انطلاق الحملة الاعلامية المنظمة والممنهجة ضد حزب الله من قبل سياسيين واعلاميين واحزاب محسوبين على الفريق «التابع» للمملكة العربية السعودية والسفارة الاميركية في بيروت، بالتزامن مع «توظيف» مذهبي وطائفي ممنهج للملف الحكومي، برعاية مباشرة من «بيت الوسط»، والقائم الاعمال السعودي وعدد من الدبلوماسيين، بدأ يثير الريبة في «حارة حريك» حول وجود اهداف اخرى تقف وراء هذه «الهجمة» التي تتجاوز اعتراض رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على تمثيل «تكتل السنة المستقلين» في الحكومة... فما هي هذه المؤشرات «المقلقة»؟

ووفقا لاوساط نيابية بارزة في 8 آذار، ثمة فصل جدي لدى حزب الله بين خلفيات موقف رئيس الجمهورية ميشال عون، والتيار الوطني الحر من «العقدة السنية»، وموقف الرئيس الحريري الذي «ورط» الرئيس بموقف لا يتناسب مع موقعه، بعد التهديد «بالاعتذار».. فردة فعل عون معروفة المنطلقات، ولها علاقة «باللعبة الداخلية»، وموازين القوى داخل مجلس الوزراء، فالرئيس يحاول حماية التسوية الرئاسية، ويريد «تسليف» الحريري موقفا يستدعي منه التعاون في مرحلة لاحقة لانجاح العهد... وقد ذهب البعض في تحليله الى ما هو اقل من ذلك أهمية، ويربط الامر بموضوع «شكلي» يتعلق برغبة الرئيس في اعلان ولادة الحكومة في الذكرى الثانية لانتخابه، وهو الامر الذي لم يحصل، مما اثار «حفيظة» الرئيس الذي كان يعتقد ان حزب الله كان قادر على تجاوز هذه «العقدة» لتسهيل انطلاقة حكومة العهد الاولى... وثمة رأي ثالث يشير الى ان وزير الخارجية جبران باسيل يقف وراء هذا الموقف المتشدد في «القصر» رغبة منه في عدم خسارة «الثلث الضامن» في الحكومة بعد ان سمح تنازل النائب السابق وليد جنبلاط لرئيس الجمهورية وتكتل لبنان القوي بالحصول على الوزير الدرزي «الملك»...

وفي مطلق الاحوال ومهما تعددت الاسباب تبقى القناعة راسخة لدى حزب الله بأن الخلاف مع الحلفاء، هو تباين «تكتيكي» ومرحلي، ولا توجد نوايا «خبيثة» من وراءه، «والزمن» كفيل بحله لان التيار الوطني الحر والرئيس عون اكثر طرفين يعرفون جيدا معنى كلمة «الوفاء» للحلفاء في «قاموس» حزب الله... وبحسب تلك الاوساط، لا يحمل الحزب ايضا الرئاسة الاولى مسؤولية دخول البطريرك الماروني بشارة الراعي على خط الازمة من بعبدا، وثمة ادراك ان الرئيس عون لا يسعى الى توظيف الكنيسة «للضغط» عليه، فهو كان يملك جرأة اعلان موقفه صراحة، ويدرك ان اي عملية تصعيد ستؤدي الى تعقيد الموقف، وهو امر لا يريده، ولذلك يبقى سؤال مفتوح حيال توقيت مواقف الراعي مع العلم انه لم يتدخل قبل ذلك عندما كانت «العقد» في مكان آخر؟ والسؤال الاهم هو عن معنى هذه الزيارة التضامنية في هذا التوقيت رغم ان الرئاسة الاولى لم ينالها من حليفها اي انتقاد على موقفها، رغم «العتب» المكتوم، وذلك على عكس ما تعرض له عون من «الاشتراكي» و«القوات»؟

اما على المقلب الاخر، فثمة اكثر من «سوء ظن» في كيفية مقاربة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري لما بات يعرف «بالعقدة» السنية، فخلال الاشهر القليلة الماضية كانت العلاقة بين «بيت الوسط» «وحارة حريك» مريحة للغاية، وارتفع منسوب «الانسجام» الشخصي بين الحريري ومسؤول ملف العلاقة مع رئاسة الحكومة الحاج حسن خليل، وهو يشغل مسؤولية المعاون السياسي للامين العام لحزب الله، وكان الرئيس المكلف مدركا ان عدم حصر التواصل معه بوزراء الحزب واختيار خليل، مؤشر على ان قيادة حزب الله تملك رغبة واضحة في انجاح التعاون وتطوير معادلة «ربط النزاع» القائمة بين الطرفين، وكان الرئيس المكلف يشيد في «مجالسه» بتعاون الحزب في العمل الحكومي وفي الاتصالات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو امر لم يطرأ عليه اي جديد حتى قرر الحريري «فجأة» الانقلاب على هذا المسار التعاوني والذهاب الى موقع المتشدد في مسألة تمثيل «السنة المستقلين»، وذلك على عكس ما كان يظهره من «مرونة» ملتبسة خلال الاشهر الاولى من التكليف، حيث كان يؤجل النقاش المعمق حيال هذه «العقدة» اما باطلاق «النكات» باعتبار انه «افضل» «سني» يمكن للحزب ان يتعاون معه، او عبر تأجيل المسألة الى حين الانتهاء من حل «العقدتين» المسيحية والدرزية، موحيا ان الامر قابل للتسوية...

