لعل حركة الاسواق التجارية في عاصمة الجنوب صيدا، تشكل المؤشر الحقيقي للازمة الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها الصيداويون، اسوة بغالبية الشعب اللبناني، لكن اللافت، غياب الصرخات الاحتجاجية على تدنى القدرة الشرائية وعجزها عن تلبية المتطلبات الحياتية لفئات واسعة من اللبنانيين من ذوي الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، وانضمام الطبقة الوسطة اليهم بعد تعرضها لمسلسل من الاستهدافات المعيشية جراء السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة.

وحال اليأس الذي بات منسوبه مرتفعا لدى اللبنانيين، مع غياب اي افق لحلول تُخفف من وطأة الحياة، وتضيِّق الفجوة بين القيمة الشرائية للرواتب والاجور والمستلزمات الحياتية، وهي فجوة آخذة بالاتساع، طالما ان الدولة بوزاراتها وخططها وبرامجها الاقتصادية وسياساتها الضرائبية غائبة عن هموم ومشكلات المواطن، الذي اتَّسعت لائحة معاناته وازماته التي يتخبط بها، في العمل، السكن، المياه، الكهرباء، التعليم، الطبابة، الضمانات، وكل ما يرتبط بمعيشته.

عدد من الدراسات التي تناولت الواقع الاجتماعي والمعيشي للصيداويين، اظهر ان نسبة حالة الفقر الشديد في صيدا تتجاوز الـ 60 بالمئة، وتنخفض في مناطق واسعة من الجنوب الى ما بين 40 و45 بالمئة، علما ان الحركة الاكثر نشاطا في مجالات المصارف والاعمال والمشاريع العمرانية والتجارة بكافة انواعها مزدهرة في صيدا اكثر منها في مناطق الجنوب، وسط انطباع عن غالبية الصيداويين، ان الحديث عن برامج خاصة لتطوير الحركة الاقتصادية في صيدا لم تر النور، بل على العكس، فان التردي المعيشي والاجتماعي للصيداويين الى ازدياد، في ظل ارتفاع اسعار الخدمات الاساسية التي عجزت مؤسسات الدولة عن تأمينها كالكهرباء، في ظل غياب كامل لدعم المشاريع الصغيرة والمهن الحرة التي تمكنها من الاستمرار.

«الديار» استطلعت واقع السوق التجاري في صيدا، واطلعت على الاوضاع الحياتية والمعيشة للمواطنين، كعينة عما يعيشه اللبنانيون في مناطق اخرى، فالمعاناة واحدة والازمات واحدة... وصرخة فقراء صيدا مشابهة لصرخة فقراء عكار وطرابلس ومناطق عديدة من لبنان يلفها الحرمان وتلفحها رياح السياسات العرجاء.

اصحاب مؤسسات هجروا السوق... والكهرباء عند الفقراء من «الكماليات»!

يعدِّد عدنان دندشلي (صاحب مؤسسة في شارع الاوقاف) ابرز الاسباب التي دفعت بالسوق الى حالة الركود وتسببها بازمة، فيقول هناك اسباب اقتصادية وتجارية مباشرة، منها ان سوق صيدا متأثر بالركود الاقتصادي التي يعاني منه البلد عامة، وتراجع القيمة الشرائية مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة للعائلة اللبنانية، والاستثمارات العالية وارتفاع الايجارات وتحول فئات واسعة من التجار واصحاب المؤسسات الى التعامل بالبضائع الشعبية، اضافة الى المنافسة التي شكلتها رؤوس اموال وافدة من الخارج، اقاموا استثمارات منافسة لا يتحملها السوق، وهي استثمارات غير مكلفة قياسا لاستثمارات اللبنانيين من موظفين وتأمين ضمانات في العمل، اضافة الى استقدام يد عاملة اجنبية تتقاضى اجورا ادنى بكثير مما تتقاضاه اليد العاملة اللبنانية التي تحتاج الى ضمانات مكلفة، كل ذلك شكل مسببات للازمة الاقتصادية وحال الركود التي تعبر عن الاوضاع المعيشية للناس التي تعاني من تراجع في القيمة الشرائية التي تعتاش منها، وهو له مردود سلبي مباشر على حركة السوق.

موظفة في متجر شارع الشاكرية تختصر المشهد بالقول... بهيدا المحل كان فيه 5 موظفين، اليوم انا لوحدي اعمل، بسبب تراجع حركة السوق، ومعظم اصحاب المؤسسات فعلوا الامر نفسه، والا فانهم مهددون بالاقفال، فيما يشير احمد قبرصلي ان عددا كبيرا من اصحاب المؤسسات التجارية اقفل، بسبب ارتفاع الايجارات وبخاصة في المناطق الحيوية كساحة النجمة وشارع الاوقاف والواجهة البحرية، ويشير الى ان حركة التسوق تراجعت في السنوات الماضية بصورة لافتة، بحيث اصبح لكل بلدة وقرية سوقها، بعد ان كانت صيدا تشكل سوقا لها ..وان كانت صيدا ما تزال وجهة العديد من المواطنين من تلك المناطق للتسوق.

ويؤكد محمد الحلبي المقيم في صيدا القديمة ان عشرات العائلات المقيمة في هذا الحي لا طاقة لها على الاشتراك بالمولد، فالفاتورة الشهرية التي تتراوح ما بين 125 و150 ألف ليرة لبنانية تشكل عبئاً على ذوي الدخل المحدود، فكيف لعائلة دخلها بالكاد يكفي لمعيشة عائلة، من دون «كماليات»، فالكهرباء في لبنان اصبحت عند الفقراء والمعدومين من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، حين يكون الراتب الذي يتقضاه المواطن لا يتجاوز الـ 600 ألف ليرة، التي ستتوزع على السكن والاكل والطبابة والشرب والفاتورة كهرباء الدولة والقسط السنوي للمياه والتعليم، من دون اي شكل حياتي له طابع ترفيهي، يعني ان صورة المعيشة عند هؤلاء اصبحت مأساوية.

