في زمن تباعد المسافات السياسية بين معظم القوى السياسية في لبنان، خصوصاً بين اطراف الطائفة الواحدة ومن ضمنها الخلافات المسيحية البارزة منذ فترة عبر تفاهم معراب الذي وصل الى طريق مسدود، مروراً بالخلافات بين الافرقاء السنّة والدروز، بإستثناء الطائفة الشيعية التي عرفت كيف تتوّحد خصوصاً في هذه الظروف الدقيقة، ضمن هذا المشهد المتقلب الذي يشهده لبنان برز غزل سياسي يوم الاحد الفائت خلال قداس شهداء المقاومة اللبنانية اطلقه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في اتجاه حزب الله قائلاً لهم: «من المهم جداً أن نضع كل جهدنا وتعبنا وعرقنا ودمنا في بلدنا ولأجل بلدنا فقط وليس أي بلاد ثانية أو أي قضيّة أخرى، نحن لدينا قضيّة واحدة لا ثاني لها وهي أن نهتم بلبنان وننهض به من أجل أن يصبح في مصاف أرقى دول العالم فيصبح اللبناني مرتاحاً في بلده، فخوراً بهويته وبجواز سفره وليس كما هو الوضع الراهن اليوم، لذلك عودوا إلى لبنان ونحن جميعاً في انتظاركم».

هذا الغزل شكلّ مفاجأة للجميع اي الخصوم والحلفاء بحسب ما ترى مصادر سياسية مطلعة، سائلة عن سبب وتوقيت هذا الغزل الذي طغى على كل الرسائل التي وجهها جعجع ، في حين ان الفريقين يعيشان ضمن معسكرين سياسيين لا يلتقيان وبالتأكيد لن يلتقيا ، بحيث لا يجمعهما اي شيء سوى هويتهما اللبنانية لان اتجاه الثوابت مغاير، فالحزبان مختلفان من حيث الرؤية للبنان والدولة ولا يمكن أن تجد أي مشترك بينهما يمكن التأسيس والبناء عليه، آملة ان تحدث المعجزات لكن كل هذا بات صعباً حين يكون الخطان متباعدين الى اقصى الحدود، في حين يمكن إحداث خرق في العلاقة وبناء نوع من الانفتاح لطمأنة الشارعين المسيحي والشيعي بأن لا خوف بعد الان من حدوث الخروقات.

وتابعت المصادر المذكورة:» نأمل ان يؤدي كلام الدكتور جعجع الى إنفتاح او حوار مع حزب الله على الرغم من التباعد في المواقف تجاه العديد من الملفات الداخلية والإقليمية، ابرزها نظرة كل طرف الى مسائل عدة ومنها حصرية سلاح الدولة اللبنانية، وان يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، إضافة الى حياد لبنان والانسحاب من سوريا وعدم المشاركة في ازمتها، وبالتالي إبقاء لبنان بعيداً عن صراعات المنطقة. كلها امور تحّد من جديّة اللقاءات بين الجهتين، وتبعد إمكانية حصولها لانها ملفات اساسية يختلفان عليها، مع التأكيد على أن احداً منهما لن يتنازل عنها لإرضاء الاخر، لانها من الثوابت والمبادئ والاهداف، معتبرة أن الدليل الابرز لما تقوله هو اعتراض وزراء القوات اللبنانية على بند المقاومة في البيان الوزاري الاخير، بحيث اكد وزراء القوات رفضهم لأي سلاح غير شرعي على حساب سلاح الدولة اللبنانية، فيما هذا البند يعتبره حزب الله مقدساً ولا سبيل لتغييّره.

الى ذلك ذكّرت هذه المصـادر بأن بوادر الغزل بدأت في آذار من العـام 2015 خلال موقف للنائبة ستريدا جعجع اعتبرت خلاله « أن حزب الله شريك أساسي في التركيبة اللبنانية وبالتالي لا خيار لنا إلا أن نكون معاً تحت كنف الدولة اللبنانية»، ورأت «أنه سيأتي وقت نجلس فيه مع حزب الله على طاولة واحدة»، ثم تلته مواقف من الجانبين شبه انفتاحية وصولاً الى كلمة الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله حين اعترف بالقوات كمكوّن اساسي موجود على الساحة السياسية اللبنانية ، فكان ردّ قواتي على لسان نائب رئيس القوات جورج عدوان بطريقة ايجـابيـة فضـلاً عن ردود ايجابية من مسؤولـين قواتيـيّن، مشيرة الى ان المواقف المشجعة التي صدرت في ذلك الوقت عن الطرفين لم تحدث خرقاً، لان الحراك الداخلي الذي شجّع على الحوارات بين كافة الافرقاء لن ينجح في انهاء الخلاف الموجود بين القوات وحزب الله، في ظل غياب أي وسيط او مشجّع على الحوار بينهما.

بدورها، رأت مصادر قواتية ان كلام الدكتور جعجع هدفه الحوار والانفتاح اولا واخيراً على كل الافرقاء.

وعلى خط فريق 8 آذار، اعتبرت مصادر نيابية ضمنه أن انفتاح رئيس حزب القوات على حزب الله سببه فتح جعجع لمعركته الرئاسية باكراً ، لذا اراد مدّ الجسور مع الخصوم خصوصاً مع حزب الله الذي يُعتبر الناخب الاكبر في هذا الاطار مشيرة الى ان جعجع اراد إفهام رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أنه يستطيع فتح الباب المقفل مع حزب الله رداً على محاصرته حكومياً، في حين ان طلبه سيبقى صعب التحقيق ولن يصل الى مبتغاه ، لانه لن يتعدى المهادنة اذ لا شيء يجمعه مع حزب الله على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وختمت المصادر عينها: «بأن دعوة جعجع الى خروج الحزب من سوريا في هذا التوقيت بالذات تجاوزت التطورات الجارية ، لان المعركة هناك ستنتهي قريباً بالانتصار».