فيما «حرب الزواريب» «الضيقة» مستمرة على اكثر من جبهة داخلية بالتوازي مع تعثر «الولادة» الحكومية لاسباب تتداخل فيها لعبة المصالح الداخلية والخارجية، جاءت كل من زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون الاوروبية، ومشاركة وزير الخارجية جبران باسيل في اجتماع الجامعة العربية الذي عقد على خلفية وقف التمويل الاميركي «للانروا»، لتعزز المخاوف حيال مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في لبنان على خلفية اهمال مسألة اللجوء السوري وعدم الحماسة لاعادتهم الى بلادهم من جهة، وما يرسم للقضية الفلسطينية، من جهة اخرى... وقد خرج كل من الرئيس عون ووزير خارجيته بانطباع متطابق، يفيد بأن عملية «تصفية» الملف الفلسطيني تسير على «قدم وساق» اميركيا واسرائيليا، ولمسا عجزا اوروبيا، وتواطؤا من بعض العرب، اما مسألة تحويل الدول المستضيفة الى دول لجوء نهائي، فأمر يبدو امرا مسلما به بالنسبة للكثير من الاوروبيين والعرب، و«النصيحة» التي رددها هؤلاء «مواربة» تبدو ترجمتها العملية غير قابلة للتأويل «ما كتب قد كتب وكل واحد يدبر راسو» الى حين رحيل الرئيس الاميركي من منصبه بعد سنتين او من خلال عزله... فما هي المخاطر المرتقبة؟ وما حصة لبنان منها؟

وفقا لمصادر مواكبة لزيارة رئيس الجمهورية الى ستراسبورغ، لم يسمع عون ما يطمئنه على المستوى الاوروبي بشأن ملفي النزوح السوري، واللجوء الفلسطيني، ولمس وجود «عجز» اوروبي فاضح في مقاربة الامور، حيث انصب اهتمام المسؤولين الاوروبيين على الشق السوري من الازمة، بضمان عدم وصول النازحين السوريين الى شواطئهم، وفهم الرئيس ان مسألة تمويل عودة هؤلاء من لبنان الى سوريا مسألة معقدة ترتبط بقرار اميركي رافض لتقديم اي مساعدة لروسيا في هذا الملف، فيما لا يملك الاوروبيون لا القرار ولا القدرة على الدخول في تفاهمات جانبية بعيدا عن «الضوء الاخضر» الاميركي. وفي هذا السياق تعززت قناعة عون بضرورة تعزيز التنسيق مع الدولة السورية لضمان عودة هؤلاء، وانتظار المحاولات الروسية لتأمين تمويل من مصادر أخرى، في ظل حديث عن محادثات جدية مع الصين لاقناعها بالمساهمة الجادة مقابل مشاركة فاعلة للشركات الصينية في اعادة اعمار سوريا.

} «مناخات سوداوية» }

في الشق الاخر، المرتبط بالملف الفلسطيني، تفيد تلك الاوساط بان المناخات «غير مريحة» بل ربما تكون «سوداوية» لجهة التسليم الاوروبي بالعجز في مواجهة الخطط الاميركية التي يقوم بتنفيذها الرئيس دونالد ترامب وفق «خارطة طريق» ممنهجة تتطابق مع الرؤية الاسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، وبعد ان اقفلت الادارة الاميركية، كما تعتقد، ملف القدس، تعمل الان على سحب قضية اللاجئين من التفاوض المستقبلي، عبر فرض ترتيبات على الارض بالتعاون مع عدد من الدول العربية التي تبرعت بإيجاد مخارج عملية تعبد «الطريق» امام تمرير «صفقة القرن»..

} «الدمج» في سوريا }

وفي هذا السياق، سمع الوفد اللبناني خلال النقاشات على هامش الزيارة الى لوكسمبورغ، كلاما خطرا يتقاطع مع تسريبات تعمدت شخصية فلسطينية رفيعة ابلاغها لمسؤولين لبنانيين سياسيين وامنيين، وهي تتحدث عن وجود مقترحات مفصلة يسوق لها الاميركيون منذ فترة، وهي تقوم على فكرة «تلاشي» قضية اللجوء دون كبير عناء، ففي سوريا، وبعد التدمير الممنهج لمخيم اليرموك من قبل المجموعات المسلحة التي افتعلت حربا «عبثية»، لن يعاد بناء المخيم وفق ما كان عليه لان الدولة السورية ماضية في «فكفكة» البؤر التي شكلت خلال الحرب «خاصرة رخوة» على تخوم العاصمة، ولذلك ووفقا للتنظيم المدني الجديد سيتم دمج الفلسطينيين ضمن المجتمع السوري الذي سبق واستوعب هؤلاء واعطاهم حقوقا لم يحصلوا عليها في اي من دول اللجوء...

} سيناء «وطن بديل» }

اما ملف غزة فهو اليوم في عهدة المصريين وبات الحكم الجديد اكثر قبولا من اي وقت مضى لفكرة توطين الفلسطينيين في قسم من سيناء، بعد ان نجحت الولايات المتحدة الأميركية في الضغط على العرب للاشتراك في حل إقليمي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية، مقابل تعويض الفلسطينيين، بمساحات من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية «مستقرة»، ووفقا لما هو مقترح يفترض ان تنقل مصر إلى غزّة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومتراً، في المقابل يتنازل الفلسطينيون عن 12في المئة من أراضي الضفة التي ستضمها إسرائيل، تحت عنوان الامتداد الطبيعي للمستوطنات.

