بالرغم من كل ما يعانيه اللبنانيون من الوضع المعيشي والاقتصادي والبيئي، ما زال هنالك من يزرع الأمل والتفاؤل بهذا البلد، لأنها أرض مباركة، ويقول: "لا خوف على لبنان"۔

إنه عميد المسرح اللبناني، الفنان الشامل والمتعدد المواهب والذي لُقّب بتشارلي شابلن العرب عن جدارة، هو الممثل والمخرج والكاتب جورج خبّاز۔ وُلد في كنف عائلة فنية، نشأ وترعرع على حب الفن والثقافة والمسرح والموسيقى والتمثيل، قام بالعديد من الأدوار التلفزيونية والسينمائية، الفكاهية والدراما، وهو كاتب ومخرج مسرحي، كتب وأخرج مسرحياته التي لاقت نجاحاً كبيراً، يكتب الأغنية النقدية والتي يقدمها على خشبة المسرح بطابع فكاهي أحيانا يجذب انتباه الحاضرين بأسلوبه الراقي۔ يقدّم المسرح النقدي للواقع اللبناني السياسي والمعيشي بأسلوب ممتع وفكاهي يلامس ما يشعر به كل مواطن ولكن بأسلوبه الخاص۔ تأثّر بأساتذة كبار من الكتاب والفنانين العرب والأجانب، أمثال شكسبير وموليير وعاصي وزياد الرحباني ودريد لحام وغيرهم۔



سرقنا منه الوقت لإجراء هذا الحوار الممتع لموقع "الديار الالكتروني"۔


- جورج خباز ابن عيلة فنية، مسرحية وتلفزيونية، شو اخذ من والده وشو اخد من امه؟

* عائلة فنية لم تعمل كثيرا في الفن لانهم قرروا التوقف بسبب الحرب والتفرغ لعائلتهم لكني اخذت منهم حب الفن والثقافة والديمقراطية، نشأنا في بيت ديمقراطي واخذت من امي العاطفة ومن ابي الحكمة والصمود امام الصعاب لتخطي ما نواجهه في بلدنا۔


- على أي أساس یختار جورج خباز قصة وفكرة المسرحية؟

* هي ليست فكرة، بل فكر وفكرة، الفكرة لا تكفي وحدها والفكر لا يمكن ان يصل الى كل الناس لكن عندما يتجلون معا يكونون بالمستوى نفسه، ابحث اولا ماذا اريد ان اقول، ولماذا اريد ما اقوله، حقيقة يكون هناك شيء اريد قوله، فأجد نفسي أذهب الى هذا الموضوع، وغلاف الموضوع هو الفكرة والشخصيات والحبكة وطريقة طرح الموضوع كي لا يكون مطروحا سابقا، فإني أغرف من يومياتنا التي نعاني منها كمواطنين وتحويل هذه المعاناة والهواجس التي نعانيها الى لعبة مشهدية معينة تترجم ما أريد۔


- ما ھو السر الذي یجعل من جورج خباز عمید المسرح اللبناني؟

* أولاً كلمة عميد مسرح شيء كبير، هناك أناس تعلّمنا منهم، وأنا ما زلت أعتبر نفسي تلميذ في المسرح وهذا ليس تواضع، لاننا كلّما غصنا في هذا الحقل الكبير، نجد أنفسنا تلاميذ، أما سر النجاح والتواصل لمدة 15 عاماً هو العيش في الشارع وشفط ما يحدث من حولك وتخزينه وترجمته نحن مسرح لا يستخف بعقول الناس ولا يتعالى على عقوله، نحن مسرح جماهيري ولكن يلامس النخبوية بمكان ما، بالاضافة الى اننا لا نحرم احد من دخول المسرح البعد الاول ترفيهي والثاني عاطفي ومشاعري والبعد الثالث فكري هؤلاء هم ما يقف عليهم العمل وهذا ما يصل الى كل الناس بكل اختلافاتها العمرية والفكرية والثقافية۔


- لماذا تعمل مع كاست العمل نفسه في كل مسرحیة؟

* هم عائلتي، وهو سيف ذو حدين، كل الفرق عبر التاريخ في العالم بعيدا عن التشبيه، كل مسرح بقي ونجح هو مسرح فرقة تتعايش مع بعضها البعض، وهذا لا يمنع دخول دم جديد في الاعمال من وقت لاخر، هذا التناغم يعطي العمل مصداقية ومهنية اكثر، ونحن نقدم مسرح موسمي، إذ في كل سنة نقدّم عمل وليس عندنا الوقت الكافي لنتمرن سنة على مسرحية لتعرض عشر سنوات، لا بل عندنا شهرين فقط لنقدم فيه عمل وهذا ما يساعدنا، بالاضافة الى ان الناس تحب ان ترى الوجوه التي اعتادت عليها والتي تحبها شرط ان ننوّع في بعض الاحيان۔


