تُجمع الأطراف الداخلية المعنية بعقد تشكيل الحكومة على أمر واحد وهو تقديم التنازلات لتسهيل ولادتها لمصلحة الوطن والناس الذين انتخبوها، وهذا هو المطلوب. فنوّاب تكتّل «لبنان القوي» لا يلبثون يتحدّثون عن التسهيلات التي يضعونها أمام الرئيس المكلّف سعد الحريري لتسريع التأليف، وكذلك نوّاب «الجمهورية القويّة» يعلنون عن أنّهم مع تسهيل مهمة الحريري من خلال التنازلات التي قدّموها... غير أنّ المعلومات تؤكّد على إصرار كلّ من الطرفين المارونيين على المطالب نفسها، فالتيّار يريد حصّة تفوق حصّة «القوّات»، فيما هذه الأخيرة لن تقبل سوى بالتساوي معه بحصّة وازنة ومن ضمنها حقيبة سيادية، بحجّة أنّها تمكّنت من مضاعفة عدد نوّابها في الإنتخابات الأخيرة من 7 الى 15 نائباً.
ويبدو أنّ إصرار «القوّات اللبنانية» على الحصول على حقيبة سيادية، بحسب بعض العارفين، يعني أنّ ما تمّ الإتفاق عليه من توزيع الحقائب الأربعة السيادية على كلّ من رئيس الجمهورية (وزارة الدفاع)، و«تيّار المستقبل» (وزارة الداخلية) و«التيّار الوطني الحرّ» (الخارجية)، و«حركة أمل» (المالية)، قد عاد الى نقطة الصفر، مع تأكيد «التيّار» بالتالي على أنّه لا يضع أي «فيتو» على إسناد حقيبة سيادية لـ «القوّات». ولكن من حصّة مَن ستُعطى هذه الحقيبة للقوّات، أم أنّ المسؤولين السياسيين ينوون اجتراح حقيبة سيادية خامسة إرضاء لها ولفكّ العقدة المارونية؟.
في الوقت نفسه، يصرّ رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط على المقاعد الوزارية الثلاثة الدرزية، رافضاً إسناد أي منها للوزير طلال إرسلان، حتى أنّ جميع الدروز من نوّاب ووزراء ومحلّلين يتكلّمون عن «خصوصية البيت الدرزي» وعن أنّه لا يحقّ لأي أحد التدخّل في هذه الخصوصية، فكيف سيحلّ الرئيس الحريري هذه العقدة؟
وفيما يتعلّق بالعقدة السنيّة، فلا يريد الحريري نفسه أن يُشاركه أحد في الحقائب السنيّة الوزارية، وإن كان النوّاب السنّة المعارضين عينهم على إحدى هذه الحقائب. وقد يتسامح الحريري حول هذا الأمر، إذا ما بقيت هذه الأخيرة العقدة الوحيدة أمام تشكيل الحكومة، رغم أنّه يُفضّل عدم إقحام أي من السنّة المعارضين فيها.
وترى أوساط ديبلوماسية عليمة أنّ العقد التي لم تتحلحل بعد، رغم كلّ اللقاءات والإجتماعات والإتصالات التي تحصل، يمكن أن يجد الرئيس الحريري حلا سريعاً لها توافق عليه جميع الأطراف، إذا ما أتى الضوء الأخضر من الخارج. فالإتفاق الداخلي لم يعرفه لبنان يوماً من دون تدخّلات خارجية أو إتفاقات دولية، لهذا فليس من المستغرب أن يكون التأخير في تشكيل الحكومة في انتظار إشارة الإنطلاق.
