نجحت دولة «التسول» اخيرا في اقناع الجزائريين بمنع العتمة عن اللبنانيين، والقبول بتفريغ مادة الفيول اليوم في معامل الكهرباء على ان يتم دفع مستحقاتهم لاحقا، وذلك بعد نحو أسبوع من التأخير كلف الخزينة ملايين الدولارات المهدورة حيث تبلغ تكلفة كل يوم تأخير 60 الف دولار عن الباخرتين.. في هذا الوقت مدد الرئيس المكلف سعد الحريري مدة «اعتكافه» في باريس دون ان يتقدم بأي حلول او افكار لحل «العقدة السنية» على الرغم من اتصاله الهاتفي برئيس الجمهورية ميشال عون والذي اقتصر خلاله الحوار على «الانجاز» الكهربائي... وفيما لا يزال التواصل «مقطوع» حكوميا بين بعبدا وحارة حريك بعد موقف الرئيس المفاجىء برفضه تمثيل السنّة «المستقلين»، تؤكد أوساط مقربة من حزب الله ان الحزب لن يفاوض، ولن يبادر الى تقديم أية مبادرة بهذا الشأن، لانه غير معني بذلك، الحلول المفترضة هي مسؤولية الرئيس المكلف، ورئيس الجمهورية، وأي تفاوض مع الرئيسين يجب ان يحصل مع كتلة النواب السنة، وليس مع الحزب، لان هؤلاء وحدهم المعنيون بقبول او رفض أي تسوية يمكن ان تطرح عليهم، واي قرار يتخذونه سيدعمه الحزب، وسيكون وراءهم، وداعما لهم حتى النهاية.

ووفقا لتلك المصادر، المفاجئة كانت ان الرئيسين عون والحريري تفاجآ بموقف حزب الله «الصلب» ازاء العقدة السنية، مع العلم ان الرئاسة الاولى كانت في هذه الاجواء من الشهر الثاني لتعثر التاليف، وكان حزب الله واضحا في مقاربته مع الرئيس عون، وتم اخباره على نحو واضح انه لن تشكل حكومة لا يكون فيها ممثل لتكتل النواب «السنة المستقلين»، لكنه ظن ان الامر يمكن تجاوزه، والسير بمن حضر بعد حل العقدتين المسيحية والدرزية، وكان يفترض ان حزب الله لن يفوت عليه فرصة الاعلان عن ولادة الحكومة في الذكرى الثانية لدخوله الى قصر بعبدا، لكنه اكتشف ان هذا الامر ليس «تفصيلا» صغيرا عند الحزب الذي لم يجد نفسه في موقع يمكّنه من التراجع عن مطلب حلفائه السنة لاسباب تتعلق «بروزنامة» او مواعيد لم تتم مراعاتها من قبل اصحاب الشأن الذين كانوا قادرين على ايجاد الحل المناسب وفي التوقيت المناسب.

 تفاصيل «النقاشات» مع الحريري..

اما الرئيس الحريري فهو لا يستطيع ان «يغش» احد من خلال ادعائه ان حزب الله افتعل «العقدة السنية» في اللحظات الاخيرة لتطيير الحكومة، لانه خاض جديا نقاشات مطولة مع «الثنائي الشيعي» وتم اخباره ان عليه البحث عن مخرج جدي لتمثيل هؤلاء لان الالتزام بحقوقهم ليس مجرد «مزايدات»، وقد التزم حزب الله طوال فترة التشكيل المتعثرة ابقاء هذه المحادثات في «الغرف المغلقة» ولم يكن يريد اثارة اي توترات اضافية تزيد الامور تعقيدا، وهو ما حاول استغلاله الرئيس المكلف لاحقا من خلال الادعاء ان الامر جرى نقاشه على نحو عرضي، لكن تلك الاوساط تكشف ان الحريري نفسه توجه الى مفاوضيه ممازحا بالقول» ليش بدكن سنّي احسن مني بالحكومة، نحنا متعاونين مع بعضنا، وهيدا التعاون رح يستمر، والذين تريدون تمثيلهم يشبهون بعض الشخصيات الشيعية في تيارالمستقبل وهم لا يمثلون احد على الارض».. فكان الجواب من قبل حزب الله ان هذه المقاربة غير صحيحة فهؤلاء فازوا في الانتخابات ولهم حيثيتهم ويجب ان يجري تمثيلهم، ولا يجب ان يتم تجاهلهم لان هذه «العقدة» غير قابلة للمساومة... ويبدو ان الحريري راهن على عامل الوقت، وركن مؤخرا الى دعم رئيس الجمهورية لموقفه، واستغل قرار حزب الله عدم «اثارة» الضجيج حول هذه المسألة لاطلاق حملة اتهامات مجافية للحقيقة وتحاول ربط الامور باحداث لا تمت الى الواقع «بصلة»...

