«يا الهي... الى أين يمضي بنا هذا القارب الذي بمائة سارية؟!».
لكأن ناظم حكمت قال ذلك في لبنان الذي تتنازعه قوى اقليمية شتى. الشتات اللبناني على الأرض اللبنانية. لنقل «التيه اللبناني» تمثّلاً بالمناخات اللاهوتية الشائعة في المنطقة.
الشاشات التي باتت أقرب ما تكون الى طواحين الهواء، بالأحرى طواحين الكلام، تستضيف كل يوم العشرات من السياسيين الذي يحطمون، بلغتهم الببغائية، وبثقافتهم الببغائية، ما تبقى من أعصاب اللبنانيين.
الكل يدلي بدلوه. الكل يدور في حلقة مفرغة. عملية تشــكيل الحكومة أفلتت من أيدي اللبنانيين، ومن أيدي الوسطاء، منذ اليوم الرهيب الذي احتجز فيه الرئيس سعد الحريري وأرغم على الاستقالة. لا خطوة بامكانه أن يخطوها بعيداً، ولوقيد أنملة، عن المسار المقدس. هو الذي لا بد يعلم، ولا بد يرتجف، أمام منطق قطع الرؤوس ولو بفرشاة الأسنان.
رئيس تيار المستقبل الذي ضحى (كرمى لعيونهم) برفيق العمر نادر الحريري (أين أحمد الحريري؟)، ممنوع من أن يصغي الى رجاء العائلة بأن يتخلى عن السياسة، ما دامت السياسة هكذا، ليعيش وزوجته وأولاده كما يعيش الآخرون.
من أرغم على الاستقالة، وقد تمت تعريته مالياً، لا خيار أمامه لتعويض ما أمكن، الا القبول بالبقاء في عنق الزجاجة. ديبلوماسي عربي قال لنا «لقد هبطتم من حالة الستاتيكو الى حالة ما تحت الستاتيكو». ماذا يعني هذا سوى أن ما يجري من صراع، وهو الصراع المبرمج، حول الحقائب، كما حول المقاعد، يرمي الى وضع لبنان عند حافة الهاوية؟
من يشيع بأن لبنان سيكون أمام عملية استخباراتية كبرى تفجر الوضع الداخلي، قبل أن تتعافى الدولة في سوريا؟ أكثر من جهة خليجية تقول ان بعض أهل السلطة في المنطقة يراهنون على تطورات دراماتيكية تقلب المشهد رأساً على عقب.
لا تتصوروا أن الذي حدث في منطقة السويداء، بتعقيدات هذه المنطقة، وبمحاولات تحويلها الى مسرح خلفي في عملية تقطيع سوريا ارباً ارباً، بعيد عن خطة استخبارية شاركت فيها اجهزة اقليمية ودولية، على أنها الورقة الأخيرة في ايدي الذي احترقت أصابعهم في اكثر من مكان على الأرض السورية.
حتى الآن رهان على التقاطع الميداني بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. لا مجال للاستهانة بالمسار التصعيدي للبيت الأبيض. هاجس رئيس الحكومة الاسرائيلية رأس «حزب الله». المطلوب من آيات الله «تغيير سلوكهم» ليس حيال العرب (ماذا تعني كلمة... العرب؟)، وانما حيال تل أبيب.
ديفيد بولوك، الباحث الأميركي الثقيل الظل، الذي لا يرى في العرب سوى سقط المتاع، سأل الايرانيين «هل تقبلون بالموت جوعاً من أجل قضايا ميتة؟». في نظره أن القضية الفلسطينية قضت نحبها. لاحظ أن ما تستغرقه محاولات رأب الصدع بين رام الله وغزة قد يتعدى ما تستغرقه العملية التفاوضية بين رام الله وتل ابيب.
لندع ذلك المفكر الخليجي، البعيد عن الضوضاء الراهنة، يقول « يحكى عن اجتياح ايراني لدول عربية، وأنا أرى أن آيات الله لم يحققوا أي شيء له مفاعيله المستقبلية في المسار الجيوبوليتيكي، أو التاريخي، للمنطقة».
يأخذ اليمن مثالاً. الايرانيون والسعوديون في مأزق. في نهاية المطاف، لا شيء سوى الحطام. يأخذ مثالاً العراق. ها أن حيدر العبادي، الآتي من «حزب الدعوة»، يعلن انه مضطر للالتزام بالعقوبات الأميركية. ياخذ سوريا مثالاً. من أجل ابعاد المخلب الاسرائيلي عن الساحة السورية تم ابعاد الايرانيين أكثر من 80 كيلومتراً عن خطوط فض الاشتباك، مع علم الجميع بأن الدولة في سوريا لا يمكن أن تكون بيد الايرانيين أو غير الايرانيين.
حتى في لبنان، وما يحكى وما يحكى، لا أحد يمكنه ان يتصور أن السيد حسن نصرالله يعطي الأولوية لأي أجندة على الأجندة اللبنانية. هل كان لـ»حزب الله» أن يظهر الى الوجود لولا الاحتلال الاسرائيلي، ودخول دبابات آرييل شارون الى بيروت؟
تذكرون، في تلك الأيام، كيف كان صوت الحكومات العربية برقة صوت... فاتن حمامة !
مضحك جداً، وساذج جداً، ذاك الكلام عن أن العقوبات الأميركية، التي لا مثيل لها في التاريخ، تتوخى حمل ايران على وقف برنامجها النووي الى الأبد، وعلى تفكيك مصانع الصواريخ الباليستية، وعلى الانسحاب من البلدان العربية. الغاية اسرائيل، ثم اسرائيل، ثم اسرائيل.
حتى أن رجب طيب اردوغان اضطر لقول هذا. هوالخائف أن يؤكل يوم أكل الثور الأبيض. داخل فريق دونالد ترامب من يعتبر أن الوقت حان لتدجين الرئيس التركي لأنه قد يكون أكثر خطراً اذا ما بقي على حلمه باعادة احياء السلطنة.
هوذا المشهد. أقرب ما يكون الى بعض المشاهد في الكوميديا الالهية لدانتي. كيف يمكن، والحال هذه، أن تتفق القوى اللبنانية، وهي الموزعة على المحاور كافة، حول الأحجام، والأوزان، داخل حكومة بلا أحجام وبلا أوزان؟