حالة من القلق تُسيطر على واشنطن ودول «الناتو» وسط استعراض قوّة «الشرق 2018»

لا يزال الوقع الاستراتيجي للمناورات الروسية «الشرق-2018» الأضخم على الإطلاق قائماً وسط موجة من التوتر المستمرّ مع البلدان الغربية بسبب الأزمة الأوكرانية والنزاع في سوريا والاتهامات بالتدخل في سياسات دول غربية. وفي حين يعتبر بعض الخبراء العسكريين أن هذه التمرينات ليست إلا رسالة سياسية-استراتيجية إلى الغرب، يعتقد البعض الآخر أنها مؤشر لحرب عالمية مستقبلية. وحتى مع اختلاف الدلالات والرسائل التي تبعث بها موسكو من وراء هذه المناورات، لا يمكن نفي حقيقة أن روسيا تخطّت كافة توقعات الغرب، خاصة في ما يخص التقارب مع الصين الذي تجاوز إظهار القوة الرمزية المتمثّلة في عدد القوات والعتاد إلى مرحلة أعمق من ذلك بكثير.

إن التدريبات التي تستمر على مدى خمسة أيام يُقصد منها إظهار أن كلا البلدين (روسيا والصين) تجاوزا مرحلة إظهار القوة الرمزية الممثلة في عدد القوات والعتاد إلى مرحلة أعمق من ذلك بكثير، تلك التي تتعلق بتنسيق أنظمة الأسلحة وهياكل القيادة. كما تُوفّر المناورة العسكرية لبكين خبرة في التجربة الخارجية التي تعدّ ضرورية بالنسبة لها، كونها تسعى لإنشاء قوة قادرة على القتال دولياً.

كما أن العقوبات التي فرضها الغرب على موسكو وبكين وحلفائهما في الشرق كان لها وقع السحر في دفع القوتين إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات وتوحيد جهودهما في مواجهة الممارسات الغربية التي وصفها البعض بـ«إعلان حرب» وإن أخذت شكلها الاقتصادي إلا أن تبعاتها السياسية والمجتمعية والأمنية ليست ببعيدة.

ومما لا شك فيه أن تصدير صورة تضخيمية للجيش الروسي وما يتمتع به من ترسانة تسليحية متطورة، كان على رأس الرسائل التي تود موسكو أن تبعث بها لأوروبا من خلال المناورات الضخمة، خاصة بعد موجات التراشق السياسي والعسكري خلال الفترة الأخيرة، ومن ثم يسعى الروس إلى تبيان مدى قوتهم في رسالة يراها البعض تحذيرية لأي توجهات معادية لها داخل أوروبا.

أما من ناحية واشنطن، فإنه من الواضح أن الرسائل الروسية كانت جلية جداً إن من ناحية القلق الذي سبّبته للأوساط الأميركية نتيجة توسعة النفوذ وزيادة القدرات التسليحية للجيش، أو من جهة التقارب مع الصين الأمر الذي يمثل عقبة قوية أمام النفوذ الأميركي عالمياً. وعلى الرغم من عدم قلق وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس من تحالف عسكري محتمل بين روسيا والصين في المستقبل، فإن حالة الترقب لتفاصيل وكواليس تلك المناورات الجارية حالياً داخل الأوساط الأميركية، الرسمية وغير الرسمية، تفند تلك التصريحات بشكل كبير.

} مناورات «فوستوك-2018» ..

استعراض للقوة }

ولكن قبل الخوض في رموز هذه المناورات، توقيتها ورسائلها، لا بدّ من الإضاءة على أبرز جوانبها الدفاعية التكتيكية، إن من ناحية مشاركة أقوى القطع العسكرية وأحدثها أو من جهة الموقع الجغرافي الاستراتيجي لها.

انطلقت في 11 أيلول الحالي أكبر مناورات حربية تجريها موسكو منذ سقوط الإتحاد السوفياتي قرب حدودها مع الصين، وهي تحت عنوان «فوستوك-2018» أو «الشرق-2018». ويشارك في التدريبات ـ المستمرة حتى 17 أيلول الجاري - 300 ألف جندي يمثلون كل مكونات جيشها فضلاً عن حضور عسكريين صينيين ومنغوليين، بالإضافة إلى كافة المكونات الحديثة للجيش الروسي من صواريخ «إسكندر» القادرة على حمل رؤوس نووية ودبابات تي-80 وتي-90 إلى الطائرات المقاتلة الحديثة من طراز سوخوي 34 و35. وفي البحر، نشر الأسطول الروسي عدداً كبيراً من الفرقاطات المزودة بصواريخ «كاليبر» التي اخُتبرت في سوريا.

وبالإجمال، يشارك في التمارين 36 ألف آلية عسكرية، 1000 طائرة و80 سفينة.

أما عن الميدان الرئيس للتمرينات، فهو يقع على بعد 5000 كيلومتر إلى الشرق من موسكو، ومن المرجح أن تتابعها عن كثب كل من اليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.

فإنه ليس من الغريب إذاً أن تُلقّب هذه التمرينات بـ«مناورات استعراض القوة»، خاصة وأنه تم مقارنتها بـ«زاباد-81» أو «غرب-81» التي شارك فيها قبل نحو 40 عاماً بين 10 و150 ألف جندي من حلف وارسو في أوروبا الشرقية، وكانت أكبر تدريبات تنظّم إبان الحقبة السوفياتية.

