جاين اسحق

وقع إشكال امس بين مناصري التيار الوطني الحر ومناصري حزب القوات اللبنانية في الجامعة اليسوعية، وانتشر على مواقع التواصل الإجتماعي فيديو يبيّن شبابا يتعاركون في ما بينهم، وبعد مشاهدة هذا الفيديو لم استطع من كبت قلمي في التعبير عما رأته عيناي وشعر به قلبي وعقلي، فللحظة رأيت مستقبل لبنان «الماضي»، حرب وصراع وشهداء فسجن ونفي وانقسام ثم مصالحة ثم فساد ثم خلاف وحرب وصراع.. وهكذا دواليك الى دهر الداهرين. فكتبت:

أسفي على جيلٍ ربى أولاده على الحقد والكراهية، جيل لم يتعلّم من نتائج الحرب، لم تمس مشاعره دماء الشباب المسيحيين تحت التراب، زرع شوكة في ابنائه بدلا من القمحة ظنا منه أنه محق في قضيته وعن أي قضية نتحدث؟ قضية قتل الأخ لأخيه أم القضية التي هجّرت آلاف العائلات المسيحية ودمّرت لبنان وأفقدت رئيس الجمهورية الماروني صلاحياته؟

وأسفي الأكبر على جيل بنينا آمالا عليه، آمالا بنقلنا من صراع الماضي الى مستقبل الإزدهار، أسفي على جيلٍ لم يحارب الحقد والكراهية بل مكّنهما أكثر في قلبه، إعتقدت للحظات بأن جيل اليوم تعلّم من أخطاء الأمس، مثقّف، يجيد التمييز بين الصح والخطأ، منفتح على البلدان الأخرى يعلم كيفية بناء وطن كما يدري بقوة صوته ويطمح بإسقاط طبقة الحرب السياسية ليبني دولةً حرة سيدة مستقلة خالية من الفساد والمحسوبيات، لكنني مخطئة كنت!

نسمع يوميا «نق» الشباب: «كيف سأتزوج ولا أملك المال؟ كيف سأشتري منزلا والإسكان متوقف؟ كيف سأتوظف و«الدنيي وسايط»، كيف سأكون مرتاح البال ولا ضمان لأهلي ولي في «كبرتي»، كيف سأربي أولادي وأرسلهم الى المدرسة والاقساط بلغت الملايين؟ كيف وكيف وكيف... ثم يجلس في المقاهي يضع رجلا فوق رجل، يمسك بـ «نبريش الأرغيلة» ويفاصح بالسياسة ويخرج من شفاهه كل ما زرعه أهله بداخله أو سمعه من مناصري فريقه، يدافع ويجادل ويختلف مع صديقه...

ثم يذهب الى الجامعة وينشب خلاف على خلفية انتخابات الهيئة الطالبية فيلكم أخيه ويضرب «عدوّه» من أجل من جرَّ «لبناننا» الى الهاوية!

لكن ما يؤسفني أكثر ويفاجئني هو تحوّل الشاب اللبناني بعدما «تدعس» رجله خارج الأراضي اللبنانية! فهنا يتفاصح بحمله السلاح وسيارته «الفومي» وبضربه مواطنا آخر أما في الخارج فنراه «قديساً» يمشي على القانون، هنا لا يضع حزام الأمان «لشو»، أما في الخارج فيضعه حتى قبل إدارة السيارة، حتى أنه لا يشرب الكحول ويقود، لا يسرع، يلتزم بالقوانين، لا يتخطى الإشارة، يدفع فواتيره قبل انتهاء المهلة المطلوبة! وأكثر ما يصدمني هو نسيانه للسياسة اللبنانية في الخارج وتركيزه على العمل والجامعة والانتاجية، لكن عندم يعود ويتنشق هواء بيروت النظيف «يتحوّل» ويصبح جاهزا للقتال على المتراس من أجل زعيمه! أو لربما المشكلة في المياه وليس الهواء!؟

«على كلٍ»، لبنان ليس على شفير الهاوية، لبنان انهار فلم يعد يستطيع أن يتحمل ساكنيه الموارنة، فهو أراد الانهيار كي يرحّل عنه حاقدي النفوس المدعين محبّته، لم يعد يستطيع تحمّل أبنائه الضالين، مشتاق هو لرجال التاريخ الكبار، لرجال الإستقلال الذين لطالما وقفوا وقفة رجال وجمعهم لبنان ولم يتهافتوا وراء المصالح الشخصية والمناصب والمقاعد والزعامة «الوهمية».

وانهار لبنان باحثا عنهم، عن رجال التاريخ، لكن لم يجد حتى «رجلا» مارونيا واحدا!