وبرأي الاوساط، فإنّ السعودية هي من أول الدول المعرقلة لتشكيل الحكومة سيما وأنّها تخشى من اصطفاف وزراء الرئيس عون، و«التيّار الوطني الحرّ» الى جانب «حزب الله»، و«أمل» ربما، ما يُعيد فريق 8 آذار الى سابق عهده. وأكثر ما تخشاه السعودية هو الإستئثار بالسلطة من قبل الحزب وحلفائه، لا سيما بعد أن تفكّك فريق 14 آذار المدعوم منها. لهذا تصرّ على ضرورة أن يكون للحريري و«القوّات» حصصاً وزانة في الحكومة الجديدة تمكّنها من  تعطيل المشاريع التي لا توافق عليها، أو تلك التي يريد «حزب الله» تمريرها وفق مصالحه ومصالح الدول الداعمة له.
فيما يبدو أنّ إيران تضع يدها في المياه الباردة لجهة قدرة الثنائي الشيعي على التفاهم على مختلف المستويات، وعلى صمود النظام السوري في وجه كلّ دول الخارج والذي ساندته «المقاومة» في حربه على الإرهابيين والمعارضين. الأمر الذي يجعل الأفرقاء الآخرين في الداخل غير قادرين عن الإستغناء عن المقاومة رغم معارضة السعودية لوجودها كونها تُهدّد مصالحها في لبنان والمنطقة.
أمّا الدول الأوروبية التي تشجّع على الإسراع في تشكيل الحكومة العتيدة لكي تبدأ بتنفيذ مقرّرات المؤتمرات الدولية الثلاثة التي عُقدت من أجل لبنان، فتخشى، بحسب الأوساط، من أن يؤدّي عدم تمكّن الحكومة الجديدة من التواصل مع النظام السوري من أجل إعادة جميع النازحين السوريين الى بلادهم، الى لجوئهم مرة جديدة اليها. لهذا تودّ أن تتأكّد من أنّ الحكومة العتيدة ستُسهّل عودتهم الى بلادهم، وفق المبادرة الروسية التي لا تزال الولايات المتحدة الأميركية في صدد دراستها، ولن تدفعهم الى اللجوء مجدّداً الى أوروبا كحلّ أخير لهم، سيما وأنّ هذا كلّ ما يهمّها في الفترة الراهنة.
ومع وصول الضوء الأخضر، سيكون على الرئيس الحريري توزيع الأحجام والحقائب سريعاً وفق المعادلة التي يجري الحديث عنها منذ بدء التكليف، أي وزير لكلّ 4 نوّاب، ما يعني عندها أنّ «التيّار» والعهد سيحصل على 7 وزراء (29 نائباً)، فضلاً عن وزير دولة ربما، كون القسمة تعطي نتيجة 7.2، و«القوّات» على 4 وزراء كون الكسور من الـ 15 نائباً مرتفعاً وهو 3.75. فيما ينال جنبلاط 3 وزراء، والحريري 6، على أن يتمّ إرضاء المعترضين من السنّة، و«الكتائب» وإرسلان، بحقائب دولة قديمة أو مستحدثة بحسب الملفات التي تحتاج للمعالجة سريعاً. وفي حال بقي البعض رافضاً لهذا التقسيم، فإنّ حكومة أكثرية بديلة ستكون جاهزة، رغم التأكيد والإصرار من قبل الرؤساء الثلاثة على ضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني، أو وحدة وطنية.
وتقول الأوساط بأنّ غالباً عند العرض والطلب يتمّ إعلاء السقف من أجل الحصول على الحلول الوسطى. وهذا ما تقوم به «القوّات» فإنّها تُطالب بالكثير وبمساواتها بالتيّار، لكنّها في نهاية الأمر سترضى بما يُعطى لها، والحال نفسه بالنسبة لجنبلاط الذي لا يجد نفسه خارج الحكومة، وكلّ من يعترض على تحديد الأحجام وتوزيع الحقائب.
 وفي مطلق الأحوال، فإنّ كلمة السرّ عندما تصل الى الداخل، يمكن أن تتشكّل الحكومة في أقلّ من 24 ساعة، وعندها يقبل الجميع بالحصّة المعطاة له، من أجل مصلحة الوطن والمواطنين.