وتقول سيدة خمسينية تتبضع في سوق الخضر... ان وضع البلد من كافة جوانبه اصبح سيئا، والخطورة ان نستمر على هذه الحال من التراجع في مستوى المعيشة، وتضيف بسخرية... يبدو ان لبنان ما زال «صامدا»! اقتصاديا واجتماعيا بسبب القروض والمنح المالية التي كانت تأتي من الخارج، اما اليوم، ومع «التقنين» القاسي في المساعدات الخارجية، فان الوضع انكشف اكثر ويُنذر بالدخول في ما هو اسوأ، ويلفت الى ان سياسات الدول في الخارج لا يمكن ان تتعامل مع حكومات مستقيلة او حكومات تصريف اعمال، فضلا عن تراجع الثقة الدولية بلبنان بسبب ارتفاع موجات الفساد في الادارة وفي المؤسسات العامة، لقد اصبح في لبنان نسبة مرتفعة من الفقر المدقع .

} «ابو عربي»: الانفجار قادم... صدّقوني! }

ولا يخفي قاسم كرّام (بائع شوكولا وبسكويت متجول)مخاوفه من انفجار اجتماعي قادم، ويقول «ابو عربي»... هيدا الشعب اللبناني سيصل قريبا الى مرحلة ما بيقدر يكمّل فيها، منشان هيك... الانفجار قادم... صدقوني!، ويقول... انا اب لولدين واعاني من شدة الاوضاع المعيشية، كل موسم في زيادة على اقساط المدارس وعلى المولد الكهربائي وفي الاستشفاء، اجول في شوارع صيدا وانا حامل هذه الاكياس لبيع البسكويت والشوكولا لاعيل اولادي، ولا استطيع البيع بعرباية، لان البلدية بتلاحق البياعة الصغار وتمنعهم بحجة تنظيم الاسواق التجارية، وادفع 600 ألف ليرة ايجار المنزل الذي اسكنه، و135 ألف اشتراك في المولد الكهربائي مع فاتورة شركة الكهرباء، والمياه في صيدا غير صالحة للشرب ونستعيض عنها بشراء المياه، واتحمل اعباء المدارس والصحة، كل ذلك والدولة غائبة، حتى المستشفى الحكومي لا طاقة لنا على الاستشفاء فيها، وآخر نكتة سمجة سمعتها ان الدولة ستوزع بطاقة صحية للبنانيين، وقالوا انهم سيغطون كلفتها من الهاتف، يعني شيل من المواطن وحط بالخرج، زوجتي مريضة سرطان ولا يمكننا ان نشتري ادويتها في لبنان لان اسعارها مرتفعة، نشتريها من تركيا، مش عيب مريض لبناني بيشتري الدوا من بلد تاني، وكأن هذه الادوية صُنِعَت للمرضى الاغنياء وممنوع على الفقير ان يُعالج...

اما ابو علي سكافي فيحمل الحكومة والسياسيين مسؤولية ما الت اليه الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية من ازمات مستفحلة، اصبحت انقاذها مستحيلا مع السياسات الضرائبية التي تعتمدها الحكومات المتعاقبة، ويقول... جابوا الكهرباء قبل الانتخابات... وراحت بعد الانتخابات، كيف ستكون الاوضاع، وفي صيدا يدفع المواطن اعلى فاتورة اشتراك كهرباء واعلى ساعات تقنين، والله يستر من الجايي، حالة «القرف» هي نفسها عند انيس حبلي الذي امضى سنوات طويلة في المهجر، عاد قبل عامين ليستثمر في محل صغير في صيدا ، خاب امله جراء تدهور الاوضاع المعيشية، تسأله عن الاحوال، يكتفي بكلمة «زفت».

} الله يعين المستأجر اللي عايش بالمدينة }

النظرة الاكثر مأساوية، قدمها بسام سائق سيارة اجرة عتيق في موقف ساحة النجمة في وسط المدينة، حين يقول .. لقد اصبح اللبنانيون في قعر الوادي وما يجري هو ردمه تحت الارض، البلد متجه سريعا نحو الافلاس، هذا المحل ( يشير بيده الى الجهة المقابلة له في ساحة النجمة، كان فاتح بيع تلفونات وكرت تشريج،سيقفل نهاية الشهر الجاري بسبب تردي الاوضاع، حيث لم يعد صاحبه قادرا على دفع بدل ايجار المحل الشهري البالغ 3 ملايين و600 ألف ليرة، وقرر ان ينتقل الى شارع دلاعة، هربا من الايجارات المرتفعة التي لم يقدر ان يحصلها في عمله، ويشير الى ان عددا من اصحاب المؤسسات التجارية المصنفة درجة اولى، عمدوا الى وضع بسطات البسة واعتماد الاسعار الشعبية، بسبب الركود الاقتصادي الذي يعاني منه السوق،

ويضيف: الله يعين اللي عايش ببيت بالاجار وعندو تلاتة او اربع اولاد بالمدارس... كيف بيقدر يكفي حياتو؟، والله يعين اللي عايش بالمدينة، ابن الضيعة بيقدر يدبر امورو ويخفف الاعباء عليه، لناحية ايجار البيت ومستلزمات حياتية اخرى، اما في المدينة فالحياة اصبحت صعبة من الناحية المعيشية والحياتية.

(تصوير: محمود زيات)