خروج الرئيس المكلف سعد الحريري عن «طوره» امام الصحافيين في «بيت الوسط» امس الاول، وتعبيره عن «ضيق صدره» حيال تصرفات وزير الخارجية جبران باسيل، لم يكن مجرد «فشة خلق» عابرة، وانما حصيلة «درب طويل» من العلاقة الصعبة بين الرجلين، وهي علاقة لم تصبح «سهلة» بعد عودة رئيس تيار المستقبل من احتجازه في السعودية، بل باتت اكثر «صعوبة» مع شعور رئيس التيار الوطني الحر «بالمنية» لما فعله بتوجهيات من الرئيس ميشال عون «لفك اسره»، فيما يرغب الحريري بإقفال هذا الملف الى «غير رجعة» لكن مشكلته الاساسية انه غير قادر على البوح بحقيقة «تحرره» ومفادها، انه لولا حزب الله وموقفه الحاسم آنذاك، لكان رئيس الجمهورية ووزير الخارجية قد تبني موقفا مغايرا، وكان البديل لديهما حاضرا..

وبالعودة الى الحاضر، تلفت مصادر تيار المستقبل الى ان تهديد الرئيس الحريري بعدم العودة الى تشكيل الحكومة، اذا لم تمر التشكيلة الحكومية الراهنة، لا يعني انه يتجه الى الاعتذار عن التكليف، لكن «رسالته» الاعتراضية محصورة برفع «البطاقة» «الصفراء» في وجه باسيل، فالرئيس المكلف لا يرغب بادخال البلاد في ازمة سياسية لن يكون فيها احد رابحا، لكنه اراد افهام الطرف الاخر انه مستعد لرفع «البطاقة الحمراء» اذا لم يتم تفهم موقفه، والاستمرار في وضع «العراقيل» امام مساعيه لتشكيل الحكومة .

اما لماذا عبر الحريري عن استيائه من باسيل، فيتحدث زوار «بيت الوسط» عن مسار طويل من العلاقة الملتبسة بين الرجلين، فالرئيس المكلف تجاوز على «مضض» الكثير من «فاولات» باسيل الانتخابية، لكنه بدأ يشعر بالضيق من العلاقة الثنائية عندما حاول الاخير التدخل على نحو «فظ» بمسألة استقالة نادر الحريري من منصبه كمدير لمكتبه، وكممثل شخصي له في العلاقة مع وزير الخارجية، وقد وصل الامر في مرحلة معينة الى تلميح باسيل بإمكانية تأثر العلاقة الثنائية وحتى «التسوية « الرئاسية بهذا القرار، وهو ما دفع الحريري الى ابلاغه موقفا حازما حيال ضرورة ان يراعي خصوصية ما يربطه بابن عمته، وعدم خلط الامور، وتطلب الامر في وقت لاحق محادثة مستفيضة بين نادر وباسيل حيث ابلغه الاخير ان قراره «شخصي» ولا داعي ابدا لتدخله مع الرئيس الحريري في هذا الملف.

ووفقا لمصادر تيار المستقبل، فإن ما حصل مؤخرا في ملف تشكيل الحكومة دفع الحريري الى مغادرة مربع «الصمت» وانتقاد تصرفات وزير الخارجية الذي عمل على الاقل على احراجه ثلاث مرات متتالية قبل وبعد زيارته الى قصر بعبدا، ففي المرة الاولى ظل باسيل يتهرب من عقد اللقاء معه، واستمرت المماطلة الى حين تقرر عقد لقاء بين الحريري ورئيس الجمهورية لمناقشة صيغة حكومية اولية، عندها اختار وزير الخارجية تلبية دعوة الرئيس المكلف وتقصد ان يكون اللقاء قبيل الموعد في القصر الجمهوري، وذلك لاظهار ان طريق بعبدا تمر اولاً واخيرا في «ميرنا الشالوحي»، وهذا الامر لمسه الحريري خلال مناقشته المسوّدة الحكومية مع الرئيس عون، حيث كان «طيف» باسيل حاضرا في اللقاء..

وفي المرة الثانية، عندما خرج الرئيس الحريري من القصر الرئاسي «مرتاحا» الى المداولات مع الرئيس، واضعا بين يديه «صيغة» جديدة بمعايير محددة، فوجئ بصدور بيان رئاسي «يجهض» هذه المحاولة، بل اكثر من ذلك تم التصويب على صلاحيات الرئاسة الثالثة من خلال التذكير بمعايير وضعها رئيس البلاد، مع مطالبة رئيس الحكومة بالالتزام بها.. وعلم الحريري لا حقا ان الوزير باسيل هو من يقف وراء صدور البيان بهذه الصيغة، مع العلم انه لم يلحظ خلال اللقاء الثنائي «الايجابي» ان الرئيس عون معني بإحراجه علنا، على الرغم من التداول الثنائي بملاحظات الرئاسة الاولى التي اخذها الحريري بعين الاعتبار ووعد بمحاولة «تدوير الزوايا» اكثر، والعودة لاحقا بصيغة معدلة.

