لا خبر عن الحكومة العتيدة، وكل المواعيد المطروحة في التداول «للولادة» لا تعدو كونها تكهنات غير مستندة الى وقائع، ولعل ما عبر عنه الرئيس نبيه بري امام زواره بان الامور «مقفلة» اصدق تعبير عن المراوحة القاتلة التي خرقها خلال الساعات القليلة الماضية «غزل» مستجد من بعبدا نحو «بيت الوسط» في محاولة حثيثة من قبل الرئاسة الاولى لاعادة «الحياة» للتسوية الرئاسية والبناء على مواقف الرئيس المكلف سعد الحريري في لاهاي، وما تزال بعبدا تراهن على التفاهم مع الرئيس المكلف قريبا على «مخرج» للعقدة المسيحية بعيدا عن استرضاء القوات اللبنانية...

هذه المقاربة الرئاسية لاحتمال حصول خرق جدي في موقف الحريري، تقابلها معلومات عن ابعاد تتجاوز الموقف السعودي المعارض «لتهميش» «القوات»، وتؤكد وجود مقاربة اميركية تشكل جزءا اساسيا ومؤثرا في تأخير تشكيل الحكومة حيث لا تجد واشنطن ضرورة في الاستعجال لتقديم «الورقة» اللبنانية مجانا فيما لا يزال «الكباش» على اشده في العراق وسوريا مع ايران، والسؤال المركزي المطروح في دوائر القرار في واشنطن، والذي تبلغ الحلفاء في بيروت، مفاده «ما الذي يجبرنا الان على اراحة الحليف الاقوى لطهران في المنطقة في ساحته الداخلية»؟


ما هي الرهانات الاميركية ؟

وفقا لاوساط وزارية بارزة، لا تزال الرهانات الاميركية على حالها لجهة امكان تحقيق خروق كبيرة في الجبهات الممتدة من اليمن مرورا بالعراق وصولا الى سوريا، وضمنا اغراق طهران بعقوبات قاسية في الخريف، وفي هذا السياق تعول الادارة الاميركية على «تسوية» يعمل عليها مع انقرة لاعادة الحرارة الى العلاقة الثنائية ما يعني حكما العودة الى تنسيق الخطوات العملانية في سوريا، في ظل معلومات تروج لها هذه الدوائر عن نجاح تركيا في «كبح جماح» الهجوم السوري على ادلب، وعن ابلاغ الروس رسميا الجانب السوري بان العملية «ارجأت» الى أجل غير مسمى»...

والرهان على «اقتسام» النفوذ مع ايران بات الهدف الاميركي المنشود بعد الاقرار بفشل الانقلاب الذي قاده رئيس الحكومة حيدر العبادي، وثمة تعويل على انتصارات يمكن تحقيقها ميدانيا في اليمن، كما ان مساعي تشكيل تحالف أمني وسياسي جديد مع دول الخليج العربية ومصر والأردن بهدف التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة أو ما يعرف بـ«الناتو العربي»، بدأ يأخذ طريقه الى التنفيذ وتقرر مبدئيا أن يعقد اول اجتماع في واشنطن في 12 و13 تشرين الأول، وقد وضعت هذه الفكرة على نار حامية، من خلال المحادثات العسكرية الاميركية - الخليجية التي حضرها القيادة المركزية الأميركية، جوزيف فوتيل، امس الاول حيث شارك في اجتماع رؤساء أركان دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن في الكويت حيث دعا هذه الدول، لوضع خلافاتها جانبا وتوحيد الصف لمواجهة التهديدات النابعة عن سياسات إيران في الشرق الأوسط...


التحذير من خطرين...

وفي هذا السياق، تحذر تلك الاوساط من خطرين اساسيين تريد ادارة ترامب العمل عليهما في المرحلة المقبلة، اولا فرض توطين الفلسطينيين، وثانيا ملف العلاقة السياسة والحدودية مع سوريا... ففي الملف الاول تحاول ادارة ترامب الاستفادة من ابقاء الوضع السياسي «الهش» للضغط اقتصاديا وسياسيا على لبنان للقبول «بصفقة القرن»...

وفي الملف الثاني بينما «يتخبط» المسؤولون اللبنانيون في ملف العلاقة مع دمشق، وفيما بدأ الاردن اتصالات رسمية مع الدولة السورية لفتح معبر نصيب، عادت الحدود الشرقية الى الواجهة من جديد مع عودة اهتمام السفارة الاميركية بالحصول على معلومات حيال مساحة «الضبط» الفعلية للجيش اللبناني، ومساحة الخروق التي يمارس من خلالها حزب الله «تدخله» في الحرب السورية، وثمة حديث في الاروقة الدبلوماسية عن مسعى اميركي لتحريك هذا الملف تحت عنوان «تقديم الدعم للجيش اللبناني» وفي المقابل «ارباك» حزب الله من خلال فتح النقاش مع الدولة اللبنانية لضبط الحدود بالكامل، وقد بدأت واشنطن اتصالاتها بهذا الشان مع بريطانيا والمانيا وفرنسا التي سبق وقدمت تجهيزات لوجستية عند النقاط الحدودية الشرعية... وفي هذا السياق تكشف اوساط ديبلوماسية غربية عن زيارة مرتقبة لمسؤول عسكري اميركي كبير قبل نهاية الشهر الجاري، وتنتظر الدوائر اللبنانية ما سيحمله معه من مطالب اميركية بهذا الشأن خصوصا ان المعلومات الواردة من واشنطن تشير الى انه يحمل معه ملفاً خاصاً بكيفية تطوير مراقبة الحدود الشرقية وضبطها بالكامل...

