يجري الحديث عن أنّ التأخير في تشكيل الحكومة يرتبط بشكل أساسي بالسباق الرئاسي، سيما بعد دخول صهر رئيس الجمهورية وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل على هذا الخط، منذ أن زار المملكة العربية السعودية أثناء الشغور الرئاسي ووصل الى مسامعه تساؤل من أحد المسؤولين الكبار هناك، حول لماذا لا يترشّح هو لرئاسة الجمهورية؟.
وإذا كان الرئيس ميشال عون قد افتتح معركة رئاسة الجمهورية المقبلة لدى قوله إنّ «الهجوم على الوزير باسيل ناتج عن السباق الرئاسي»، حسب ما قيل، فإنّ أوساطاً ديبلوماسية في بيروت أفادت أنّ فتح معركة الرئاسة منذ الآن وقبل أربع سنوات على انتهاء العهد سابق لأوانه، ولم يكن الرئيس يقصد فتح المعركة بقدر ما كان يوصّف الوضع الحالي الذي يبدو فيه أنّ المرشّحين السابقين للرئاسة يخشون منه. حتى أنّ عهد الرئيس عون لم ينطلق بعد كونه أعلن منذ انتخابه رئيساً بأنّ انطلاقة عهده الفعلية تكون بعد تشكيل الحكومة الثانية وليس الأولى التي كان الهدف الأساسي من تأليفها مواكبة وضع قانون جديد للانتخابات وإجراء العملية الانتخابية في موعدها، وهذا ما حصل.
وبرأي الاوساط، إن الرئيس عون يتمتّع بكامل صحّته وعافيته ولم يصل عهده بعد الى منتصفه أو ما بعده، لكي يبدأ الحديث عن الرئيس الخلف. فلم يمض من عهده سوى أقلّ من سنتين، لهذا من المبكر التسابق على كرسي بعبدا، بين كلّ المرشّحين السابقين للرئاسة من رئيس «القوّات اللبنانية» سمير جعجع، ورئيس «تيّار المردة» الوزير سليمان فرنجية، الى مرشّح جنبلاط النائب هنري حلو وسواهم، والمرشحين الجدد الذين برز بينهم الوزير باسيل الذي يمثّل خط الرئيس الحالي.
وتقول بأنّ رئاسة الجمهورية لم تكن يوماً منصباً للتوريث لا سيما في لبنان، فأي من الرؤساء السابقين لم يورّث منصبه لابنه أو لصهره أو لأي أحد من أقربائه، بل إنّ كلّ ما استطاع القيام به البعض هو التمديد لنفسه نصف عهد، أي ثلاث سنوات، ليس أكثر مثل الرئيسين الياس الهراوي (من عام 1989 حتى العام 1998) الذي سلمّ السلطة للرئيس العماد إميل لحود (من 24 تشرين الثاني 1998 الى 23 تشرين الثاني 2007)، فيما جرى التمديد للحود أيضاً لنصف عهد غير أنّه غادر القصر الرئاسي في بعبدا من دون أن يسلّم السلطة الى رئيس جديد بسبب عدم التوصّل آنذاك الى اتفاق بين الأفرقاء اللبنانيين لانتخابه.
ومن هنا، فإذا كان الرئيس عون قد تمكّن من تبديل نظرية انتخاب رئيس البلاد بشكل جذري، من خلال إصراره على موقفه الرافض لانتخاب أي رئيس للبلاد خلال سنتين وخمسة أشهر من الشغور، إنّما الشخصية المسيحية المارونية الأقوى على الساحة، على غرار ما يحصل دائماً لدى انتخاب الشخص الأقوى بين الطائفة الشيعية لرئاسة مجلس النوّاب والأقوى بين الطائفة السنيّة لرئاسة الحكومة، فإنّ العرف سيقضي بانتخاب الأقوى بين الموارنة عند انتهاء عهده.