«كسر الاحتكار» 

وتلفت تلك الاوساط، الى ان «كسر احتكار» تيار المستقبل لتمثيل السنة حصل في الانتخابات النيابية وهذا ما يجب ان يترجم في الحكومة المقبلة، والموضوع ليس بالامر الجديد، فالرئيس الحريري لا يستطيع ادعاء عكس ذلك، وهو أقر «بالخسارة» بعد الاستحقاق النيابي، والسؤال برسمه هو عن اسباب اصراره على تجاوز هذه الحقيقة في الاستحقاق الحكومي، وهو يطالب بما ليس حقه، ويريد سلب الاخرين حقوقهم، ويلوم حزب الله على دعمه لحلفائه.. ومن هنا فإن محاولة اخذ الموضوع الى ابعاد طائفية ومذهبية في غير مكانه، ومحاولة البعض القول بأن حزب الله يتدخل في شأن سنّي من خلال فرض شخصيات معينة على رئيس الحكومة، كلام يجافي الحقيقة لان من اختار هؤلاء هم الناخبون السنة الذين يحاول الحريري اليوم «سرقة» اصواتهم، ولذلك لا يلام حزب الله لانه يطبق قاعدة «الوفاء» مع كل الحلفاء، وانما من يضيع الفرصة على نفسه في «لم الشمل» وجمع الناس حول «زعامته».

وفي هذا السياق، جاء اتصال رئيس مجلس النواب نبيه بري بمفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان نهاية الاسبوع الماضي، لشرح حيثيات الموقف من هذه «العقدة» خصوصا بعد البيان «غير الموفق» من قبل مجلس المفتين الذي تحدث عن اياد خبيثة تحاول عرقلة جهود الرئيس المكلف لابتزازه سياسيا ولتأخير عملية تشكيل الحكومة»، وتسريب معلومات منسوبة الى مصادر دار الفتوى بأنه لا يمكن السماح بمرور «سابقة» ان يسمي حزب الله ممثلي السنّة، وهو أمر مجاف للحقيقة برأي «عين التينة» التي أشارت الى ان الموضوع سياسي وليس مذهبيا...

 تصعيد «بيت الوسط» 

ولم تكتف مصادر «بيت الوسط» بهذا «التجييش» المذهبي بل عممت معلومات تفيد بأن توقيت فتح النقاش حول هذه «العقدة» لا يمكن فصله عن الزيارة الاخيرة التي قام بها الحريري الى الرياض ومشاركته الى جانب ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان في قمة «دافوس الصحراء»!.. ووفقا لتك الاوساط لن يقبل تيار «المستقبل» «بكسر» الحريري داخليا، لتوجيه «رسالة» سلبية الى الخارج، بأنه «ضعيف» في «بيئته»، ولن يقبل بأن يمثل سنّة تابعين للمحور الايراني- السوري... ولذلك لا ترى تلك الاوساط ان «الكرة» في «ملعب» الرئيس المكلف، وهو ليس معنيا بتقديم أي حل لمشكلة لا يرى انها موجودة بل «مفتعلة»..

 «سلبية» في بعبدا.. ومبادرة؟ 

وهذه الاجواء «السلبية» لا تزال تخيم ايضا في قصر بعبدا حيث لم تصدر اي مؤشرات تفيد بوجود تحرك جدي نحو حل هذه الازمة، وكل ما يحكى هو عن انتظار عودة الرئيس المكلف من باريس لمحاولة ايجاد مخارج ملائمة، وعلم في هذا السياق ان وزير الخارجية جبران باسيل يعمل على تسويق فكرة تقوم على تسمية شخصية مقبولة من قبل الرئيس الحريري وتكتل السنة المستقلين، لتوزيرها من حصة الرئيس، لكن هذه المبادرة لم تتبلور بعد على نحو جدي.

 جعجع «يفتح النار» 

وفي موقف لافت من رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع حيال «العقدة السنّية» المستجدة، وعلى عكس الحملة العلنية التي تحمل حزب الله مسؤولية عرقلة تآليف الحكومة، نقل زوار معراب عن «الحكيم» قوله انه يحسد حلفاء حزب الله عليه، وبغض النظر عن الاسباب الموجبة وراء موقفه المتشدد من تمثيل «سنة 8 آذار»، ودون الغوص كثيرا في الابعاد الاقليمية لموقف الحزب، لكن ما يعبر عنه حزب الله من صلابة في موقفه لدعم حلفائه «عملة نادرة» على الساحة السياسية اللبنانية بشكل عام والمسيحية على نحو خاص...

ولفت جعجع خلال حديثه امام مجموعة من محازبيه الى ان القوات اللبنانية ظنت ان طريق مشاركتها في الحكومة ستكون مفروشة «بالورود» نظرا الى ان «الحليف المسيحي بينه وبيننا اتفاق مكتوب وموقع، ولم يذهب ظني للحظة ان يحصل هذا الانقلاب على «التوقيع» بهذه البساطة «والوقاحة»، لكن «الطعنات» جاءت مرة جديدة من «الظهر»، لكن المفارقة كانت في عدم «صمود» الرئيس الحريري امام الضغوط التي مورست عليه من قبل رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل»..