- كیف انطلقت نجومیة جورج ومتى شعر بالنجومیة فعلیاً؟

* لا يوجد احد في الكون لا يريد ان يكون محبوبا بين الناس، محبة الناس نعمة، ولكن لم تكن الشهرة هدفي، بل هدفي شغف الوقوف على خشبة المسرح للتعبير عن الذات ويمكن عن الاخر، المسرح أنقذني فنيا ونفسيا واخلاقيا وانقذني ماديا واجتماعيا ومن كل النواحي، لكن حبي لهذا المجال جعلني لا أركض وراء المال، وأخبرني احد الاساتذة الكبار، ان لا تركض وراء الشهرة والمال لانك ستصبح عبداً لهم، بل دعهم هم يلحقون بك، الشهرة لم تغيّرني، احيانا أستعمل الشهرة لأمور اجتماعية وإنسانية، اذا غيّرت الشهرة بي شيء هي انها عرّفتي على أناس انا بحاجة لهم وهم بحاجة لي۔


- من هو الشخص الذي يعتبره جورج خباز أستاذه؟

* الكثيرين هم أساتذتي، بصراحة هم شكسبير، موليير، تشيكوف، بينسكو، عاصي الرحباني، زياد الرحباني، دريد اللحام وبعض أعمال الماغوط، وغيرهم الكثير، أخذت خليط من كل شيء ومتنوع الثقافات، كي أرسم هويتي الخاصة، لكن روحيتي هي التي تطغى على كل شيء۔


- ما ھو جدیدك، وھل تعمل على مسرحیة جدیدة، ما ھو موضوعھا؟

* أحضّر لمسرحيتي الجديدة والتي ستعرض في 8 تشرين الثاني، وهي "إلاّ إذا تغيّر شي"، السنة الماضية قدمنا مسرحية "إلاّ إذا"، الآن نكمّل أحداث ونرى تطور الشخصيات، مسرحية قائمة بحد ذاتها، هي جزء ثاني من "إلاّ إذا" ومن لم يحضر "إلاّ إذا" التي لاقت النجاح الكبير السنة الماضية، يستطيع ان يحضر "إلاّ إذا تغير شي" وحدها لانها قائمة بحد ذاتها بأحداثها وشخصيتها لكنها مكملة لمسرحية "إلا إذا"۔


- لقّبت بتشارلي شابلن العرب، ماذا أثرت فيك هذه الشخصية والى أي مدى؟

* كل أنواع الكوميديا موجودة عندي بالعمل، وهي أربع أنواع، كوميديا الموقف والحركة والكلمة والنقد واللعب على الكلام، كوميديا الحركة سيّدها وعرّابها هو تشارلي شابلن، لان السينما آنذاك كانت صامته، واذا ذهبت الى كوميديا الحركة تذهب تلقائيا الى هذه المدرسة، ولا أنكر تأثري الكبير به، وكل كوميدي في العالم هو متأثر بتشارلي شابلن بشكل مباشر او غير مباشر، لانه عرّاب الكوميديا الحركي في العالم، ويشرّفني لقب تشارلي شابلن العرب، لأني أشبّه برجل عظيم۔



- أين جورج خباز من الدراما، وبعد فيلم "غدي" الذي نال جائزة مهرجان الأفلام الفرنكوفونية؟

* السينما مكلفة جدا جدا، أقل فيلم يكلف مليون دولار، والسوق اللبناني ضيق وصغير، عندنا حوالى مئتي ألف مشاهد فقط في لبنان، إذا ضُرب هذا العدد بثلاثة دولارات، التي يحصّلها المنتج يحصل على ستماية الف دولار، واقل فيلم يكلف مليون دولار، يعني الخسارة قبل ان يبدأ، ونحاول ان نُحضر من الخارج “Co production” و“Sponsor” الى الخ… وهذا يتطلب وقت۔

الآن أحضّر لفيلم سينمائي درامي جديد، واسمه "الواوي" يحكي عن البيئة الحاضنة التي تؤثر على الشخص۔


- لماذا تكتب مسرحیاتك بنفسك؟

* عملت اقتباس سنة 2008 لمسرحية "شو القضية" وهي مسرحية "استشارة محامي" لجيلبرت ويتفلد كاتب انكليزي، اشتريت الحقوق وأعدت ترتيبها وضبطها، واذا كنت أريد أن أستعين بكتّاب، فأستعين بكتّاب عالميين موجودين، أشتري الحقوق وأعيد ترتيبها، في لبنان عُرض عليّ الكثير، وبصراحة لم أجد رواية او نص مسرحي يشفي غليلي ويكمل المسيرة التي أقودها۔


