لم تُبصر الحكومة النور رغم كلّ الإنفراجات التي مرّت بها منذ نحو أسبوعين، وقبل عقدة توزير السنّي المعارض التي فرضت نفسها أخيراً على خط العرقلة، ورغم تشديد دول الخارج على ضرورة الإسراع بتشكيل الحكومة لكي يبقى لبنان حائزاً على ثقة المجتمع الدولي. فهل تعتبر الدول الأوروبية هذا التأخير عامل ضعف بالنسبة للبنان الذي انتخب رئيس جمهوريته منذ عامين واستطاع وضع قانون جديد للإنتخاب، واجتاز عملية إجراء الإنتخابات النيابية فيه من دون أي مشاكل تُذكر بعد 9 سنوات من تمديد المجلس النيابي لنفسه لثلاث مرّات، وهل يُمكنها بالتالي المساعدة على إخراج الحكومة الجديدة من عنق الزجاجة؟

أوساط ديبلوماسية لبنانية مطّلعة على الموقف الأوروبي تجاه لبنان أكّدت أنّ الوضع السياسي العام في البلاد قد تغيّر بشكل واضح بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة، لا سيما مع انتصار «حزب الله» وحلفائه فيها من جهة، وحزب «القوّات اللبنانية» من جهة ثانية، ما يعني فوز التطرّف الطائفي لصالح الإعتدال. فرئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية سعد الحريري قد خسر بعض المقاعد النيابية، لصالح التقدّم الذي أحرزته الأحزاب المتطرّفة، في الوقت الذي ثبّت فيه القانون الإنتخابي «حزب الله» شريكاً أساسياً في الحياة السياسية، وهذا الأمر، على ما شدّدت، يجعل ولادة الحكومة الجديدة أكثر صعوبة من الحكومة الأولى للعهد التي تألّفت لوقت قصير ولمهمّة محدّدة هي مواكبة وضع القانون الجديد للإنتخاب وإجراء العملية الإنتخابية.

وما أنتجته الإنتخابات، على ما أضافت، من تعاظم لدور الأحزاب المتطرّفة المسلمة والمسيحية، وعدم توافق الأحزاب المسيحية فيما بينها على مواقف موحّدة من شأنه إعاقة عملية الإصلاح ومحاربة الفساد في البلاد، على ما تأمل الدول الأوروبية الداعمة للبنان، غير أنّه لا يجب أن يُشكّل مصدراً لعدم الإستقرار فيه وفي دول منطقة الشرق الأوسط، لأنّ أحداً لا يريد فتح جبهة أو حرباً جديدة في المنطقة.

وبرأيها، إنّ نتائج الإنتخابات النيابية لم تصبّ في صالح العلاقات اللبنانية- الأوروبية بل أثّرت عليها بشكل سلبي. فقد فقدت الدول الأوروبية القوى المعتدلة التي فشلت في الوفاء بوعودها الإجتماعية والإقتصادية لناخبيها، والتي غالباً ما شكّلت الشريك الطبيعي لها في البلاد، فضلاً عن محاولة استفادة بعض الاحزاب من موضوع النازحين السوريين لحشد أصوات الناخبين. ولهذا تسعى بعض هذه الدول، وعلى رأسها فرنسا، الى تعويم الرئيس المكلّف بهدف استعادة حجمه المناسب في الحكومة الجديدة، ولهذا «أنقذته» منذ عام وتحاول اليوم احتضانه ريثما يتخطّى «العقدة السنية» القائمة حالياً. كما تعمل على تعزيز دور الإتحاد الأوروبي في المنطقة من خلال الإلتفاف الى جانب إيران على العقوبات الأميركية المشدّدة الأخيرة عليها، انطلاقاً من رفضها للموقف الغربي الذي يريد حصر كلّ شيء بيده.

