يصنف المشرّع القانوني دراكو (Draco) ضمن قائمة أهم الشخصيات المؤثرة في تاريخ أثينا حيث نجح هذا الرجل في إحداث تغيير جذري في نظام التشريع القانوني بالمدينة. فمنذ بدايتها، اعتمدت أثينا على تشريع قانوني عرفي ومتداول شفويا قائم على الخصومات الدموية بين مختلف القبائل. لكن مع حلول دراكو، عرفت أثينا تغييرا تاريخيا أرسى خلاله الأخير نظاما قانونيا مكتوبا تكفل القضاة بتنفيذه.

فمنذ القدم، عمد الأرستقراطيون الأثينيون إلى إحداث تغييرات على القوانين الشفوية المتداولة لخدمة مصالحهم وبناء على ذلك تحول القانون في أثينا إلى أداة ظلم استغلها أصحاب النفوذ لنهب حقوق المواطنين العاديين. ومع حلول النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد، ذاق أهالي أثينا ذرعا من هذه القوانين الشفوية فما كان منهم إلا أن أوكلوا لرجل القانون دراكو مهمة صياغة قوانين ثابتة ومكتوبة جاعلين من الأخير المشرّع الأول للمدينة.

وفي حدود سنة 620 قبل الميلاد، استلم دراكو مهامه ليعوض قانون الغاب الذي أصبح سائدا بأثينا بقوانين أخرى تطبق على جميع الأهالي دون استثناء.

مثلت قوانين دراكو المكتوبة أول نوع من دساتير أثينا كما اعتبرت من قبل كثيرين خطوة بناءة نحو تكريس النظام الديمقراطي بالمدينة. وفي الأثناء، مثّل ما لقب بدستور دراكو عبئا حقيقيا على أهالي أثينا حيث اتجه المشرّع الأثيني إلى إرساء قوانين وعقوبات صارمة اتخذت في الغالب من الإعدام عقوبة أساسية لمعاقبة المخطئين، وبناء على ذلك تساوت العديد من الجنح البسيطة مع الجرائم الكبرى. فعلى سبيل المثال تساوى السارق مع القاتل، سواء قتل عمدا أو بدون قصد، ليحصل الاثنان حسب قوانين دراكو على العقوبة القصوى والتي تمثلت في الإعدام. وواجه كل من يتخلف عن سداد دين عقوبة قاسية قد تجرده من حريته ومواطنته وتحوله إلى عبد.

وعقب سؤاله عن سبب إفراطه في تطبيق قوانين الإعدام، أكد دراكو أن الموت عقوبة مثالية للجرائم الصغيرة، وتزامنا مع ذلك أوضح الأخير عدم وجود عقوبة أخرى أكثر قسوة من الإعدام لتطبيقها على مرتكبي الجرائم الفظيعة. وعلى إثر ظهور هذه القوانين القاسية والتي حملت لقب دستور دراكو، برزت للعالم كلمة "دراكونية "، والتي اشتقت من اسم المشرع الأثيني دراكو، للإشارة للقوانين والإجراءات الجائرة والقاسية.

وبحسب عدد من المؤرخين الإغريقيين، عرف المشرّع دراكو نهاية قاسية في حدود سنة 600 قبل الميلاد على يد الأهالي الذين ساعدهم في وقت سابق عن طريق قوانينه. ففي أثينا قديما، اعتاد الناس إلقاء القبعات والثياب على شخص ما لإبراز سعادتهم وثقتهم فيه وتأييدهم لسياسته. وأثناء تواجده بمسرح أجانيطس (Aegina)، التف عدد هائل من الأهالي حول دراكو وقذفوه، بطريقة هستيرية، بعدد كبير من القبعات والعباءات. وتراكمت كل هذه الثياب فوقه ليختنق المشرّع الأول لأثينا تحتها ويفارق الحياة خلال فترة وجيزة.

ومع بداية القرن السادس قبل الميلاد، ألغى المشرع ورجل القانون الأثيني سولون (Solon) جانبا هاما من قوانين دراكو القديمة لتحافظ مدينة أثينا على قانون جرائم القتل والذي ظل ساريا إلى حدود القرن التالي، قبل أن يتم تعويضه بقانون آخر أمر بإعدام كل من يقتل عمدا ونفي كل من يرتكب جريمة قتل دون قصد.

العربية