اللقاء المرتقب بين الرئيس ميشال عون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والذي جرى تأجيله مرّات عدّة، ليصبح تاريخه الأخير في شباط من العام المقبل، قد يحصل قبل ذلك في أرمينيا خلال مشاركة الرئيسين في القمة الفرنكوفونية في دورتها السابعة عشرة والتي تُعقد يومي الخميس والجمعة في العاصمة يريفان. وإذ يعوّل الكثيرون على هذا اللقاء في عملية تسريع تشكيل الحكومة الجديدة، تقول أوساط ديبلوماسية لبنانية مطّلعة على العلاقات اللبنانية - الفرنسية، أنّ الرئيس ماكرون سيتمنّى على عون أن يحترم المسؤولون فيه مؤسساته الدستورية، وألا يُبقوا البلاد في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، لأنّ في ذلك رسالة سلبية للمجتمع الدولي الذي ينتظر الإصلاحات المطلوبة من لبنان. غير أنّ ماكرون ليس بإمكانه فرض أي شيء على أي طرف داخلي، وهو بالتالي لن يفعل لأنّه يحترم سيادة لبنان والمؤسسات فيه، ولهذا سيكتفي بالتنبيه لكي لا تذهب قروض «سيدر» ومساعداته المالية هباء.

كذلك فإنّ ماكرون يجد بأنّ التأخير في تشكيل الحكومة قد تكون له تداعيات سلبية ليس فقط على «سيدر» إنّما أيضاً على مسألة النهوض الإقتصادي المنشود الذي اجتمعت دول العالم في فرنسا لدعمه وتحسينه، ولهذا سيحثّ المسؤولين اللبنانيين على أخذ هذه الأمور في الإعتبار لصالح لبنان.

وتجد الأوساط نفسها بأنّ الموفد الفرنسي الذي يزور لبنان هذا الأربعاء سيحمل رسالة «تحذيرية» للمسؤولين اللبنانيين في السياق نفسه، تنصّ على عدم ارتياح فرنسا والمجتمع الدولي الى تأخّر تشكيل الحكومة لما لذلك من انعكاس سلبي على مؤتمر «سيدر» ومقرّراته. ولهذا من الضروري العمل على تطبيق المقرّرات في أسرع وقت ممكن سيما وأنّ «سيدر» قد عُقد منذ نحو 6 أشهر (في نيسان الماضي)، والبدء بالإصلاحات بعد الجهود التي بذلها المجتمع الدولي من أجل دعم لبنان، وهذا الأمر لا يمكن أن يحصل من دون حكومة جديدة دستورية كاملة الأوصاف. ولهذا على لبنان أن ينصرف سريعاً لتنفيذ المشاريع الواردة في «سيدر»، وإلاّ فإنّ المجتمع الدولي قد يحوّل الأموال المخصّصة له من قروض وهبات الى مكان آخر في حال تأخّر لوقت إضافي بعد.

وكان الرئيس ماكرون، بحسب المعلومات، قد أرجأ زيارة الدولة الى لبنان الى الخريف المقبل والتي كان قد وعد القيام بها مباشرة بعد عملية إجراء الإنتخابات النيابية الأخيرة أي في الربيع الفائت، وذلك تلبية للدعوة التي وجّهها اليه الرئيس عون لدى زيارة الدولة التي قام بها الى باريس في أيلول من العام الماضي. وعاد التأجيل ليستقرّ على 11 و12 شباط المقبل وستكون هذه الزيارة المرتقبة الأولى لماكرون الى لبنان منذ انتخابه رئيساً لفرنسا. والسبب الأساس لكلّ هذا التأجيل، الى جانب إنشغالات ماكرون بالتطوّرات الدولية وانسحاب الرئيس الأميركي من الإتفاق النووي- الغربي (مجموعة الخمس زائد واحد) وبقاء فرنسا وبريطانيا وألمانيا فيه، على ما أوضحت الاوساط، هو تفضيله أن تحصل الزيارة في ظلّ حكومة جديدة تكون قادرة على مواكبة مقرّرات مؤتمر «سيدر» الإقتصادي الذي عُقد في فرنسا، ووضعها موضع التنفيذ من دون أي عراقيل ناجمة عن الخلافات الداخلية.