وما يهمّ الدول الأوروبية حالياً هو الحفاظ على الأمن والإستقرار في لبنان، على ما ينقل السفراء، سيما وأنّه قابل للتأثّر بالأوضاع الإقليمية والدولية. إلاّ أنّ ما أظهره لبنان من قوّة وصلابة، على ما أشارت الأوساط نفسها، لا سيما بعد الإستقالة القسرية للرئيس الحريري من الرياض في تشرين الثاني الماضي، وتدخّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون آنذاك لإعادته سالماً الى بلاده والرجوع بالتالي عن هذه الإستقالة، ثمّ إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها المقرّر، قد جعل الإتحاد الأوروبي يثق أكثر بقدرة لبنان على الصمود.

وعلى الرغم من أنّ الأزمة السورية كان لها تداعيات على لبنان، لجهة العدد الكبير من النازحين السوريين الذين يستضيفهم منذ سنوات، ما ضاعف من الأعباء الهائلة من إقتصادية وإجتماعية ومعيشية وتربوية وإستشفائية على عاتقه، على ما أشارت، إلاّ أنّه تمكّن من عدم نقل الصراع اليه وذلك عن طريق صدّ المحاولات التي قامت بها بعض التنظيمات الإرهابية، ومن ثمّ دحر عناصر تنظيمي «داعش» و»جبهة النصرة» من جرود عرسال. ولهذا، فإنّ لبنان يُشكّل نموذجاً إيجابياً في المنطقة بالنسبة للأوروبيين من خلال حفاظه على التوازن الديني والطائفي رغم كلّ شيء، على أنّه يجب أن يستكمل هذا الأخير في تشكيل حكومة الوفاق الوطني في أسرع وقت ممكن، لأنّ التأخير أكثر سيجلب التداعيات السلبية عليه.

وأكّدت أنّ الدول الأوروبية لا تتدخّل في الشأن الحكومي إلاّ لجهة تشجيع القوى السياسية كافة على أهمية تشكيل الحكومة لما لذلك من معطيات إيجابية لدى المجتمع الدولي الذي عقد 3 مؤتمرات دولية من أجل دعم لبنان عسكرياً وإقتصادياً وإجتماعياً. وترى أنّه لا بدّ من وجود حكومة منسجمة وقادرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الدول المانحة والمساعدة لها، من خلال التوافق الداخلي وعدم ترك «العقدة السنيّة» تُعيق التشكيل لفترة طويلة بعد.

وفيما يتعلّق بعملية إعادة النازحين السوريين، تقول بأّنّ الدول الأوروبية غير مقتنعة بتحقيق عودتهم من لبنان الى بلادهم من دون وضع خطة شاملة تتناول الحلّ السياسي للأزمة السورية الى جانب عملية إعادة إعمار سوريا من الناحية الإقتصادية. علماً أنّ شركات لبنانية عدّة تبدي رغبتها حالياً بالمساهمة في هذه العملية من خلال حصولها على بعض المشاريع الإستثمارية في بعض المناطق التي جرى تدميرها جرّاء المعارك. ومن الطبيعي أن تُساهم دول الإتحاد الأوروبي في هذه العملية عندما يحين وقتها، على ما أفادت، بهدف إعادة كلّ النازحين لديها الذين لم يتمكّنوا من العمل أو الإندماج فيها. كما من دول الجوار المضيفة لملايين النازحين، ومن بينها لبنان الذي يستضيف أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيه، سيما وأنّ وجودهم لا يزال يُشكّل عبئاً كبيراً على الدولة اللبنانية يفوق قدراتها.

غير أنّ إصرار الدول الأوروبية على ضرورة التنمية الإقتصادية أولاً، يبقى عائقاً أمام مشاركتها في تحقيق المبادرة الروسية بشأن إعادة النازحين والتي ينوي لبنان الشروع في تنفيذ بنودها بعد تأليف الحكومة الجديدة، إذا ما اتفقت المكوّنات السياسية فيها على موقف موحّد تجاه هذه الأزمة. فبقاء الخلاف قائماً داخل الحكومة الجديدة على آلية إعادة النازحين السوريين، بالتعاون مع النظام السوري أو عدمه، أو طلب مساعدة المجتمع الدولي أو عدمه، لن يضع ملف إعادة النازحين على السكّة الصحيحة.