ستُولد الحكومة في مطلق الاحوال.. ومهما طال زمن التأليف، اكان برئاسة سعد الحريري ام غيره، وستُرسم معها حساباتٌ معقدة ومتشعبة لن تكون محصورة في ساحة دون اخرى، وان كانت ستعطي الافضلية لهذا الطرف على حساب ذاك، لكن الجميع سيكون امام جملة من تحديات، تُدرج في خانتي الربح والخسارة، طالما ان الجميع سيكتشف ان تصدع الساحات السياسية والطائفية وانهيار التفاهمات والتحالفات التي انتجت صفقة انتخاب رئيس للجمهورية، سيفوق حجم التصدعات والانهيارات التي احدثتها الانتخابات النيابية في ايار الماضي.

وبرأي اوساط سياسية متابعة، فان ما يتم تداوله في السوق السياسية عن امكانية حدوث تنازلات من هذا الفريق او ذاك ما هو الا لتجميل الصورة، فيما الصورة الحقيقية باتت فاضحة، لجهة الانهيار التدريجي للاوضاع الداخلية، السياسية والاقتصادية والمالية، والمفارقة التي بات الجميع امامها، ان الصراع على الحصص على اشده، فيما البلد تكاد تحكمه بواخر كهرباء ومافيات المولدات، في وقت اصبحت الحكومة في حالة انحدار افقدها صفة «حكومة تصريف الاعمال»، بالرغم من انها تبدو وكأنها حكومة اصيلة مخالفة لصلاحية طبيعتها.

وتلفت الاوساط التي لا تستبعد التوصل الى صيغة حكومية بعد انجاز «مناورة» لاعداد مخرج «يُرضي الجميع»، الى ان ما كان يُطَمئِن «التيار الوطني الحر»، ان الجبهة المسيحية فيها من التفسخ والخصومة ما يكفي لتبقى بعيدة عن اي تعاون او تحالف، لرد الحصار الذي يسعى لفرضه عليها، فالثلاثي المسيحي الذي «يُحاربه» «التيار»، يجد نفسه اليوم مستهدفا من العهد و«تياره» ولا قيامة له لتحسين واقعه السياسي الا بالاقدام على قيام تحالف، كان حتى الامس القريب ممنوعا او مستحيلا، بسبب العداوات السياسية المزمنة التي تخبطوا فيهاعلى مدى عقود عدة، سيما بين حزب الكتائب الذي لعب لفترة طويلة دور «ام الصبي» مسيحيا من جهة، والقوات اللبنانية الخارجة من حزب «الله ـ الوطن ـ العائلة» لتشق طريقها المستقل في كيان سياسي بات اليوم وازنا من جهة ثانية، كذلك بين تيار «المردة» و«القوات اللبنانية»، وقد تحولت اللقاءات الدورية تجري من دون استنفار او «فلفشة» في الدفتر الدموي بينهما، وما هو مُسلَّم به ان القواعد الشعبية لـ«القوات» و«المردة» ومعهما «الكتائب» باتت جاهزة لاي صيغة من صيغ التحالف، وما يعزز هذه الامكانية، اتساع الفجوة بين الاطراف المسيحية الثلاثة من جهة و«الوطني الحر» من جهة ثانية.

حسابات من نوع آخر باتت على طاولة الاطراف المسيحية المتضررة ممن يُسميه البعض «سطوة» التيار الوطني الحر السلطوية، الذي بدأ يتلمَّس حالة سياسية مسيحية معارضة لعهد رئيس الجمهورية، وفي السياق، تشير الاوساط الى انه يكفي ان تلقى هذه الحالة احتضانا من حلفاء غير ثابتين، كالرئيس الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في معركة الاحجام والاوزان السياسية في مسار السنوات الاربع المتبقية لولاية رئيس الجمهورية.

وبرأي الاوساط نفسها، فان ما يتوقعه اللاعبون المؤثرون في رسم هوية الحكومة الجديدة، سيكون اكثر تعقيدا مما هو قائم، في حال لم يتم التوصل الى «ميني» تسوية حول الحقائب والحصص، وافرجت الادارة الاميركية عن وجبة جديدة من العقوبات الجاهزة والمتوقعة ضد «حزب الله»، ومنها حظر تمثيله في الحكومة؟، هل باستطاعة الرئيس المكلف السير بها ورفض تمثيل الحزب، حتى ولو بوزارة متواضعة، كما درجت العادة مع تمثيله في الحكومات السابقة؟، ومن يستطيع السير بالعقوبات، في ظل ميزان قوى تَشكَّل في اعقاب الانتخابات النيابية، وسط اجماع على انه لصالح حزب الله وحلفائه؟، فضلا عن المواقف الواضحة لرئيس الجمهورية ومعه قوى وتيارات سياسية وازنة يتشددون في رفض الانصياع للضغوطات والعقوبات الاميركية في ما خص تمثيل «حزب الله».

ثمة من يتوقع ان تكون التطورات المتعلقة بتصفية الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا.. وتصاعد حملة الادانة التي ظهرت عالميا والتي تحمِّل السعودية المسؤولية الكاملة عن عملية التصفية الجسدية، مدخلا مناسبا لتمرير الحكومة.. وبغطاء فرنسي بنكهة فرنكوفونية «تحمله» طائرة رئيس الجمهورية القادمة من ارمينيا.