} الكونفدرالية }

اما الكونفدرالية الأردنية ـ الفلسطينية، فهي لم تعد مجرد «شائعة»، ومؤخرا طرحت الفكرة مرة أخرى واعلن رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن ان الاقتراح عرضه عليه فريق الإدارة الأميركية، ووفقا للمعلومات فإن الاردن الذي يشكل الفلسطينيون نصف شعبه تقريبا اكتفى حتى الان بالرفض اللفظي من خلال القول «نعم ولكن» اما الاسرائيليون فإذا لم يكن الحديث يدور عن إقامة دولة فلسطينية كشرط مسبق لهذه الفدرالية فستكون إسرائيل مستعدة لبحث الموضوع على نحو جدي، والاردن القابع تحت وطأة ازمة اقتصادية خانقة سيكون اكثر استعداداً للقبول بالفكرة. وهو امر عرضه صراحة صهر الرئيس ترامب ومبعوثه الى المنطقة جاريد كوشنير امام الملك الاردني عبدالله الثاني خلال زيارته الاخيرة الى المنطقة مؤخرا.

} تجنيس الفلسطينيين المسيحيين }

وليس بعيدا عن هذه المعطيات، لا يبدو لبنان خارج سياق هذه الترتيبات التي يعمل على تسويقها من اكثر من مصدر اقليمي ودولي، وما هو مطروح لبنانيا يحمل في طياته مخاطر جدية اذا لم يتداركه المسؤولون اللبنانيون ويتعاملون معه بجدية، وبحسب مسؤول فلسطيني رفيع المستوى ثمة سيناريوهات موضوعة على «الطاولة» ويعمل على تنفيذها الاميركيون بالتعاون مع بعض «الاشقاء» وعدة دول اوروبية، ووفقا لمعلوماته ثمة عملية اغراء في المقترحات تقوم على محاولة اقناع رئيس الجمهورية بتمرير قانون تجنيس يضم فئة كبيرة من المسيحيين الفلسطينيين كما حصل في خمسينيات وسيتينيات القرن الماضي في عهود الرؤساء السابقين كميل شمعون، وفؤاد شهاب، والرئيس شارل حلو، حيث تم دمج نحو 100 ألف لبناني من أصل فلسطيني في المجتمع اللبناني، وهي تجربة اثبتت نجاحها برأي هؤلاء، وهي لا تشكل خطرا ديموغرافيا على احد بما ان عدد المسيحيين تناقص ولم يعد يتجاوز ال30 بالمئة من اللبنانيين. هذا المقترح تقابله موافقة اوروبية على انتقاء عدد «نوعي» لا بأس به من الفلسطينيين الموجودين في لبنان، ودمجهم في المجتمعات الاوروبية على نحو منتظم وعلى دفعات..اما من تبقى من الفلسطينيين فلديهم الخيار، اما البقاء في لبنان، او الذهاب الى الاراضي المقتطعة في سيناء، لان اسرائيل ترفض انضمامهم الى «الكونفدرالية» الاردنية - الفلسطينية المزمع اقامتها.

} مواجهة في «عين الحلوة» }

ووفقا لتلك الاوساط، ثمة مؤشرات خطرة في هذا السياق لفرض امر واقع على لبنان الذي لن يكون قادرا على مواجهة هذه المخاطر اذا ما تم تنفيذ المسارات الاخرى، وهنا يأتي الحديث عن افتعال مواجهة عسكرية واسعة النطاق في مخيم عين الحلوة باعتباره اكبر المخيمات الفلسطينية ورمزا للجوء الفلسطيني، والهدف من افتعال «نهر بارد» جديد هو اخراج الفلسطينيين من حالة التجمع ضمن اطار جغرافي محدد ودمجهم واقعيا في الدولة اللبنانية، وهذا المخطط وضعت اللمسات الاخيرة عليه قبل اشهر، وجاء الحضور المفاجىء لقائد المنطقة الوسطى الاميركية جوزيف فوتيل الى «سطح» السرايا الحكومي في صيدا، وقيامه باستطلاع ميداني للمخيم خلال زيارته الاخيرة الى بيروت، ليؤكد كل هذه المعلومات التي باتت في عهدة الاجهزة الامنية وكبار المسؤولين اللبنانيين.

وفي هذا الاطار، لم يسمع الرئيس عون تطمينات، بل نصائح اوروبية بضرورة «الصمود» والتعامل بحذر شديد مع الادارة الاميركية الحالية، ومحاولة «تقطيع الوقت»، والرهان على «الصمود» الفلسطيني الرافض لهذه المخططات، وايضا على «رحيل» ترامب، فهو كما الغى خطط سلفه، هكذا سيفعل الرئيس المقبل، ولا سيما إذا نجح الديموقراطيون في انتزاع الرئاسة، و«العيون» شاخصة الان على الانتخابات النصفية لانها ستكون المؤشر الاول على مدى قدرة ترامب على الصمود...