يمضي الرئيس المكلّف سعد الحريري بتشكيل الحكومة الثانية له في عهد الرئيس العماد ميشال عون، في ظلّ أجواء توحي بحلحلة العقد المسيحية والسنيّة والدرزية التي حالت دون تأليفها منذ 24 أيّار الماضي يوم تسمية الحريري بتأليفها. وتؤكّد أوساط ديبلوماسية لبنانية أنّ المملكة العربية السعودية قد رفعت يدها عن عرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية بعدما ورّطت نفسها في قضية اختفاء واغتيال الصحافي السعودي جمال الخاشقجي المعارض لولي العهد محمد بن سلمان، في القنصلية السعودية في اسطنبول في تركيا.

وأوضحت الاوساط، أنّ الضغوطات التي مارستها السعودية على الرئيس الحريري من جهة، بعدما كان يُصرّ على تشكيل الحكومة خلال وقت قصير بعد تكليفه ثمّ فرمل خطواته، والتي مارستها من جهة ثانية على «القوّات اللبنانية» لتُعلي سقف مطالبها، قد خفّت منذ أن باتت علاقتها بالبيت الأبيض مهدّدة بسبب تورّطها في إخفاء الصحافي الخاشقجي الذي يقيم منذ فترة في الولايات المتحدة الأميركية ويكتب مقالات في صحيفة الواشنطن بوست، سيما أنّه تمّ اتهامها بارتكاب جناية ضدّ الإنسانية وبتحويلها الى محكمة الجنايات.

فأمام هذه القضية الكبيرة التي تضع العلاقات الأميركية - السعودية على المحك، على ما أوضحت الاوساط، رفعت السعودية يدها عن عرقلة تشكيل الحكومة في لبنان، لكي تصوّب أنظار العالم الى مكان آخر غير تركيا والخاشقجي. ويمكن القول أنّه تبعاً لمقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فقد استفاد لبنان من مصيبة الخاشقجي، من دون أن يقصد، ورغم تعاطفه مع هذه القضية الإنسانية، من خلال انخفاض مستوى الضغط السعودي على بعض المسؤولين اللبنانيين.

من جهة ثانية، فإنّ فرنسا التي لم يعد باستطاعتها انتظار ولادة الحكومة بعد نحو أربعة أشهر ونصف على تكليف الحريري التشكيل، وتخشى من أن تطول فترة الجمود السياسي هذه في لبنان، فقد وضعت بالتالي ثقلها، لحثّ الأطراف السياسية في لبنان على عدم التأخير أكثر في تأليف الحكومة العتيدة. وقد صبّ اللقاء الذي جمع الرئيس عون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في حضور وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في القمة الفرنكوفونية في دورتها السابعة عشرة المنعقدة في يريفان- أرمينيا في إطار الإستفادة من فرصة دعم المجتمع الدولي للبنان على مختلف الصعد الإقتصادية والعسكرية والإجتماعية، وتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن.

ويُطالب لبنان فرنسا في الوقت نفسه أن تؤدي دوراً فاعلاً لتسهيل عودة النازحين السوريين الى المناطق الآمنة في سوريا، كون وجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري على الأراضي اللبنانية كافة يُرهق ميزانية الدولة، وأن تدعمه في مختلف المجالات. كذلك يودّ أن تبذل الجهود لكي تؤثّر في المجتمع الدولي، تضيف الاوساط الديبلوماسية لا سيما منه الدول الأوروبية لكي تُساهم في تنفيذ المبادرة الروسية بشأن إعادة 5.6 مليون نازح سوري من لبنان ودول الجوار. فبعد ما أعلنته الولايات المتحدة الأميركية على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو بأنّ بلاده لن تموّل إعادة إعمار سوريا ما دامت القوّات الإيرانية أو المدعومة من إيران لم تُغادر البلاد نهائياً، مشترطاً أنّه «إذا لم تضمن سوريا الإنسحاب الكامل للقوّات المدعومة إيرانياً، فهي لن تحصل على دولار واحد من الولايات المتحدة لإعادة الإعمار»، فقد بات من الصعب على روسيا المضي في تنفيذ عملية إعادة النازحين وإعادة إعمار سوريا بمفردها من دون مساهمة دول عدّة.