لكن كل شيء تغير بعد عودته من زيارته الاخيرة الى الرياض، ولقاءه الملك سلمان وولي العهد السعودي، حيث ابلغ رئيس الجمهورية ان تمثيل هؤلاء في «كفة» وعدم تشكيله للحكومة في «كفة» أخرى، ولم يعمل على رفع «سقف» التفاوض، وانما اغلق «الابواب» امام اي مخرج، وبعد ان كان شعاره «من يريد تمثيل هؤلاء عليه ان يعطيهم من «حصته»، ابلغ الرئيس انه لن يقبل باأي «سني» من خارج «عباءة» تيار المستقبل...مع العلم ان الجميع يدركون بان دخول احد هؤلاء الى الحكومة لن يغير شيئا في التوازنات السياسية، وبعض الاسماء قابلة «للهضم» من قبل الرئيس المكلف، ولذلك فان تكبير «الحجر» بات «مثيرا للريبة».

وازاء هذا التطور، جاء سفر الحريري الى باريس ليزيد من حجم التساؤلات، وعلامات الاستفهام، حول الاهداف الحقيقية من «تدويل» هذه الازمة، وابراز «اعتكافه» على هذا النحو خارجيا، بعد ان تعمد «خلق» صدام كان يمكن تجنبه مع حزب الله، ومواكبة لهذه الخطوة تم تحريك «مجلس المفتين» لابراز البعد المذهبي للازمة وعاد «شعار» حماية «اهل السنة» الى الواجهة من جديد، ولولا حصول اتصالات على اعلى المستويات الامنية والسياسية، لشهد الشارع تحركا تحت «شعار الامر لك» ضد «سنة حزب الله»، وباتت البيانات الرسمية الصادرة عن تيار المستقبل تحمل لغة متشنجة «واستفزازية» تقلل من شأن خصوم الرئيس الحريري وتصفهم «بسنة» المحور الايراني السوري، وهو امر لا يمكن تجاهل اهدافه المبيتة في لحظات اقليمية دقيقة وواقع داخلي اصبح «متشنجا»... وقد تظّهرت ملامح الضغط ايضا مع جولة موفد الرئيس الفرنسي اوريليان لو شافالييه في اليومين الماضيين على المسؤولين اللبنانيين حيث حمل إليهم رسالة فرنسية واضحة بوجوب العمل سريعاً على تأليف الحكومة لأن قطار المساعدات الدولية لا يستطيع ان يقف عند محطة التزامات الدول المانحة طويلاً، لكن كان واضحا من خلال مقاربته ان باريس تحمل حزب الله مسؤولية «العرقلة»، كما حاول استيضاح اسباب لجوء رئيس الحكومة المكلف الى مغادرة البلاد...طبعا هذا الحراك الدبلوماسي يواكبه القائم بالاعمال السعودي الوليد البخاري بحملة تحريض على الحزب من خلال سلسلة من الاتصالات المكوكية مع نظرائه العرب والاجانب. وهذا الامر اثار مخاوف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي اجرى سلسلة من الاتصالات «نصح» فيها المرجعيات الدينية والسياسية ابقاء الامور في نصابها وعدم ادخال البلاد في صراع مذهبي غير قائم في الاساس...

وامام هذه المعطيات، تؤكد تلك الاوساط ان مرحلة «جس النبض» مستمرة لمعرفة ابعاد هذا «الانقلاب» المفاجىء من قبل الحريري، بالتزامن مع العقوبات الاميركية الجديدة على حزب الله وطهران، ثمة من اتخذ القرار بوضع الحزب في «دائرة الضوء» مجددا وابراز دوره «التخريبي» في لبنان، واذا ما تبين لاحقا ان ثمة اصرار على مجاراة الرغبات الخارجية لزيادة منسوب الضغط على الحزب، وتخريب الاستقرار الداخلي، «فسيبنى على الشيء مقتضاه» وعندها سيتحمل كل «متورط» المسؤولية عن ضياع فرصة تشكيل حكومة متوازنة في «زمن» التحولات في المنطقة.. المطلوب الان عودة الرئيس المكلف من «منفاه» الاختياري «المعيب»، والاقرار بنتائج الانتخابات، و«العودة» الى مرحلة «ربط النزاع»، فالاعتكاف «يشل» البلد واذا ما استمر طويلا قد يكون قرار الاعتذار الحل الاكثر ملائمة كي يتحمل غيره المسؤولية... اما الضغوط فلن تجدي نفعا مع حزب الله.