«الرسالة» الايجابية التي اطلقها امس الاول الرئيس المكلف سعد الحريري باتجاه حزب الله بعد اجتماع كتلة المستقبل النيابية، عبر اعلانه ان التواصل مع الحزب مستمر لتشكيل الحكومة، وتأكيده انه لم يلمس وجود نية لديه لعرقلة عملية التأليف، لم يكن بالامر المفاجىء بالنسبة للكثيرين، فثمة الكثير من المحطات الاساسية، ومنها مفاوضات تشكيل الحكومة، جعلت من الحريري اكثر تمسكا بمعادلة «ربط النزاع» باعتبارها ضمانة للاستقرار السياسي والامني، خصوصا بعد اهتزاز علاقته مع «بعبدا» وترنحها قبل فترة مع «معراب»..
وبحسب اوساط نيابية مطلعة، اختبر رئيس الحكومة الكثير من  المواقف السياسية منذ «احتجازه» في السعودية الى يومنا هذا، وهو «عايش» على نحو جدي «مصداقية» قيادة حزب الله التي «خاصمته» بشرف وقبلت معه «بالمساكنة» تحت «مظلة» «ربط النزاع» الحكومي والسياسي بعيدا عن كل الخلافات الخارجية «المستعصية» والتباين حول عدد من السياسات المحلية.. 
ففي ملف العلاقة مع سوريا كان حزب الله اكثر المتجاوبين مع عدم «حشر» الحريري في «الزاوية»، ومنذ اهتزت علاقاته مع السعودية، قبل بتبريد الاندفاعة الحكومية باتجاه دمشق، و«كبح جماح» زيارات وزارء «الثنائي الشيعي» بالتفاهم مع الرئيس نبيه بري، وعمل على اقناع رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي بضرورة مراعاة وضعه «الصعب»، وعدم دفعه نحو «الهاوية»، وذلك على الرغم من ادراك رئيس الحكومة بان الحزب غير معني بالاصل بمراعاته او الوقوف عند «خاطره» لكن «مقتضيات» المصلحة الوطنية وعدم الرغبة المشتركة في اشعال صراع مذهبي على الساحة اللبنانية انتج هذا التفاهم الضمني الذي امن «هبوطا» سالما للحريري، بعد الهزة العنيفة التي اصابته بفعل «المطبات» السعودية التي كادت تودي «بحياته» السياسية لولا الجهود الهائلة التي بذلتها قيادة الحزب داخليا بعد طلب مباشر من «عائلة» الرئيس المكلف.. وعندما يأتي اليوم الذي ستكشف فيه كل خبايا، وخفايا تلك المرحلة، سيكتشف الكثيرون ذلك الدور المفصلي للامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أدى في نهاية المطاف الى «تحرير» الحريري.
} زيارات دمشق }
وليس بعيدا عن تلك المرحلة، لم يكن استئناف وزراء الحزب زيارتهم الرسمية الى دمشق، وآخرها مشاركة الوزير حسين الحاج حسن في أعمال مؤتمر حول اعادة اعمار سوريا، في سياق تحدي الرئيس المكلف، حيث تؤكد تلك الاوساط ان وزير الصناعة كان حريصا على ابلاغ الحريري برغبته في زيارة العاصمة السورية، ووضعه في اجواء الدعوة الموجهة له واللقاءات المفترضة مع نظيره السوري وغيره من المسؤولين.. وكعادته لم يبد الرئيس المكلف اي موقف متشدد حيال طلب الوزير، وعلى الرغم من تحفظاته، ابدى ايجابية واضحة من خلال عدم اعلان رفضه لهذه الخطوة.. وبذلك تم تكريس «التواطؤ» المشترك وفق معادلة «افعلوا ما شئتم» ولكن لا تورطوني شخصيا بهذه العلاقة... وهو أمر لا يزال الحزب يتفهمه، ويراهن على الوقت الذي سيؤدي في نهاية المطاف بالجميع الى اعتماد «الواقعية» السياسية في التعامل مع دمشق..
} «القناة الامنية» }
وقد كانت تجربة «القناة» الامنية المفتوحة بين مديرية الامن العام والاجهزة الامنية السورية، والتي ما تزال فاعلة للغاية في اكثر من ملف، وخصوصا مسألة اعادة النازحين، واحدة من ملفات التفاهمات الضمنية بين الجانبين، وهي «معادلة» اثبتت نجاحها ايضا خلال معركة «فجر الجرود» من خلال التنسيق العالي المستوى بين الجيشين اللبناني والسوري «بوساطة» حزب الله.. واثبت الحريري في هذين الملفين قدرته على مواكبة المتغيرات السياسية والميدانية «بمرونة» محسوبة، ولكنها «مقدرة» عند الطرف الآخر، في ظل الادراك المسبق بالهامش «الضيق» المتاح اقليميا ودوليا امام رئيس تيار المستقبل الذي لم يمنعه من جرأة الاعلان انه كان على علم مسبق وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية «بالتسوية» التي افضت الى اخراج مقاتلي «داعش» الى البادية السورية على الرغم من الحملة الاعلامية التي كان روادها مقربون منه...
