ليست المرة الاولى التي يضع فيها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «يده على جرح» الحل المطلوب لبنانياً والمتمثل باعادة النازحين السوريين الى ديارهم بكرامة، مما يخفف اعباءً كثيرة عن «خزينة الاقتصاد» وعن الارتدادات الاجتماعية والحياتية السلبية على معظم اللبنانيين.

الا ان اهمية ما قاله الرئيس عون اول من امس امام جلسة البرلمان الاوروبي له مفاعيل اكبر، مما يقوله المسؤولين في بيروت من خلال تشديده على عودة النازحين ورفض اي مماطلة، او ربط العودة بالحل السياسي في سوريا وصولاً الى تأكيده ان «لبنان ليس بلد استيطان للنازحين السوريين او اللاجئين الفلسطينيين»، الخ، وهذا الموقف سيعيد رئيس الجمهورية - بحسب اوساط نيابية قريبة من بعبدا - التأكيد عليه في كلمته امام الجلسة العامة للامم المتحدة بعد عشرة ايام، فالرئيس عون بات مدركاً لكل تفاصيل ما يتحمله لبنان ليس فقط من اعباء مالية تزيد عن الملياري دولار سنوياً، بل ان التداعيات الاوسع والاكثر سلباً على الواقع اللبناني تتعلق بالفوضى المستشرية بطبيعة وجود النازحين، خصوصاً على مستوى مزاحمة اليد العاملة والمؤسسات والشركات المتوسطة، والصغيرة وما يحتاجه وجود العدد الكبير من النازحين الى خدمات يومية من كهرباء ومياه وبنى تحتية، في وقت الدولة عاجزة عن تنظيم وجود النازحين نتيجة مواقف بعض الاطراف في لبنان مما سمي المعارضة السورية وهو الامر الذي حال دون تنظيم هذا الوجود، لان هذه الاطراف عملت منذ اللحظة الاولى لدخول النازحين الى لبنان للاستثمار السياسي على تدفق مئات الاف النازحين، ودعمهم بذلك بعض الانظمة العربية ودولاً غربية كثيرة، ما جعل وضع النازحين على ما هو عليه اليوم.

والواضح - بحسب المصادر النيابية ان ما تحمله لبنان من تبعات مالية واقتصادية واجتماعية وما زال يتحمله، في وقت يتعمد المجتمع الدولي بدءاً من الامم المتحدة الى الدول الغربية، عدم مساعدة لبنان بما يكفل تأمين النسبة العالية من مقومات وجود النازحين، لم يدفع بعض الاطراف السياسية في لبنان ـ التي تصرّ على تبني الرؤية الاميركية والغربية الرافضة لعودة النازحين قبل ما يسمى الحل السياسي في سوريا - الى الاخذ بمصلحة لبنان وابنائه قبل اي اعتبارات سياسية او ارتباطات خارجية، بل ان هؤلاء يتعمدون استخدام كل تأثيرهم في الدولة للحؤول دون فتح قنوات التواصل الرسمية بين البلدين، ولو ان هؤلاء يقرّون بما يتحمله لبنان من اعباء ضخمة اكبر بكثير من امكاناته، وهو الامر لاذي اكد عليه مثلاً - وفق المصادر - الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري في العديد من الاجتماعات الدولية التي خصصت لبحث قضية النازحين في لبنان ودول الجوار لسوريا.

والغريب ايضاً، ان كلاً من تيار المستقبل و«القوات اللبنانية» والحزب الاشتراكي يحاولون اقناع اغلبية اللبنانيين التي ترى في عودة العلاقة الطبيعية مع سوريا مصلحة كبيرة لهم وللاقتصاد اللبناني، فالمستقبل ورئيسه وحليفاه في «القوات»، والاشتراكي يكررون التبريرات نفسها باستمرار لرفض الحوار الرسمي بين الحكومتين، فمثلاً - تقول المصادر - ان النائب السابق في كتلة المستقبل ووزير شؤون النازحين في الحكومة المستقيلة معين المرعبي خرح باختلاقات لا علاقة لها قطعياً بحقيقة الامور بما خص الموقف السوري من عودة النازحين، من خلال الادعاء ان النازحين المعارضين تبلغوا عدم الرغبة بعودتهم الى سوريا، بهدف ايهام الرأي العام بأن عرقلة عودة النازحين تأتي من دمشق وليس من المستقبل وحلفائه، وتصحيحاً لذلك يقول سياسي لبناني يزور دمشق باستمرار ان القيادة السورية تسعى وتعمل لإعادة كل النازحين من لبنان وغيره، وهذا الكلام ردده اكثر من مسؤول سوري امامه وبالتالي فإن عودة المعارضين ستجد طريقها الى الحل عندما يتم وضع خطة متكاملة لعودة النازحين، فالقيادة السورية التي شجعت وفتحت الباب امام تسوية اوضاع الاف المسلحين الذين انعمست ايدي الاكثرية منهم «بدماء السوريين»، لن تتوانى عن تسوية اوضاع النازحين المعارضين، كما ان هذا الموقف للحكومة السورية اكد عليه في كثير من المحطات المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي يتولى مسؤولية التفاوض مع الجانب السوري لإعادة من يرغب من النازحين.

لذلك، يلاحظ السياسي المذكور ان مواقف الاطراف الثلاثة المعترضة على الحوار الرسمي مع سوريا، تتلاقى عملياً مع شروط هذه الاطراف بما يتعلق بتشكيل الحكومة، حيث ان التعاطي حول مسألتي النازحين والتأليف يتماشى مع اجندات اقليمية ودولية، حتى ولو اصّرت هذه الاطراف على رفض الربط بين مواقفها وبين ما يخدم التوجهات السعودية والاميركية دون التوقف امام التداعيات الخطرة على الوضع اللبناني لاطالة امد الفراغ في الحكومة، واطالة امد تبعات ما يتحمله لبنان جراء وجود ما يزيد عن مليون ونصف مليون نازح سوري.

الا ان المصدر يرى ان انجاز العودة شبه الكاملة للنازحين سيبقى في اطار الدعوات، بانتظار تشكيل الحكومة والاتفاق على بيانها الوزاري، وعندها، اذا اقرّ المعترضون على الحوار الرسمي مع الحكومة السورية بأن في ذلك مصلحة لبنانية كبرى، ستسير الامور على الطريق الصحيح بما خص عودة النازحين، لكن اذا بقيت هذه الاطراف على تعنتها، فليس مستبعداً اذاك ان يقوم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بزيارة سوريا للتأكيد على ما يجمع البلدين من مصالح مشتركة وبما يمهد الطريق للعودة الشاملة للنازحين.