وتُشكّل زيارة ماكرون الى بيروت في شباط المقبل، إشارة إيجابية للمجتمع الدولي بحسب الاوساط، الداعم للبنان كونها ستأتي، على ما يُفترض، بعد تشكيل الحكومة والبدء بعملها الإصلاحي على النحو المتوقّع منها. وهذا الأمر سيشدّد عليه ماكرون خلال لقائه عون في يريفان، لأنّه في حال استمرّ لبنان في ظلّ حكومة تصريف الأعمال الى ذلك الوقت، أي الى حين موعد زيارته الرسمية الى بيروت، فإنّ الوضع سيُصبح كارثياً. ولهذا يجب تلافي الوقوع في هذا الأمر منذ الآن، وبذل الجهود من أجل ولادة الحكومة العتيدة في أسرع وقت ممكن.

في المقابل، تقول الأوساط نفسها إنّه بعد الوصاية السورية على لبنان التي دامت لسنوات طويلة، يُمكن التأكيد اليوم على أنّه ليس من وصاية واحدة أخرى على لبنان تقوم بتسيير كلّ السياسيين لصالحها، إنّما ثمّة دول خارجية مثل الولايات المتحدة والسعودية من جهة، وروسيا وإيران من جهة ثانية، تؤثّر على هذا الفريق السياسي أو ذاك لرفع سقف المطالب. ولهذا نجد أنّ أي طرف في البلاد يُمكنه عرقلة تشكيل الحكومة في حال رفض الطرح أو الصيغة المقدّمة له، وذلك ليس لأنّه هو المحرّك الأساسي للحكومة، بل لأنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري يصرّ على تأليف «حكومة وفاق وطني» وليس حكومة بمن وافق، أي حكومة أكثرية، على ما نصحه البعض.

وخير دليل على عدم وجود طرف أقوى من سواه في لبنان هو عدم قدرته، أيّاً كان، على تسيير أمور البلاد بمفرده على حدّ قول الاوساط نفسها، من دون شراكة أو مشاركة الأطراف الأخرى. من هنا، فإنّ ما تسعى اليه الولايات المتحدة الأميركية والسعودية من عرقلة التشكيل بهدف إقصاء «حزب الله» من الحكومة الجديدة، لا يُمكن أن يحصل. فالحزب شريك في حكومة تصريف الأعمال الحالية، وفي حال كان التوجّه بتوسيع مهامها بدلاً من تأليف حكومة جديدة، فإنّ الحزب سيواصل عمله فيها كما لو كان في أي حكومة أخرى.

وبرأي الاوساط، إنّ عرقلة تشكيل الحكومة بهدف إقصاء «حزب الله» من المشاركة في الحكومة الجديدة، على ما تريد بعض دول الخارج، أو عدم دخول «القوّات اللبنانية» فيها، على ما تودّ دول خارجية أخرى، ستراوح مكانها لأشهر طويلة بعد، إذا ما بقيت الأطراف الداخلية متمسّكة بتنفيذ ما تسعى اليه هذه الدول. أمّا في حال استوعبت بأنّ الإنتخابات النيابية الأخيرة قد حدّدت الأحجام السياسية وفق القانون النسبي الذي جرى تطبيقه للمرة الأولى في لبنان، وسيجري تأليف الحكومة على أساس نتائج هذا القانون، أي وفق الأحجام الجديدة، فلا يُمكنها التشبّث أكثر بمواقفها لأنّ هذا الأمر لن يصبّ لا بمصلحة الداخل ولا الخارج، خصوصاً وأنّ عدم ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن ستكون له تداعيات وخيمة من قبل المجتمع الدولي على لبنان.