وشدّدت الاوساط على أنّ تشبّث الرئيس عون بموقفه لكي تتجه جميع القيادات الى الاعتياد على فكرة «انتخاب الأقوى بين الموارنة لرئاسة الجمهورية منذ انتخابه رئيساً للجمهورية في تشرين الأول 2016، لم يكن لكي يسري عليه فقط، إنّما لاعتماد هذا المبدأ في العهود اللاحقة أيضاً. ومن هنا، يطرح السؤال حول من سيكون الأقوى مارونياً على الساحة بعد الرئيس عون، لهذا يجري التسابق منذ الآن على الكرسي الرئاسي. علماً أنّ أي من المرشّحين الموارنة للرئاسة لا يحظى بالمطلق برضى الشريحة المسيحية على غرار ما كان عليه الحال مع العماد عون، ولا برضى القيادات من الطوائف الأخرى، إنّما ثمّة مشاحنات ظاهرة للعيان بينهم وبين بعض القادة، الأمر الذي يعيق وصول اي منهم الى السلطة، إلاّ إذا ما استطاع العمل بشكل أفضل خلال السنوات المتبقية من عهد الرئيس عون على تحسين علاقاته مع الأفرقاء الداخليين والخارجيين ككلّ.
أمّا أزمة تشكيل الحكومة العتيدة التي تتصل، من وجهة نظر البعض، بأحجام وأوزان القوى السياسية، لا سيما بين الأطراف المسيحية التي قد يخرج من بينها الرئيس المقبل للجمهورية، فلا تجد الأوساط نفسها أنّها يجب أن تكون مرتبطة بهذا الأمر، سيما وأنّ المجلس النيابي الحالي ليس هو من سينتخب الرئيس الخلف للرئيس عون، إنّما المجلس النيابي الذي سيليه والذي من المفترض أن يُنتخب في أيّار من العام 2022، أي قبل أشهر من انتهاء ولاية الرئيس عون في أواخر تشرين الأول من العام نفسه.
لهذا تقول الاوساط بأنّ الأحجام قد تتبدّل، والكتلة النيابية القوية حالياً قد لا تعود نفسها في المجلس النيابي الجديد. حتى أنّ الحكومة التي هي في صدد التشكيل حالياً، لا أحد يضمن طول عمرها وبقاءها للسنوات الأربعة المقبلة من عمر العهد الحالي. الأمر الذي يطرح مسألة عدم الربط بين الأحجام الحالية والرئيس الجديد للجمهورية، لأنّ المعطيات التي سينتخب على أساسها الرئيس الخلف للرئيس عون لن تكون نفسها المطروحة حالياً، والتي يجري شدّ الحبال بين الأطراف المسيحية على أساسها.
وشدّدت الاوساط على أنّ التسوية السياسية التي حصلت وأوصلت العماد عون لرئاسة الجمهورية، يجب أن يتمّ الحفاظ عليها وعدم نسفها في الإنتخاب المقبل، لما فيه خير المسيحيين واللبنانيين بشكل عام. والمطلوب اليوم هو عمل الجميع بكلّ جديّة من أجل إنجاح عهد الرئيس عون، قبل التنافس أو التسابق على من سيكون الخلف، سيما وأنّ أحداً لا يعلم إذا ما كان سيبقى أو سيعيش لما بعد انتهاء عهد الرئيس عون، أم ما الذي يمكن أن يحصل خلال هذه السنوات. كما أنّ المعركة الرئاسية لا يمكن أن تفتح حالياً إنّما في السنتين الأخيرتين للعهد، ولهذا فالوقت لا يزال مبكراً لخوضها من أي طرف كان.
في الوقت نفسه، قالت الأوساط إنّ المطلوب اليوم وبإلحاح شديد تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت ممكن، إذ لا تزال الفرصة مؤاتية لذلك، وعدم هدر المزيد من الوقت، على ما نقل بعض المسؤولين الأوروبيين، سيما وأنّ ملفات الإصلاح والنهوض الإقتصادي بلبنان ستبقى عالقة من دون حكومة جديدة. وهذا ما لا تريده الدول الأوروبية بل الإلتزام بنتائج المؤتمرات الدولية التي عُقدت في الأشهر الأولى من العام الحالي من أجل دعم لبنان.