على ايقاع بورصة التأليف الحكومي ومطباتها تترنح البلاد المشلولة ،وسط انين اللبنانيين الرازحين تحت الضغوط التي تكاد لا تحصى ولا تعد، في بلد غابت فيه الانجازات الرسمية، باستثناء ما بقي من مؤسسات لا تتعدى اصابع اليد الواحدة، تتلاطمها امواج الفساد والهدر، مقاومة كل على طريقتها لتبقى وتستمر.

ففي الوقت الذي تغرق فيه البلاد بموجات من الفساد المؤسساتي والسياسي ثمة وسط هذه الصورة السوداء وميض نور تكفلت قيادة اليرزة بابقائه مشتعلا، رغم الحملات المغرضة التي تتعرض لها بين الحين والآخر، من اصحاب المصالح الشخصية الذين اعتادوا ركوب الموجات على حساب المؤسسات والمصلحة العامة دون رادع.

واذا كان حديث الامس هو انجاز مديرية المخابرات في اقتناص «حكيم» من داخل مخيم عين الحلوة في انجاز نوعي، يفتح الباب على كنز حقيقي من المعلومات وخفايا القيادات الارهابية، فان انجازا من نوع آخر سيكون حديث الايام المقبلة لدى فئة كبيرة من اللبنانيين، لا يقل اهمية عن الاول، بل قد يتعداه، تمثل في الزيارة المفاجئة لقائد الجيش العماد جوزاف عون الى الطبابة العسكرية في بدارو وتفقده المستشفى العسكري المركزي.

فالزيارة المختلفة بكل المعايير والتي كسرت المحظورات، خلافا لما اعتاده «رواد» المستشفى العسكري، اتت لتضفي جدية على مشروع القيادة وجهدها للنهوض بطبابة عسكرية تواكب العصر وتلبي طموحات العسكريين وعائلاتهم ،تضاهي مستشفيات القطاع الخاص، علما انه في بلاد العالم المتطور يعتبر القطاع الاستشفائي العسكري الاهم والاكثر تطورا، وهو الهدف الذي تسعى قيادة الجيش للوصول اليه.

وفي هذا الاطار فان استراتيجية العماد جوزاف عون قامت على تعزيز جناحي المؤسسة، الاول على صعيد العتاد والثاني على صعيد البشر، فالقصة ليست فقط سلاحا متطورا، انما خبرة ومعرفة وولاء، وجسم سليم للعسكري كما لعائلته، من هنا كان الاهتمام الخاص بمسألة الطبابة العسكرية، التي احتلت حيزا مهما من نقاشات القيادة، في سلسلة لن تنتهي، بدأت باعتماد الكفاءة معيارا للتطويع والترقية، مرورا بسد مزاريب العجز والهدر، وليس آخرا الطبابة، وما بعدها من ملفات خاصة بالمؤسسة العسكرية وعسكرييها.

انطلاقا من ذلك وبشكل مفاجئ وصل قائد الجيش بالامس الى «مجمع الاستشفاء العسكري» في بدارو، دون سابق انذار او تحضير كما كان يحصل سابقا ،ليجتمع برئيس الطبابة وحضور كبار الضباط. خبر انتشر كالنار في الهشيم بين المرضى الموجودين ،والذين تمنوا ان يوصلوا صوتهم للقائد، صوت الفرح بغصة الالم ، «بعد ما صار في مين يسمعنا ويشوف احوالنا». فكان لهم ما ارادوا ،دون ان يطلبوا حتى.

بعفويته المعهودة وتودده الذي قل نظيره، تنقل بينهم مستمعا لشكواهم ،مراقبا متابعا مهتما، متفاعلا معهم، كيف لا وهو بين افراد عائلته الكبرى، في فرصة قد لا تكون متوفرة دائما، متجولا بين الاقسام التقليدية من مختبر الدم والانسجة، واقسام الاسنان والعيون والاشعة والامراض المستعصية، مطلعا على سير العمل في المباني المستحدثة للمتقاعدين ،عائلات الشهداء والمعوقين، دون ان يسقط من جولته لجان الامتحانات الطبية لكل من المتقدمين للتطوع بصفة تلميذ ضابط، وللرتباء والجنود من اناث وذكور، منهيا بتفقده مبنى المستشفى متجولا بين غرف المرضى، وسط استقبال وترحيب لافت من الاهالي والموجودين.

وبعد الجولة، اجتمع العماد عون برئيس الطبابة والطاقم الطبي، وأعرب لهم عن دعمه المطلق لهذا القطاع الحيوي في الجيش، وقال: «زيارتي اليوم هي تعبير عن الثقة المطلقة التي توليها القيادة للطبابة العسكرية. وانا أفتخر بكم وبإرادتكم وبالخدمات الطبية التي تقدمونها والتي نستفيد منها كلنا، سواء كنا في الخدمة الفعلية أم متقاعدين». واضاف: «شهد القطاع الطبي نقلة نوعية باعتراف الجميع، ويبدو أنه سيحقق مزيدا من التقدم في خلال عام من الآن. وبالنسبة لنا، الطبابة توازي بأهميتها أي وحدة خاصة في الجيش، فهي التي يبقى مرتبطا بها العسكري طيلة حياته حتى بعد تقاعده، لذا فإننا نسعى بكل قدراتنا المتوفرة إلى تحسين هذا القطاع وتطويره».

واعتبر العماد عون أن «تطوير هذا القطاع يحتاج إلى مسار طويل، لكن مشوار الألف الميل يبدأ بخطوة، والطبابة تمكنت حتى الآن من اجتياز خطوات كبيرة»، وقال: «نشعر مع المرضى الذين يتكبدون مشقة التنقل مسافات طويلة للوصول الى المستشفى العسكري، بسسب عدم قدرة المستوصفات على تلبية الحاجات الصحية، لذا نحن نسعى الى زيادة عدد المستوصفات في المناطق وتجهيزها وتطوير المستشفى العسكري الذي لم يعد يتسع للعدد المطلوب».

رحلة الالف ميل في الطبابة العسكرية بدأت «بفشخة بتوازي مية» على ما اكد قائد الجيش واعدا بانه بعد سنة سيكون قد تحقق الكثير، مؤكدا فخره بطبابة سيكون من اول مرضاها.وعد ستتردد اصداؤه في المؤسسة وسيحمله الـ 400 الف مستفيد من هذا الجهاز «الذي لا يقل اهمية عن القوات الخاصة في الجيش»، واثقين ان وعد القائد الحر دين، فكما كان على الوعد في كل المحطات سيكون كذلك اليوم وغدا، لينهض بجيش يليق بعسكرييه وعائلاتهم، من رحل ومن بقي.