يوحي تراكم المؤشّرات السياسية إلى وجود سيناريو جاهز في الكواليس للتعجيل في تأليف الحكومة، بصرف النظر عن كل ما يتردّد من مقاربات سلبية تستند إلى عمق الخلاف بين القوى السياسية المعنية بهذا الإستحقاق. ويتحدّث نائب سابق عن سباق مع الوقت تقوم به الكتل النيابية والأحزاب والتيارات من أجل تثبيت حضورها، وحجز مواقع لها في المشهد الحكومي الذي يتشكّل حالياً، وذلك، بعدما بات لهذه الكتل وزن في التأليف، الذي لم يعد يقتصر فقط على المعنيين الأساسيين بعملية التأليف، وفق «اتفاق الطائف»، وهما رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف. وفي هذا السياق، فإن كل فريق يطمح إلى تمثيل وزاري وازن، أصبح قادراً على لعب دور بارز في عملية التوافق التي كانت تقتصر قبل اتفاق الدوحة على رئيسي الجمهورية والحكومة فقط، وذلك، على الرغم من كل النصوص الدستورية، كما كشف النائب السابق نفسه، والذي تحدّث عن شركاء جدد في عملية التأليف، انطلاقاً من الأمر الواقع السياسي الذي بات يتحكّم بالمعادلة السياسية التي تضطلع بالسلطة التنفيذية في الدرجة الأولى، وانطلاقاً من أولوية التوافق ما بين كل المكوّنات السياسية الدخلية في كل المحطات والإستحقاقات الدستورية في الدرجة الثانية.

وإزاء هذه المعادلة، فإن الصلاحيات التي منحها الدستور لكل من رئيس الجمهورية وللرئيس المكلّف، تتعرض للتجاوزات من قبل أفرقاء سياسيين معنيين بالمشاركة في الحكومة المقبلة، وهو على قناعة ثابتة بأن بعض الحقائب الوزارية قد باتت حقاً مكتسباً لهم في أي حكومة يتم تشكيلها. وبالتالي، وجد النائب السابق نفسه، أن سقوط كل مفاعيل اتفاق «الدوحة» خلال السنوات الماضية، لم يشمل معادلة موازين القوى السياسية، والتي باتت اليوم تتمثّل بالكتل النيابية لجهة حجمها وتمثيلها، وذلك، بدلالة اعتماد معيار التمثيل الوزاري، انطلاقاً من التمثيل النيابي، إضافة إلى الحديث عن عقد مسيحية ودرزية وسنّية، في ضوء التوافق ما بين القيادات الشيعية على المستوى الحكومي.

وقال النائب السابق نفسه، أن كل الأطراف تتوافق على ضرورة الإحتكام للنصوص الدستورية في عملية تأليف الحكومة، ولكنها في الوقت نفسه، تتمسّك بأعراف تكرّست عبر الأداء السياسي خلال المحطات الدستورية السابقة، ومن بينها على سبيل المثال، حصة رئيس الجمهورية في الحكومة، ومسألة «الفيتو» على تسلّم قوى سياسية معيّنة حقائب محدّدة، وذلك، وصولاً إلى وضع الشروط أمام الرئيس المكلّف قبل الموافقة على الحصة الوزارية التي قد يتّفق الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري على إعطائها لكل كتلة نيابية.

وعليه، فإن كل ما سُجّل في الأشهر الماضية على صعيد «حرب الصلاحيات»، لا يعكس الواقع الفعلي لعملية تأليف الحكومة، إذ أكد النائب السابق، أن الرئيس عون يستخدم صلاحياته كاملة بالحدّ المسموح به، وهو لم يمسّ بصلاحيات الرئيس المكلّف، والتي يحرص على احترامها. ولذا، فإن الحديث عن توافق وتوازنات، لا يُقصد به التوافق بين الرئيسين عون والحريري، بل التوافق بين الكتل النيابية، وهو الهدف الذي يسعى المعنيون إلى التوصّل إليه في الفترة الراهنة، وذلك، وسط مناخ خارجي ضاغط، للإسراع في إنجاز الحكومة العتيدة في أقرب فرصة ممكنة.