- هل اخترت المسرح نهائياً أم أنه هو الأساس عندك فقط؟

* المسرح يأخذ مني كل وقتي، لانه مرهق ومتعب ولأنه عليّ أن أكون حاضر ذهنياً وجسدياً، وفكري وليلي يكون صعب جدا۔


- ھل اختیارك لشقیقتك الممثلة لورا في العمل معك من باب القرابة أو لأنھا مبدعة وجیدة ولإیمانك بموھبتھا؟

* لا، أنا أراها مبدعة وليس هذا فقط، بل أتّكل عليها كثيراً وهي تحفظ النص بالكامل ومساعدة مخرج وأيضاً دينمو المسرح، وممثلة رائعة وهي مظلومة لأنها أختي، ساعدتها في بداياتها، ولكن موهبتها أكبر من ان تُحصر بأنها شقيقة جورج خباز، وقد قدمت العديد من الأعمال وأظهرت قدراتها الفنية كممثلة رائعة ومبدعة۔


- ھل تقبل أن یكون لك دور ثانوي في مسرحیة من كتابتك وإخراجك؟

* أكيد، بصراحة كل مواهبي الاخرى هي بخدمة الممثل الذي فيّ، وأنا ارضي طموحي كممثل عندما يكتب المخرج للكاتب الذي فيّ والمخرج الذي فيّ يخرج هذا العمل، كما لا أنكر بصراحة ان الناس تحضر الى شباك التذاكر من أجل هذا الممثل، ولكن نعم، فيما بعد عندما أرى أن المسرح وحده يُحضر ناسه دون الاتكال على جورج خباز الممثل، اتمنى ان اقدم عمل مسرحي أتفرج عليه مع الناس، ولعبت الكثير من الادوار الثانوية في المسرح وغيره، ولكن بمسرح "الشاتو تريانو"، أحد أهم الشروط ان يكون جورج خباز الممثل، وبكل صراحة، ممثل شباك التذاكر يجب ان يكون موجوداً، مثلا مسرحية "إلاّ إذا" ومسرحية "إلاّ إذا تغير شي" هي بطولة جماعية وليست بطولة جورج خباز وحده۔


- ما ھي المشاكل التي تواجھھا أثناء تحضیر المسرحیة؟

* المشاكل المالية الحمد لله انتهت، لكن يبقى عندنا خوف وقلق دائم، وبلدنا كما هو معروف على "كف عفريت"، أمنياً واقتصادياً، هذه هي المشاكل التي نواجهها، لكن ما تبقى نحن منذ 15 عاما دون اي مشاكل تذكر، بالطبع هناك المشكل الاساسي الذي لم نعد نتكلم به وأصبح جدلا عقيماً، هو أن الدولة "تبلّ" إيدها معنا أم لا؟


- ھل ترى ان أسلوبك في نقد المجتمع اللبناني بنكهة فكاهية قریب من أسلوب الفنان زیاد الرحباني؟

* دون شك ان زياد الرحباني أستاذ كبير، ونحن نقطة في بحره، وهو صديق، ولا نستطيع ان ننكر أنه جزء أساسي من ثقافتنا المسرحية وتاريخنا السياسي الفني، وهناك تأثرات باللاوعي، ولكني أحرص ألا أشبه احد، لانه لا أحد يستطيع أن يحل مكان الآخر، ولا أحد يكمل أحد۔ زياد الرحباني أستاذ كبير ونعتزّ به جداً، ولكن مسرحنا مختلف بالكامل وعلاقتنا معه عظيمة وأبي مثّل معه بمسرحية "سهرية" وأتمنى له الصحة وثانيا أتمنى ألا يخاف القيام بأعمال لان الناس تحبه وتنتظره۔



- هل يمكن أن نرى يوماً ما زياد الرحباني وجورج خباز معا؟

* ليس عندي مشكلة أبدا، هذا يشرّفني، ولكن الأمر يعود الى زياد الرحباني۔


- لماذا لم تُعرض مسرحياتك في خارج لبنان؟

* كل مسرحياتي تُعرض كل سنة في استراليا وكندا وفي بعض الدول العربية، لكن الاساس هو في لبنان۔


- هل يمكن ان نرى جورج خباز في فيلم غير لبناني؟

* لما لا، إذا عرض عليّ دور جيد لا يسيء الى عالمنا العربي، فأنا أتمنى۔


- أنت معروف بحسّك الوطني الى لبنان والعالم العربي!