وقد استبق الوزير البارز هذه الزيارة بالتاكيد على ان ما سيسمعه هذا المسؤول سيكون حاسما لجهة عدم القبول بتغيير «قواعد اللعبة» الداخلية السائدة اليوم لان اي مقاربة مغايرة ستكون مشروع تفجير داخلي غير قابل «للصرف»، اما الاستفادة التقنية لضبط المعابر غير الشرعية وتعزيز الامن على النقاط الحدودية بين البلدين فهو امر مرحب به وسيجد كل التعاون الداخلي.



اسباب «غزل» بعبدا بالحريري ؟

وامام هذه الاستحقاقات الخارجية الداهمة، لم تتحرك «مياه» الحكومة «الراكدة» وظلت المراوحة هي سيدة الموقف خلال الساعات القليلة الماضية في ظل غياب اي جهد جدي لتذليل العقبات في ظل «كباش» سياسي متصاعد بين «معراب» «وميرنا الشالوحي» وحرب مفتوحة بين التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي دفع ثمنها موظفون في ادارات الدولة، ومن المفارقات في هذه المواجهة مع «المختارة» ان التيار «البرتقالي» حيّد رئيس الحكومة المكلف وتجاهل دوره الرئيسي بالطلب من الوزير مروان حمادة تغيير رئيسة دائرة الامتحانات هيلدا خوري، وتعيين امل شعبان مكانها... وفي هذا الاطار تشير اوساط سياسية مطلعة بان رئيس الجمهورية طلب من معاونيه تفعيل حركة الاتصالات السياسية على خط «بيت الوسط»، وجرى اتصال بين مستشاره النائب الياس ابو صعب ووزير الثقافة غطاس خوري جرى التاكيد خلاله على ثقة الرئيس عون بنوايا الرئيس المكلف نافيا كل الاجواء الاعلامية التي تحدثت بمواقف «متشنجة» اتجاهه، كما تم ابلاغ خوري اشادة الرئاسة الاولى بموقف الحريري من المحكمة الدولية في لاهاي، وتم الاتفاق على تكثيف حركة المشاورات لتجاوز العقبات الحكومية التي يستغلها البعض «لدق اسفين» في العلاقة بين الرئاستين الاولى والثالثة.



ما هي رهانات الرئيس؟

ووفقا لاوساط بعبدا، لا يزال رئيس الجمهورية مقتنعاً بضرورة الحفاظ على التسوية الرئاسية وهو يراهن على قدرة الرئيس الحريري على تجاوز ما تبقى من عقد حكومية يمكن تذليلها اذا ما تحرر من «عقدة» استرضاء البعض، وما تقوم به الرئاسة الاولى في هذا السياق محاولة لاقناع رئيس الحكومة بان التفاهم معه سيستمر كما كان في الحكومة الماضية ولا داع للبحث عن تحالفات اخرى خارج هذا السياق، وهنا مكمن الخلل الذي يؤخر «الولادة» العتيدة، وستكون الايام المقبلة مهمة للغاية لانها ستشهد خطوات من الفريق السياسي المحسوب على الرئيس لاستعادة الثقة مع الرئيس الحريري، وبعدها يمكن استكشاف حقيقة وخلفيات «التعثر» الحكومي، فاذا لم يستجب «بيت الوسط» لكل الضمانات التي سيعاد التاكيد عليها، عندها يمكن الجزم بان العامل الخارجي له الدور الاكبر في ازمة التشكيل، وعندها سيبنى على الشيء مقتضاه وسيكون متاحا للرئيس توجيه رسالة الى المجلس النيابي الذي يستعد لعقد جلسة تشريعية.


بماذا يطالب «بيت الوسط»؟

في المقابل، تبدي اوساط «بيت الوسط» ترحيبا باي تعزيز للعلاقة مع الرئاسة الاولى، وتشير الى ان الرئيس الحريري متمسك بالتسوية الرئاسية وهو منفتح على مناقشة ملاحظات رئيس الحكومة، لكنه تمنى على الرئيس عون المساهمة في تبريد الاجواء المحتدمة مع «القوات» و«الاشتراكي» لان هذا المناخ المتشنج لا يساعد في خلق ظروف مناسبة لاتخاذ قرارات حاسمة على الصعيد الحكومي... ووفقا لتلك الاوساط تبلغ رئيس الحكومة عدم موافقة الرئيس عون على المناقلات الكيدية في وزارات الدولة مؤكدا العمل على وقفها...!

