ايمن عبد الله

ارتفع لهب نار الطبخة الحكومية، وارتفع ضجيج التسوية المرتقبة وبات الجميع يحضرون لحصولها ما لم تحصل مفاجآت تقلب الطاولة مجددا. لم يقتنع المعطلون في الداخل اللبناني بضرورة تشكيل حكومة تنقذ اللبنانيين من شرّ ما ينتظرهم على كافة الصعد، بل تراجعت حدة التعطيل الخارجي بعد بروز «انوار أمل» في حل اكثر من ملف على صعيد المنطقة، أبرزهم الحكومة العراقية.

لا شك أن عروضات الساعة الاخيرة المقدّمة من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري للقوات وغيرهما لم تكن السبب خلف الحلحلة في ملف تشكيل الحكومة، فلا العروض كانت استثنائية ولا القبول بها كان عجيبا، اذ أن منطق الأمور يفرض التقسيم الاخير الذي وصلت إليه الأمور، التي ما زالت بحاجة الى بعض التعديلات الطفيفة كي تصبح مكتملة.

يمكن تحديد الوجهة الايجابية للملف الحكومي من خلال أكثر من إشارة، الاولى كانت بزيارة الحريري الأخيرة لبعبدا وما صدر عنه من حديث عن أيام قليلة تفصل الحكومة عن الولادة، خصوصا أن ذلك اللقاء حمل تنازل الرئيس ميشال عون عن حصة نيابة رئاسة الحكومة للقوات، الأمر الذي فتح الباب واسعا امام الحلول، بحسب مصادر سياسية مطلعة، مشيرة الى أن ما صدر عن الحريري لناحية المهل كان موجها لحلفائه للقول بأن الامور أصبحت متاحة لتشكيل الحكومة وبالتالي تعاملوا مع الموقف الجديد كما ينبغي.

وتضيف المصادر: «الإشارة الثانية كانت من خلال المؤتمر الصحافي لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي رفع سقف مطالبه للحد الأقصى وهو 11 وزيرا الى جانب رئيس الجمهورية، في محاولة أخيرة منه لنيل الثلث المعطل رغم معارضة أغلب الافرقاء، خصوم وحلفاء، لهذا المطلب، لانه من غير المنطقي أن يحصل طرف واحد على جهاز التحكم بالحكومة، مشددة على أن الفهم الصحيح لكلام باسيل يومها يؤدي لالتقاط الإشارة الثانية لقرب تشكيل الحكومة لا العكس كما حاول البعض تصوريه.

تلفت المصادر النظر الى أن الإشارة الثالثة جاءت من تغريدة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي تحدث عن ضرورة التنازل والقبول بالتسويات لما فيه مصلحة البلد، مشيرة الى أن حديث جنبلاط يعني أن المطلوب اليوم الدخول في تسوية والامتناع عن لعب دور التعطيل، ولعل أبرز تجليات موقف جنبلاط كان الاتفاق شبه الرسمي مع التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية على تبادل وزاري بين جنبلاط وعون يقضي بحصول الاول على وزير مسيحي وحصول الثاني على وزير درزي على ان لا يكون رئيس الحزب الديمقراطي طلال أرسلان، الذي بدوره اعطى الإشارة الرابعة لاقتراب الحل، عندما قال أنه لا يمانع تقديم خمسة أسماء درزية للوزارة على أن يختار الرئيس عون أحدها، ما يعني تنازل مباشر وصريح عن التمثيل الشخصي له.

في هذا السياق تثني مصادر اشتراكية على التنازلات التي بدأت تلوح في أفق التشكيل، مشددة على اهمية الإسراع في تشكيل الحكومة لمواجهة التدهور الاقتصادي والاجتماعي، والأزمات التي بدأت تعصف بالشعب اللبناني. وتضيف المصادر: «نحن في الحزب التقدمي الاشتراكي كنا واضحين منذ البداية بأننا لا يمكن أن نلاقي التنازل الا بالتنازل وكنا نرفض أن نتنازل وحدنا بينما يصعّد الجميع مواقفهم»، مشيرة الى أن تنازل جنبلاط لم يأت الا من بعد تنازلات متبادلة قّدمت من قبل الجميع وبالتالي لا يظنن أحد أن في الأمر «ربح وخسارة» او انكسار لطرف مقابل طرف.

وتكشف المصادر الاشتراكية «أن موقفنا المرن ينطلق من مرونة الجميع، لذلك فإننا لا نزال في مرحلة التشكيل وعليه فإن أي تصعيد او نكث بالعهود من أحد سيؤدي الى ضرب التنازلات كلها وعودة الامور الى مربعها الاول».

اما الإشارة الخامسة تقول المصادر السياسية، فتظهر من خلال «التصعيد السياسي الحاصل بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، اذ يحاول كلّ منهما الحصول على أكبر نسبة من الانجازات لتسويقها جماهيريا. وهنا تقول المصادر: «من يتابع بدقة ما يصدر عن الطرفين يدرك بأن العد العكسي لتشكيل الحكومة قد انطلق وأن مرحلة تركيب الأسماء على الوزارات أصبحت قريبة جدا».

تبقى الإشارة السادسة، وهي إشارة خارجية أرسلتها فرنسا الى اللبنانيين مفادها أن عدم تشكيل الحكومة سيعرض مقررات مؤتمر «سيدر» للخطر، وكأن فرنسا تدرك اهمية المؤتمر لدى المسؤولين اللبنانيين، وانهم بظل اختلافاتهم السياسية سيحاربون لعدم خسارة نتائج المؤتمر، وعليه فإن فرنسا استعملت سلاحا قويا لحث اللبنانيين على تشكيل الحكومة.

يتعلّم المتابع للشأن السياسي اللبناني أن «تفاؤله لا بد أن يبقى حذرا» لأن لبنان بحسب المصادر السياسية ضعيفا امام الرياح الخارجية، فكما تساهم «هبة» ببث الايجابيات الحكومية، قد تأتي «هبّة» اخرى تطيح بكل ما تحقق حتى اللحظة، مشيرة الى ان كل هذه الإشارات جاءت لتلتقي مع رغبة حزب الله بتشكيل الحكومة قبل الشهر المقبل، موعد تشديد العقوبات الأميركية على إيران، فهل تصدق التوقعات بتشكيل الحكومة قبل نهاية الشهر الجاري؟