} لا تعديل للطائف }
وفي مقابل كل «المتوهمين» بسعي حزب الله او «الثنائي» الشيعي لتعديل اتفاق الطائف، يبدو الرئيس الحريري اكثر اطمئنانا لنوايا هذا الفريق السياسي من «شطحات» بعض حلفائه القدامى او الجدد، فهو بحسب تلك المصادر، لم يتخل يوما عن النظر «بريبة» الى  نوايا التيار الوطني الحر، ورئيس الجمهورية في هذا السياق، وهو سبق وقال لزواره، ان ما يمنع عون من مقاربة هذا الملف ليس تحولا في قناعته، وانما معرفته المسبقة انه لا يملك القدرة على تعديل الاتفاق، خصوصا انه لم يحصل يوما على دعم من حزب الله في هذا الملف، وذلك في اكثر مراحل الضعف السياسي التي مر فيها فريق 14 آذار بشكل عام، وتيار المستقبل على نحو خاص، ولذلك يعتقد رئيس الحكومة ان الحزب في مكان ما، يشكل مع الرئيس بري ضمانة جدية لعدم المس بصلاحيات رئاسة الحكومة المنصوص عليها في «الطائف».
} الحريري قلق من «حلفائه» }
ولذلك فان الحريري اكثر قلقا من حلفائه «الظرفيين»اليوم، وكذلك من شركائه التاريخيين في «ثورة الارز»، من خصومه المفترضـين، فهو عايش «انقلاب» القوات اللبنانية عليه في ازمته السعودية، وهو يتابع عن «كثب» سقوط «تفاهم معراب» بين «التيار» «والقوات»، وهما بالنسبة اليه طرفان لا يمكن الوثوق بهما، خصوصا مع ترنح «التفاهم الرئاسي» الذي يتعرض لانتكاسة كبيرة بفعل المقاربات المتباينة بينه وبين كل من رئيس الجمهورية والوزير باسيل حيال «معايير» تشكيل الحكومة، وهو بدا يستشعر وجود رغبات «دفينة» لدى الطرف الاخر لاجهاض بنود «التسوية»، ومحاصرته داخل الحكومة «بثلث معطل» ظن انه يشكله مع الرئيس، بواقع انهما جزءا من فريق سياسي منسجم، لكنه فوجئ «بلهجة» مغايرة ومريبة دفعته الى «التمترس» وراء مطالب «القوات» و«الاشتراكي» باعتبارهما آخر حليفين قادرين على اسناده داخل الحكومة العتيدة.
} رغبة في تدخل «الحزب»؟ }
وفي هذا السياق، تلفت اوساط وزارية بارزة، ان «اشادة» الرئيس الحريري بموقف حزب الله من عملية تشكيل الحكومة، يأتي في اطار «واقعي»، لادراكه حقيقة موقف «حارة حريك» من هذا الملف، وهو يعرف من خلال التواصل المباشر وغير المباشر ان قيادة حزب الله لا تقف «حجر عثرة» في طريقه لتشكيل حكومة العهد الاولى، كما لا يوجد اي نية لدى الحزب في ربط عملية التأليف بأي معطى خارجي، فلاسباب كثيرة لا يبدو حزب الله معنيا في تدفيع احد ثمن «هزيمة» خياراته في سوريا، فهو منذ بداية الحرب هناك عمل على ابعاد الساحة الداخلية عن تداعيات ما يحصل عند الحدود الشرقية، وليس واردا اليوم مع بداية نهاية الازمة هناك نقل حالة «الاشتباك» الى الداخل اللبناني.. لا شروط مسبقة لدى الحزب بل تسليم مع حركة امل «بتواضع» حصتهما الوزارية، لتسهيل «الولادة»، كما اكتشف الحريري انه يلتقي مع الحزب في عدم تمكين اي جهة من الحصول وحدها على «الثلث المعطل» في الحكومة..
وفي مقابل تفهم رئيس الحكومة على «مضض» «استراتيجية» الحزب القائمة على عدم ممارسة «الضغوط» على حلفائه، هو يدرك في الوقت نفسه ان الموقف المتشدد من قبل التيار الوطني الحر «ذاتي» ولا علاقة للحزب به، وقد تبلغ صراحة انه عندما تذلل الخلافات مع حلفائه الجدد، والقدامى، فان طريقه نحو السراي الكبير ستكون معبدة... لكن هذا لا يعني ان الحريري لا «يرغب» بشدة في تدخل حزب الله لـ«تدوير الزوايا» حكوميا، فهو يدرك جيدا ان «بيده» الكثير من «مفاتيح اللعبة»، حاول «جس النبض» مؤخرا، دون جدوى، فلا خدمات «مجانية» في السياسة، وطالما ان الامور لم تلامس بعد «الخطوط الحمراء» المهددة للاستقرار الداخلي او علاقات لبنان الخارجية، فان «مصلحة» الحزب تكمن في «المشاهدة» عن بعد ريثما ينتهي «الكباش» الداخلي المعطوف على رغبات خارجية سعودية على شكل «توصيات» لا يبدو رئيس الحكومة قادرا على تجاوزها لجهة «حصة» «القوات» و«الاشتراكي».. وفي نهاية المطاف، يحاول الحريري استدراج الحزب للتدخل، وفي نهاية المطاف ستبقى العلاقة محكومة «بتفاهمات» ضمنية تنحو نحو الايجابية طالما  بقي بعيدا عن «المغامرات العبثية» لتغيير موازين القوى الداخلية.