وفي هذا الاطار، لم تهدأ الامور على جبهة «الاشتراكي» «التيار» وشن النائب وائل ابو فاعور هجوما حادا على رئيس الجمهورية، فيما عيّن وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال مروان حمادة بالتكليف جورج سالم سليمان رئيس دائرة التعليم الثانوي في مصلحة التعليم الخاص في المديرية العامة للتربية، مكان أمل شعبان التي حلّت مكان هيلدا خوري في رئاسة دائرة الإمتحانات...


«القوات» مطمئنة

في غضون ذلك لا تزال القوات اللبنانية مطمئنة الى «نوايا» الرئيس المكلف وتعتقد انه لن يخذلها، واي رهان على غير ذلك تراه في غير مكانه، ووفقا لاوساط مقربة من «معراب» تبقى السعودية لاعبا رئيسا مؤثرا في قرار الرئيس المكلف وهي تشدد على موقع وازن «للقوات» في الحكومة، والتنسيق لا يزال عالي المستوى بين «الحليفين» ويوجد قناعة عند الحريري بمطالب «القوات» المحقة، ولذلك فهو لن يتراجع...


كتلة الوفاء تنتقد وزارة الطاقة؟!

وفي موقف لافت، خرجت كتلة الوفاء للمقاومة عن «صمتها» ووجهت انتقادات علنية لوزير الطاقة سيزار ابي خليل وحملته مع مؤسسة كهرباء لبنان مسؤولية سوء التوزيع بالتغذية الكهربائية، وقالت في بيانها الاسبوعي: تجد الكتلة نفسها مضطرة الى إعادة تذكير وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان بأن التقنين غير المتوازن بين المناطق اللبنانية يهدد بانفجار بعض الأوضاع الشعبية التي لا تستطيع تحمل أعباء كلفة إضافية ولا تستطيع الاستغناء عن حقها في تأمين الكهرباء لمنازلها ولمصالحها... ان مناطق صور والنبطية وبنت جبيل وبعلبك الهرمل والضاحية تطلق مجددا صرختها كي تبادر الوزارة والمؤسسة لتلافي المحذور، وترجمة الوعود السابقة التي التزمتها... ووفقا لاوساط مطلعة، ياتي هذا الموقف بعد تجاهل وزارة الطاقة لمراجعات نواب الكتلة، وعدم الاستجابة لمطلباتهم شبه اليومية، ولهذا اتخذ القرار على اعلى المستويات في حزب الله لتوجيه «رسالة» تحذير علنية سيكون هناك ما بعدها اذا لم يتم التعامل بجدية مع «الظلم» المتمادي «كهربائيا» على تلك المناطق...


المحكمة الدولية

في غضون ذلك واصلت المحكمة الخاصة بلبنان لليوم الثالث على التوالي، جلسات المرافعات الختامية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالاستماع الى الادعاء العام الذي لم ينجح في تقديم اي دليل يعتد به وظلت شبكات الاتصالات وأرقام هواتف،هي ملعبه الرئيسي من دون أن يقدم أي دليل جديد وكل الاتهامات تم تسويقها في الماضي لدعم الاتهام الموجه لعدد من كوادر وعناصر حزب الله، وظل الادعاء اسير مناخ سياسي موجه بينما جرى إهمال كل الفرضيات الاخرى المرتبطة بقضية شهود الزور المثبتة، ووجود مصلحة لقوى مناوئة لحزب الله بتضليل التحقيق عبر خرق شبكة الاتصالات اللبنانية التي تم اثباتها بالادلة، وذلك للتغطية على المجرم الحقيقي، كما تجاهل الادعاء الرابط السياسي بين جريمة الاغتيال وتطبيق القرار 1559الذي بدأ تنفيذه عقب جريمة الاغتيال؟

وفي جلسة الامس، زعم الادعاء ان مصطفى بدر الدين وجه كل عملية الاغتيال وهو المتآمر الأول، لافتا الى أن سليم عياش قاد وحدة الاغتيال وكان معه 4 أشخاص راقبوا الحريري كظله، وقال الادعاء: «يوم الاغتيال تحركوا في جنوب بيروت وقرب البرلمان حيث كان عياش وفي مكان التفجير. وقد كان عياش في مكان يعتقد أنه شاهد منه الشاحنة تقف في مكان الهجوم وأبلغ بدر الدين بذلك. وبحسب الادعاء فان «مجموعة المراقبة لاحقت الحريري من قريطم إلى حارة حريك حيث التقى السيد نصرالله في 21 كانون الأول 2004 وسجلت داتا الاتصالات تشغيل هواتف مجموعة المراقبة في محيط مكان الاجتماع، كما أن حسين خليل الذي كان في الاجتماع شغل أيضا مواقع خلوية... وخلص الادعاء الى القول: «يبدو أن مجموعة المراقبة حصلت على معلومات استخبارية عن مكان الاجتماع وهذا هو الرابط بحزب الله... وفي هذا السياق تؤكد مراجع قانونية رفيعة المستوى ان كل ما تقدم حتى الان لا يعتد به قانونيا، لان الادلة مبينة على افتراضات ظرفية وادلة غير مثبتة بدلائل حسية، واذا كانت المحكمة غير مسيسة فانها بشكل قاطع لا يمكنها ان تبني ادانة لاي من المتهمين.