ويضيف جعجع « انه وبدل التصلب في موقفه، ساهم اداءه التنازلي في محاصرتنا وجعل خياراتنا صعبة، وانتهت الامور الى ما انتهت اليه، والمفارقة اليوم ان التيار الوطني الحر بدءا من رئيسه ووصولا الى كافة قياداته لا يزالون يصوبون «سهامهم» على وزراء «القوات» وخصوصا «الرفيق» غسان حاصباني، بينما لم يتجرأ أحد منهم على اطلاق موقف او حتى انتقاد حيال «تعطيل» حزب الله للحكومة، وبينما هددوا وتوعدوا بتشكيل الحكومة بدون القوات اللبنانية اذا «ما مشيت»، وهو ما قيل صراحة بين الرئيس الحريري ورئيس الجمهورية بعد عودة الاول من الرياض.. لكن ما حصل الان يقول «الحكيم» ان عون قال كلمته ولم تتجاوز مفاعيلها بعبدا، فيما غادر الحريري البلاد تاركا المسؤولية على غيره كي يحل عقدة هو المعني الاول في حلها او على الاقل خوض المواجهة مع المعرقل الرئيسي لولادتها، ولذلك علينا الان ان نجلس «ونتفرج» «ومش غلط» «خلي حزب الله يربيهم»...

 الراعي على «خط المواجهة»   

في هذا الوقت دخل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على «خط» توجيه انتقاداته لحزب الله دون ان يسميه، ونقل عن رئيس الجمهورية ميشال عون «ألمه للعقدة التي استجدّت»، لافتاً إلى أنّه لا يقبل أن تتعثر المسيرة الحكوميّة». وقال الراعي من قصر بعبدا: «إذا لم ندعم رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف فلن تكون لدينا حكومة و«المرجلة» ليست بوضع العصي في الدواليب بل بتمهيد الطريق لإعلان الحكومة»، مضيفاً: «الرئيس عون يؤكد أنه لا يمكن الخضوع لمشكلات جديدة وهو ينتظر عودة الرئيس المكلّف لإيجاد حلول لا تكون على حساب لبنان ووحدته الداخلية وتوازنه». وإذ أشار إلى أنّ «جميعنا يعرف من يعطّل الحكومة»، أسف الراعي «لظهور عقدة جديدة أمام الحكومة فيما هم كانوا يتذرعون بـ «العقدة المسيحيّة» ولكن كفى عقداً».

 جلسة تشريعية.. والبطاقة الصحية   

وفي دلالة على «ياس» رئيس مجلس النواب نبيه بري من قرب تشكيل الحكومة دعا الى جلسة تشريعية عامة تعقد عند الحادية عشرة من صباح يومي الإثنين والثلاثاء في 12 و13 تشرين الثاني الجاري صباحاً ومساءً، وذلك لدرس وإقرار مشاريع وإقتراحات القوانين المدرجة على جدول الأعمال..في هذا الوقت وصل مشروع البطاقة الصحية إلى مشارف الإقرار في الجلسة العامة للمجلس النيابي بعد أن تم تمريره في اللجان النيابية وآخرها لجنة المال والموازنة التي أقرّت كافة بنود الخطة بمتابعة وحضور وزير الصحة غسان حاصباني...وهذا المشروع سيضع لبنان على خارطة الدول الأكثر تقدماً وتقديماً للخدمات الطبية من خلال إقرار الرعاية الصحية الشاملة بحيث سيكون للبنانيين ملف طبي شامل تحتويه البطاقة التي سيحملها، إضافة إلى فحوصات صحية سنوية سوف تساهم في الإكتشاف المبكر للأمراض وبالتالي العلاج المبكر لها ما سيساهم في إنقاذ المرضى وتخفيض الفاتورة الطبية... لكن مصادر نيابية تساءلت عن كيفية تمويل هذا المشروع، وعما اذا كان سيكون مشروع استدانة جديد، خصوصا ان الامر ترك لاقراره في مرسوم يصدر عن الحكومة، وحتى الان لم يعرف بعد اذا ما كان المواطن سيدفع ثمن هذه البطاقة.

 حل أزمة الفيول..؟ 

وفيما اعلن وزير الطاقة سيزار ابي خليل صباح امس من قصر بعبدا موافقة الشركة الجزائرية على تفريغ حمولة الفيول في معامل الكهرباء، قبل ساعات من دخول البلاد في «العتمة»، أجرى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري امس اتصالا من باريس بالرئيس ميشال عون اطلعه خلاله على نتائج الاتصالات التي اجراها بالمسؤولين الجزائريين والتي افضت الى قرار تفريغ حمولتي الباخرتين الجزائريين لصالح كهرباء لبنان، على ان يتم الدفع لاحقا.. لكن مصادر مؤسسة كهرباء لبنان زكدت ان «مجموعة واحدة من أصل 4 في معمل الذوق تعمل بنصف طاقتها، ومجموعة واحدة من أصل 5 في الجية لا تزال تعمل». وأشارت إلى أن شركة سوناطراك أبلغت وزارة الطاقة موافقتها على إفراغ السفينتين، ولكن عملية التفريغ لن تبدأ الا ظهر اليوم.