يستعيدوا حياتهم الطبيعية في سوريا بأسرع وقت ممكن.