وفي اللقاء الاخير مع الرئيس عون، خرج الحريري بانطباع، شعر به للمرة الاولى، باستعداد رئيس الجمهورية للقبول بتسوية «العقدة المسيحية» وهي تتماشى مع الترتيبات المتقدمة التي عمل عليها مع «عين التينة» «والمختارة» لمعالجة «العقدة الدرزية»، وقد بنى تفاؤله واندفع لتحديد مهلة عشرة ايام لولادة الحكومة بناء على هذه المعطيات، حين ابلغه عون انه لا يمانع في منح القوات اللبنانية منصب نائب رئيس الحكومة ومعه ثلاث وزارات، كما المح الى أن مسألة توزير النائب طلال ارسلان لم تعد مطروحة، وبالامكان تجاوزها وفق صيغة معينة يتم الاتفاق عليها، فيما وعد الحريري بان لا تحول «العقدة» السنية دون تشكيل الحكومة اذا ما تم تفكيك العقد الاخرى، وهذا ما دفعه الى تعميم مناخات ايجابية، متجنبا في اطلالاته التلفزيونية، توجيه اي انتقادات للوزير باسيل، بل انبرى في بعض الاحيان للدفاع عنه، ظنا منه ان وزير الخارجية سيلاقيه في مؤتمره الصحافي في «منتصف الطريق»..

الا ان الصدمة كانت في مضمون كلام باسيل في اليوم التالي حيث لم يتوان عن توجيه انتقادات للرئيس المكلف، وعاد مجددا الى تجاوز صلاحياته من خلال تحديد «معايير» تشكيل الحكومة، «والانكى» من ذلك وضع «شروط» علنية لمعايير اعادة تكليف الحريري مرة جديدة، وكان الامر مستفزا للغاية، ما دفع الحريري الى الرد بالقول انه غير متمسك بإعادة تسميته،اذا لم ينجح بتشكيل الحكومة، واضعا العهد امام مسؤولية دخول البلاد في ازمة سياسية مفتوحة، بسبب ما يعتبره اصرارا من رئيس الجمهورية على عدم «عقلنة» تصرفات رئيس تكتل «لبنان القوي»، بحجة عدم رغبة الرئيس في «الضغط» على احد، وهو قالها مرارا لماذا تطلبون مني «الضغط» على باسيل؟ اذهبوا وناقشوا الامور معه؟

ووفقا لتلك الاوساط، يشعر الحريري ان ثمة من اراد توريطه بمهلة «العشرة ايام» لاحراجه داخليا وخارجيا، مع العلم انه سبق واتفق على هذا «الهامش» الزمني مع الرئيس عون في لقائهما الاخير، واتفقا على ان المناخات السائدة تسمح «بالولادة» بعد عودة الرئيس من رحلته الخارجية، واذا كان هناك من «والد» بيولوجي لهذه المهلة فهو الرئيس عون وليس رئيس الحكومة، لكن ما اكتشفه الحريري لاحقا انه استعجل في تحديد موعد محدد، واخبر زواره انه يشعر جديا بأنه وقع في «كمين» مدبر، لكنه لن يتراجع وسيعمل على وضع الجميع وخصوصا الرئاسة الاولى، ووزير الخارجية امام مسؤولياتهما، باعتبارهما مسؤولين عما حصل.

وفي السياق نفسه، تؤكد تلك الاوساط، ان ما حصل خلال الساعات القليلة الماضية على خط «فكفكة» العقدة الدرزية، زاد من قناعة الحريري بوجود نيات غير «صافية» لدى البعض، فخروج الكلام «القاسي» تجاهه من قبل النائب طلال ارسلان، وعودة الاخير الى الطرح معايير جديدة لحل ازمة التمثيل الدرزي، امر غير منطقي وليس مقبولا، فالوزير باسيل كان يفاوض طوال الفترة الماضية باسم ارسلان، والتفاهمات الاخيرة حول هذه «المعضلة»، وافق عليها وزير الخارجية مع الرئيس المكلف قبل اللقاء الاخير في بعبدا، وكان الرئيس عون حريصا على التدقيق في هذه المسألة التي اعتبرت انها بحكم المنتهية، لكن «التراشق» الكلامي المستجد يوحي بأن ثمة من يريد اعادة الامور الى «نقطة الصفر»، وهذا لم يعد امرا مقبولا، وهو يدخل في اطار «الابتزاز» المكشوف والذي لن يصل الى اي نتيجة.

وفي المقابل تنفي اوساط التيار الوطني الحر، الاتهامات الموجهة للوزير باسيل، وتشير الى انها لا تتفق مع دوره المسهل لتشكيل الحكومة حيث قدم تنازلات «فوجىء» بها الكثيرون من اعضاء تكتل «لبنان القوي»، ودعت تلك المصادر الى انتظار ما سيصدر عن وزير الخارجية من كلام مفصل في الساعات القليلة المقبلة خلال اطلالته التلفزيونية، لكنها تختصر المشهد بالقول، «ان الازمة تكمن في خطأ ارتكبه رئيس الحكومة المكلف الذي بات اسير مطالب مضخمة لبعض الاطراف السياسية، وللاسف ما يزال يتبناها، «والكرة في ملعبه»...

وفي الخلاصة، لا يبدو ان الحريري في صدد الاعتذار، وهو محكوم بالتمسك بالتسوية الرئاسية، لان خياراته محدودة، لكنه اراد من خلال «انتفاضته» وضع حد لاندفاعة وزير الخارجية لابلاغه انه «هيك مش ما شي الحال»..