وتأتي العقوبات الأميركية المشدّدة على إيران، كما على «حزب الله» في 4 تشرين الثاني المقبل، على ما ذكرت الأوساط نفسها، لتضيف الى مسألة «التعجيل» في تشكيل الحكومة سبباً إضافياً جوهرياً، انطلاقاً من أنّ الأطراف السياسية الداخلية تؤيّد مشاركة «حزب الله» في الحكومة الجديدة ولا تضع أي «فيتو» على الرئيس الحريري في هذا المجال. ولأنّ البعض يخشى من أن تؤثّر هذه العقوبات بشكل أو بآخر في وضع الحزب في الداخل والخارج، أو تؤدّي الى بروز فكرة استبعاده من الحكومة، وهو أمر غير وارد على الإطلاق، فترى أنّه من الأفضل استباق العقوبات لما فيه مصلحة لبنان.

وتقول الاوساط، أنّ التنازلات لا بدّ وأن تحصل خلال الأيام المقبلة، لكي يتمّ التوزيع النهائي للحصص الوزارية على الأحزاب والكتل السياسية، كما لنوعية الحقائب، لتصبح الحكومة جاهزة للإعلان بعد إسقاط أسماء الوزراء عليها. وقد بات شبه مؤكّد، بحسب المعلومات، أنّ حصّة رئيس الجمهورية و»التيّار الوطني الحرّ» ستستقرّ على عشرة وزراء بعد أن كان الوزير باسيل يصرّ على 11 مقعداً وزارياً 6 للتيّار و5 للرئيس. وبهذا يكون هذا الفريق قد تنازل عن مقعد واحد، على أن يحصل منها «التيّار» على 6 أو 7 وزراء فيما البقية تدخل في حصّة الرئيس. أمّا «القوّات اللبنانية» فستحصل على 4 حقائب وزارية قد يكون من ضمنها حقيبة لحزب «الكتائب اللبنانية»، فيما تُسند حقيبة وزارية لـ «تيّار المردة».

وبالنسبة لـ «تيّار المستقبل» أو حصّة الرئيس المكلّف والتي هي 6 وزراء، فسيحصل الحريري عليها، على أن يتمّ تمثيل السنّة بخمسة يُضاف اليهم وزير محسوب على كتلة المستقبل من طائفة أخرى. على أنّ الأمور لا تزال قابلة للمناقشة بالنسبة للمقعد السادس مع رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي لتمثيل كتلة العزم. ولا خلاف منذ البداية على حصّة الثنائي الشيعي أي «حزب الله» و«حركة أمل» الذي سينال 6 وزراء لكن الجدل لا يزال حول إسناد وزارة الصحّة للحزب أم لا، لاعتبارات تتعلّق بدول الخارج.

أمّا حصّة الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي كان أول المتنازلين في الأيام الأخيرة بهدف تسهيل تشكيل الحكومة الجديدة، فستكون من وزيرين، فيما سيتمّ تعيين الوزير الدرزي الثالث بالتوافق مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والوزير طلال إرسلان، أو ربما يأتي من طائفة أخرى. علماً أنّ «التقدّمي الإشتراكي» يتمثّل في الحكومة الحالية بوزارتين من أصل ثلاث حقائب مخصّصة للطائفة الدرزية، هما وزارة التربية والتعليم ووزارة الدولة لشؤون حقوق الإنسان فيما الحقيبة الثالثة أي وزارة المهجّرين للوزير إرسلان.

وبناء على ما تقدّم، ستتألف الحكومة الجديدة من 30 وزيراً، 15 للمسيحيين و15 للمسلمين وفق معادلة 6 و6 مكرّر، مع مراعاة جميع المكوّنات السياسية، ولهذا يُمكن تسميتها «حكومة الوفاق الوطني». وفي حال لم يُوافق أي من المكوّنات على الحصّة المعطاة له فسيتحمّل عندها مسؤولية رفضها لها، علماً أنّ كلّ المؤشّرات تدلّ على إمكانية توافق جميع القوى والكتل النيابية على هذه التقسيمات.