} الدلالات، الرسائل وتوقيت المناورات }

تختلف الآراء حول دلالات وتوقيت الحدث الأبرز على الساحة الدولية اليوم؛ فمن جهته، يعتبر العميد المتقاعد ناجي ملاعب في حديث خاص مع «الديار الإلكتروني» أن روسيا تريد أن «تُثبت للعالم أنها عادت إلى المسرح العسكري بقوة»، مشيراً إلى أن تدريبات الشرق-2018 هي «ترجمة لما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ ستة أشهر بأن موسكو استطاعت امتلاك التفوّق العسكري لأول مرة باستخدام التقنيات النانومترية بالإضافة إلى الإعتماد على النووي في محركات صواريخها وطائراتها وغواصاتها».

ويُضيف: «عملياً، هناك تفوّق عسكري يجري إثباته من خلال هذه المناورة؛ إنها ليست لمحاربة جيش واحد بل جيوش عدة ومختلفة».

وتأتي هذه المناورات في ظلّ تهديد الولايات المتحدة بردّ «أقوى بكثير» من الضربات الجوية السابقة على سوريا والتي ادّعى الغرب حينها أنها رداً على استخدام دمشق لأسلحة كيميائية. وربط بعض المحللين التمرينات الحالية بالضربة الأميركية المتوقّعة، حيث قال قسطنطين سيفكوف وهو أستاذ في العلوم العسكرية إنه «على الرغم من أن روسيا كانت تحضّر لهذه المناورات منذ فترة، فإن أميركا وحلفاءها تحدّثت مؤخراً حول إمكانية التدخل العسكري في سوريا وقصف واسع النطاق. ويعني ذلك أن روسيا والصين تسعيان من خلال هذه المناورات الحالية أن تبرهنان أنهما سوف تقفان في جبهة موحّدة ضد أي عدوان محتمل».

وكان جون بولتون، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأمن القومي أعلن مؤخراً أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا اتفقت على أن استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية مرة أخرى سيؤدي إلى «رد أقوى بكثير» من الضربات الجوية السابقة. وقال: «سعينا لتوصيل الرسالة في الأيام القليلة الماضية بأنه إذا تم استخدام الأسلحة الكيماوية للمرة الثالثة، فسيكون الرد أشد بكثير».

من ناحيته، اعتبر الصحفي والمعلّق العسكري أوليغ فاليتشيف أن فكرة المناورات «ليست لها إلا علاقة غير مباشرة بسوريا. فعموماً، تسعى روسيا من خلال الشرق-2018 إلى تحقيق أهدافها التكتيكية العملياتية كما تبعث برسالة إلى الغرب لتحذيرها من مهاجمة البلاد».

أما الحدث الأبرز الذي يُميّز المناورات الروسية فهو أنه للمرة الأولى، تدعو فيها موسكو دولة خارج دائرة حلفاء الإتحاد السوفياتي سابقًا ـ أي الصين - للمشاركة في أكبر تدريبات سنوية تجريها. ولطالما هيمن الحذر المتبادل على العلاقات بين موسكو وبكين، حيث يحذر القوميون في روسيا من زحف النفوذ الصيني في أقصى شرق البلاد الغني بالمعادن.

لكن روسيا تحولت شرقاً صوب الصين بعدما فرض الغرب عقوبات عليها بعد ضمها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في 2014 وازدهرت منذ ذلك الحين العلاقات التجارية بين البلدين اللذين يشتركان في حدود برية بطول نحو 4200 كيلومتر.

وحول هذه المسألة يقول ملاعب إن «مشاركة بكين تُثبت قوة التحالف الصيني-الروسي مقابل الأخطار التي يتعرّض إليها الطرفان سواء في بحر الصين الجنوبي أو باتجاه روسيا».

أما سيفكوف فيقول إن «الحضور الصيني هو رسالة للغرب أن موسكو ليست لوحدها بل مدعومة سياسياً وعسكرياً من بكين. تستطيع الدولتان أن تشكّلان تجمّعاً أكبر ليس في الشرق فحسب بل في الغرب أيضاً عبر نقل القوات»، مضيفاً أنه «في حال نشوب حرب واسعة النطاق في المسرح العملياتي الغربي، ستكون روسيا مخيّرة بين استخدام الأسلحة النووية أو السماح للقوات الصينية بعبور أراضيها للمشاركة معها في صدّ أي عدوان محتمل».

بيد أن حلف شمال الأطلسي يعتبر أن مناورات فوستوك-2018 تثبت أن روسيا تركز اهتمامها على التدريب على نزاع واسع النطاق. وقال متحدث باسم الحلف الأطلسي ديلان وايت إن «هذا يندرج في اتجاه نلاحظه منذ بعض الوقت. روسيا تثق بنفسها كثيراً، كما أنها تزيد ميزانيتها الدفاعية وحضورها العسكري».

ويعتبر بعض الخبراء العسكريين في هذا الإطار، أن هذه المناورات ليست إلا تحضيراً لحرب عالمية مستقبلاً. ويقول الخبير الروسي بافل فلغنغاور إن رئاسة الأركان الروسية تعتقد أن «حرب عالمية ستندلع بعد 2020: إما حرب شاملة، وإما مجموعة من النزاعات الإقليمية الواسعة النطاق. والعدو هو الولايات المتحدة وحلفاؤها خاصة الناتو».

شيرين مشنتف