لم تستطع السياسة والسياسيون والاحزاب في لبنان، أن يجمعوا اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب، على رأي أو هدف، بل كانوا جميعا السبب في تفريقهم وتشتيتهم وحتى ضمن الطائفة الواحدة، واعتمدوا احيانا سياسة «فرق تسد» كي يحصلوا على غاياتهم الحزبية والسياسية والشخصية


بوسطة عين الرمانة، كانت بداية الحرب الاهلية اللبنانية التي استمرت حوالى ثمانية عشر عاما، ووضعت السواتر وأغلقت المعابر بين المناطق اللبنانية وانقسم اللبنانيون فيما بينهم وابتعدوا عن بعضهم البعض


أما اليوم، اصبحت أهم وسيلة نقل للكثير من اللبنانيين الذين لا يملكون وسيلة نقل خاصة، هي «فان» للركاب وللمسافات الطويلة «بوسطة»، خاصة أنها أرخص من اي وسيلة نقل اخرى، ولكن المفارقة أن هذه البوسطة تنقل على متنها المواطنين، كل المواطنين بلا تفرقة ومن كل المناطق اللبنانية ومن كل المذاهب والطوائف، بل تجمع بين طياتها هموم الكثير من الناس الذين إذا نظرت الى أغلبهم، رأيتهم شاردوا الذهن، يفكرون ويفكرون وكلٍّ يحمل همهم معه وينتظر ربما من يتشاركه همومه.


 دردشات ودموع

سائق البوسطة كان يقود بصمت ويدخن كثيرا، وعندما سأله أحدهم «ما بالك صامت وتدخن كثيرا»، أجاب على الفور، إني أقود هذه البوسطة يوميا وأنقل الناس وأستمع الى هموم ومشاكل الكثير، ولكن «يا خيي، كل واحد همه على قده، اللّي بطلعو بالشهر ما بكفّي أكل وشرب وهلّق صار وقت المدارس والكتب وكل شي غالي، الله يعين العالم كيف بدنا نعيش بهالبد ما حدا عم يسأل عنا».


شاب يجلس في المقعد الخلفي للسائق، شارد الذهن وفي يده مغلّف، سأله رجل في العقد الخامس من عمره يجلس الى جانبه، وبحشرية «ما بالك، أنت شاب صغير أراك شارد الذهن كأنك تحمل هموم الدنيا، بعد بكير عليك للهم والغم»، أجاب: «لقد تخرّجت من الجامعة منذ سنة ونصف وأنا بلا شغل وما خلّيت شركة إلا وقدّمت عليها وما في نتيجة مع إني مستعد اشتغل بأي راتب، المهم إني بلّش شغل، لكني الآن أفكر جديا أن أعمل في أي وظيفة وأنسى شهادتي ودراستي الجامعية، المهم إشتغل».


يسأله الرجل، «أنت من أي منطقة»، يجيب «أنا من كسروان»، سأله: «ما عندك واسطة مع حدا من السياسيين او الأحزاب بالمنطقة عندكم». أجاب باستهزاء، «ما حدا بيسأل عنك إلا وقت الانتخابات او إذا عايزين منك شي، وبالنهاية كلن كذابين».


أما في مقعد آخر، وفي الجهة المقابلة، تجلس امرأتان في العقد الرابع من العمر تقريبا، إحداهن تضع الحجاب على رأسها، والأخرى تلبس بلوزة حمراء بلا أكمام وبنطال «جينز»، ومن لهجتهما تعرف أن كل واحدة من منطقة، تشكي المحجبة همّها الى جارتها في المقعد، والحزن والدموع في عينيها، وتقول: ما تعملي بحالك هيك الله بيفرجها، كلنا عايشين أوضاع صعبة وغلا، وكلنا عنا مشاكل ببيوتنا ما في بيت بلا مشاكل أنا عندي 3 شباب بالبيت قاعدين بلا شغل وأنا بشتغل وبصرف عليهم وعلى البيت، كل يوم بطلع من بيتي الساعة 6 الصبح وبرجع الساعة 4 بعد الضهر، اولادي ما خلو حدا ما دقوا بابوا من كل الاحزاب والسياسيين وكلن وعدوهم وكذّبوا عليهم وهلق عمبفكروا بالهجرة، أنا كنت بالأول معارضة بس هلق أنا قلتلن سافروا حرام يضلوا هون مستقبلهم رح يضيع، اولاد المسؤولين عايشين ومرتاحين، وولادنا بيتعلموا وبيقعدوا بلا شغل». تتكلم والدموع انهمرت من عينيها وتخفف عنها الجالسة بقربها وتقول لها: الله «يفرجها عليكي وعلينا والله يصطفل فيهن كلن خربوا بيوتنا».


في المقلب الآخر، يجلس رجل سبعيني وزوجته، يتكآن على بعضهما البعض، يقول الرجل، «شو بعمل أنا ومرتي اللي ولادنا كل واحد الله يعينو عنده عيله ومش قادر حدا يصرف علينا، اذا ما اشتغلت ما مناكل أنا ومرتي»، سأله شاب يجلس خلفهم، «من أي منطقة أنت يا عم، أجاب انا أسكن في الضاحية الجنوبية، كنا في زيارة لابنتي المريضة المتزوجة وتسكن مع زوجها وأولادها في الشمال، ولكن اذا ما فتحت «البسطة» (بسطة الخضار)، منين بدنا نعيش ونتحكّم أنا ومرتي، وبدنا ادوية كل شهر ب400 الف ليرة بس، وين الاكل والشرب والكهرباء وغيره».


يرد أحد الجالسين في المقعد الخلفي، وفي يده أوراق عديدة، أنا شاب عمري 26 سنة، أنزل كل يوم من الجنوب الى بيروت، بالفان وأدفع مصاريف نقل شهرية، والدي مريض وليس له معيل غيري، فأنا شاب وحيد على ثلاث بنات متزوجات، والمعاش ما بكفي حق ادوية، فكرت سافر وفل من البلد، لعلي أعمل بشهادتي الجامعية التي درستها وهي الهندسة، بس فكّرت من سيعيل والدي ويهتم به، سأله أحدهم، ماذا تشتغل اليوم، أجاب: «أعمل بائعاً متجولاً في احدى الشركات في بيروت وأنتقل من منطقة الى أخرى».


هؤلاء عينة من مجتمعنا اللبناني من كل المناطق، فرقتهم السياسة والسياسيين والاحزاب، وجمعتهم المشاكل الحياتية واليومية، وهناك العديد والعديد من الهموم والمشاكل الاجتماعية اجتمعوا في هذه «البوسطة» التي جمعت المواطنين من كل الطوائف والمذاهب، وجمعتهم الظروف المعيشية والاجتماعية، فاتورة الكهرباء واشتراك المولدات الكهربائية، فاتورة الطبابة والوقوف على أبواب المستشفيات، الأقساط المدرسية وأسعار الكتب، التلوث البيئي والنفايات المتراكمة والأوبئة التي لا تفرق بين طائفة وأخرى، بين منطقة وأخرى.


خليل جابر