مع انطلاق ملف العودة الطوعية للنازحين السوريين الذين لجأوا الى لبنان، وتحفيزها بتنسيق لبناني ـ سوري ـ روسي بدأت معالمه تتضح من خلال لجان رسمية، بقي ملف عودة الالاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من مخيمات سوريا مطويا، من دون ان تلتفت اليه اي جهة، في وقت تعطى الاولوية لعودة النازحين السوريين، لما لهذا الملف من ابعاد سياسية.

ولعل ملف اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا الى المخيمات الفلسطينية في لبنان، يشكل احد ابرز الملفات المعقدة التي افرزتها حرب السنوات السبع في سوريا، والتي ادت الى نزوح جماعي لآلاف اللاجئين الفلسطينيين، بعد تدمير شبه كامل اتى على المخيمات التي حولتها التنظيمات الارهابية الى منصات حربية في مواجهة الجيش السوري، وبخاصة في المخيمات الواقعة داخل العاصمة السورية دمشق التي شكلت بؤراً امنية على مدى السنوات الماضية.

ووفق تقديرات اوساط قيادية فلسطينية متابعة للملف الفلسطيني في لبنان، فان عدد النازحين الفلسطينيين من سوريا الى لبنان، ومع اشتداد الحرب في سوريا، تجاوز الـ 100 الف لاجىء، وصل منهم الى مخيمات الجنوب قرابة الـ 22 ألف، وتوزع الباقون على مخيمات الشمال وبيروت، وسط ظروف معيشية ضاغطة، الا ان العدد بدأ يتناقص مع هجرة اعداد كبيرة منهم الى دول اوروبية عبر المنافذ البحرية غير الشرعية، فيما عادت اعداد اخرى الى سوريا، بعد معركة حلب التي تمكن فيها الجيش السوري من تحريرها.

وتلفت الاوساط نفسها، الى ان عدد النازحين الفلسطينيين اليوم لا يتجاوز الـ 20 ألف، خمسة آلاف منهم يقيمون في مخيمات منطقة صيدا ( عين الحلوة والمية ومية وبعض التجمعات الفلسطينية المنتشرة في الجنوب، ومع عودة الامن الى العمق السوري والشروع برحلات العودة الطوعية التي ينظمها الامن العام اللبناني، اعدَّت اللجان الشعبية الفلسطينية في المخيمات اللوائح الخاصة بالراغبين بالعودة الى مخيمات سوريا، بانتظار القرار السوري بشأنهم، علما ان المشكلة التي تحول دون عودة كاملة للاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا، تتمثل بالتدمير شبه الكامل الذي لحق بالمخيمات، بعد ان سيطرت عليها التنظيمات الارهابية التي حولتها الى جبهات قتالية ضد الجيش السوري، قبل ان يتم التخلص منها وتنظيف المخيمات، علما ان اتصالات جرت بين الجهات الرسمية اللبنانية والسفارة الفلسطينية في بيروت، لتنسيق الجهود من اجل تأمين العودة، بالرغم من ان الاولوية تبقى اليوم لعودة النازحين السوريين، وقد شُكِّلت لجان تنسيق تضم ممثلين عن لبنان وسوريا وروسيا.

ويلفت مصدر قيادي فلسطيني الى ان الجهات الفلسطينية ومعها السفارة الفلسطينية في بيروت، عملت على تنظيم قوائم باسماء العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا، ليصار الى تجهيزها والبدء بعودتهم بالتنسيق مع السلطات السورية واللبنانية، ريثما تنضج ظروف عودتهم، علما ان الاحصاءات التي تناولت الفلسطينيين الذين نزحوا من مخيمات سوريا الى لبنان، تتحدث عن وجود اكثر من 20 ألف لاجىء فلسطيني، وقد قدمت السلطة الفلسطينية في رام الله مؤشرات لتنظيم عودة هؤلاء، من خلال صرف منحة مالية متواضعة للعائلات الفلسطينية الراغبة بالعودة، الا ان مفتاح العودة موجود في دمشق، ولا اجتهاد في هذا الملف من هذا الطرف الفلسطيني او ذاك اللبناني، الامر مرتبط بتنسيق سوري ـ فلسطيني ـ لبناني، وهو لم ينضج بعد، فالاولوية المعطاة اليوم هي لعودة النازحين السوريين التي قطعت اشواطا لا بأس بها، وهناك معطيات تؤكد ان رحلات العودة الطوعية سلكت طريقها الصحيح، من خلال تنسيق لبناني ـ سوري ـ روسي، يتولاه على المستوى اللبناني مدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم مع ممثلين عن الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية.

ورأى القيادي ان السلطة الفلسطينية لم تتعامل مع الملف الحيوي الذي يعني الالاف من اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا، بالمسؤولية التي تقتضي ان تبحث اولا في ملف اعمار المخيمات واعادة بناء المنازل التي نزحوا منها، والمبلغ الزهيد الذي قدمته السلطة الفلسطينية ( ألف دولار للعائلة)، قد يؤمن عودة عائلة الى سوريا، ولكن ماذا عن المنازل وبدلات الايواء قبل اعمار المخيمات، مشيرا الى ان الخطوة الاولى التي ينبغي ان تقوم بها الجهات الفلسطينية الرسمية تنسيق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من سوريا مع السلطات السورية، ولا يكفي التأكيد على عودتهم من دون توفير المناخات الملائمة للعودة، وقد تسنى لعشرات العائلات الفلسطينية العودة الى مخيمات دمشق، لكن العيش فيها دونها صعوبات، والمطلوب اعادة بناء المخيمات اولا ومن ثم التنسيق مع السلطات السورية التي بدا انها تعطي الاولوية لعودة النازحين السوريين.

ويتحدث القيادي الفلسطيني عن ان هناك حماسة في اوساط اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا لاسباب عديدة، اهمها ظروف العيش في سوريا وتعامل السلطات السورية مع الفلسطينيين المقيمين على اراضيها، حيث يحظون بامتيازات حياتية وانسانية واجتماعية وصحية وتربوية، ويُعامل الفلسطيني في سوريا كما المواطن السوري لناحية حق العمل والتملك والخدمات، ولا «حدود» تفصل بين المخيمات والمناطق السكنية السورية، على عكس الحال في المخيمات الفلسطينية في لبنان، اضافة الى حال الحرمان التي عوملوا بها في لبنان من قبل المنظمات الدولية التي ركزت اهتماماتها على النازحين السوريين، في حين حُوصروا خدماتيا من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الانروا» التي خصصت خدماتها للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان.

بدأ اللجوء الفلسطيني في سوريا مع الايام الاولى للنكبة عام 1948، حيث بلغت طلائع اللاجئين الـ 90 ألف فلسطيني اقاموا مخيمات بدأت صغيرة في العاصمة دمشق، وارتفع العدد في السنوات التي تلت ليصل قبل اندلاع الحرب في سوريا في آذار العام 2011 الى قرابة النصف مليون لاجىء فلسطيني، يقيمون في تسعة مخيمات وعدد من التجمعات المنتشرة في مناطق مختلفة، في اليرموك وجرمانا وسبينة وقبر الست وخان الشيح وخان دنوب في دمشق، والرمل في اللاذقية والنيرب وعين التل في حلب ومخيم حمص وحماه ودرعا.