* بالتأكيد، هذه أرضنا وهذا بيتنا وهي أمّنا ومن يخلع ثيابه يَبرَد۔


- لماذا لم تعمل مع نجوم الدراما في لبنان على المسرح أمثال ماغي أبو غصن، یورغو شلھوب وغیرھم؟

* كلهم أصدقائي وعملت مع الجميع تقريبا يوماً ما، الدراما تريد وقت، بعض القصص بالدراما جيدة، وما زالت محاولات وبعضها محاولات عظيمة، أراها ذاهبة الى مكان جيد، شرط ان نفتح على الاسواق العربية، لان سوق الاعلانات عندنا ضيق، نحن بلد صغير، شعب قليل العدد، ممتاز بعقله وإمكانياته الفردية، ولكن على صعيد السوق التجاري أين نحن من مصر والخليج وغيره۔


- الوجوه الجدیدة، هل لديك استعداد لإعطائھم ادواراً بطولية؟

* بالطبع، استيفاني عطا الله، في مسرحية بالكواليس التي عُرضت مؤخرا، كانت بطولة مشتركة بيني وبينها والقصة تتمحور حول هذا "الديو"، وأيضاً ناتاشا شوفاني من قبل وهناك الكثير من المبدعين، وأنا أستفيد من حماسهم ويستفيدون من خبرتي۔



- معروف عنك خروجك عن النص أحيانا، هل تسبب إرباك للممثلين الذين معك؟

* هامش الارتجال عندي قليل جدا جدا، أفتح هلالين عندما أكتب النص وأقول هنا يمكن ان "أرتجل"، وأحيانا اقصد القيام بهذه الأمر أثناء تصوير المسرحية، لعله يكون شيء "لذيذ"، واذا لم يكن كذلك، بصراحة، يحذف في المونتاج، ولكني أعرف كيف أعود بالممثلين الذين معي الى جو المسرحية۔


- الحياة العاطفية لجورج خباز أين، وهل هناك مشروع زواج قريب؟

* الحياة العاطفية ممتازة، الموضوع هو التأني باختيار الشريك لبناء عائلة سليمة، بالطبع هناك شريك، ولكني أنتقي الشريك للزواج، هناك فرق بين الشريك في الحياة وشريك في الزواج، الزوجة غير الحبيبة والصديقة، هناك مسؤولية وأولاد، عندما أصبح أباً عليّ التمسّك بعائلتي، وهذا ما أتحضّر له، وأتمنى أن يكون هناك شيء قريب۔


- المشاركة في مھرجانات بعلبك الدولیة، كیف كانت التحضیرات لھا، وھل شعرت باختلاف خاصة انك ابتعدت عن مسرحك، وكیف كان الشعور على خشبة المھرجان؟

* اولا اشكر كثيرا اختيارهم لي، لأنهم أحسوا أن هذا المسرح على الصعيد الفني يليق ان يكون بمهرجانات بعلبك الدولية، وقد راهنوا عليّ لأني لأول مرة أكون في مهرجانات بعلبك، قمنا بنقلة نوعية كبيرة، استعملنا تقنية “3D Mapping”، والقليل ممن استعملها بالمهرجانات، والاوركسترا على المسرح مؤلفة من 50 عازفاً وعازفة ومباشرة، ولأول مرة في لبنان تعرض مسرحية كوميدية مضحكة على مدارج قلعة بعلبك، كان هناك 3 خيارات، الواقع المرير الذي يحصل في المسرحية والحلم التي يتجسّد بالاوركسترا والمغنية التي كانت تظهر لينا فرح، وأحجار بعلبك التي تمثّل التاريخ، مجتمعين شكلوا خلطة جميلة وأحدثوا ضجة كبيرة بالاعلام، لدرجة ان 25 مقالا كتبت، ولا واحدة كانت سلبية باستثناء الاستاذ عبد الغني طليس، الذي خلط ما بين إهدنيات وبعلبك، حيث قدمنا أعمال لافلام فاعتقد ان موسيقى الافلام في بعلبك، فاعترض وقال ان هناك حقوق، اتصلت به وقلت له ليس كل ما تسمعه تكتبه، تراجع وقال إني معك وسوف أصحح الأمر۔


- ما هي نظرة جورج خباز للبنان ومستقبله؟

* إنها أرض مباركة، ولهذا ستبقى فيها المشاكل، ولكن لا خوف على لبنان، أنا متفائل جدا بهذا البلد، ولكن لدينا 3 أمور علينا تغييرها، وهي النظرة المتخلّفة للمختلف وحب الوطن والمواطنية الحقيقية، والخروج من الأنانية التي توارثناها منذ 500 سنة من حكم الأتراك وما بعدهم، والطائفية و6 و6 مكرر التي لا تجعل الكفاءات تصل، عندها نتخطى الكثير من المشاكل، وهناك أجيال ستمر كي نصل الى ثبات ما، لكن علينا البدء من اليوم۔