لا يزال تشبّث القوى السياسية بمطالبها وحقوقها، من وجهة نظرها، على حاله، ما يجعل تشكيل الحكومة يتأخّر أكثر فأكثر. مرّ شهران ونصف الشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة ولم يحصل حتى الآن أي تقدّم في ما يتعلّق بحلحلة العقد المارونية والدرزية والسنيّة. ولكي يُبعد البعض المسؤولية عن القادة السياسيين والكتل النيابية يتحدّث عن وضع إقليمي ضاغط وارتباط تأخير تشكيل الحكومة به من دون أي تفسير لهذا الأمر.
مصدر قوّاتي يقول بأنّ تشكيل الحكومة مرتبط بالرئيس المكلّف بشكل أساسي، وهو يعمل بكلّ جديّة لحلحلة العقد القائمة وصولاً الى تمثيل صحيح لكلّ القوى السياسية. والعقد التي يكثر الحديث عنها فيُقال عنها عقد مسيحية أو سنيّة أو درزية هي في الجوهر عقدة واحدة جوهرها محاولات إستئثار وفرض الرأي لدى طرف معيّن. ولذلك يتمّ التغاضي عن نتائج الإنتخابات وأصوات الناس لتحقيق هدف واحد ألا وهو إقصاء الأقوياء في بيئتهم ووضع اليدّ على كلّ مفاصل السلطة.
وعن ارتباط الضغوطات والتدخّلات الخارجية بتأخير التشكيل سيما أنّ المطلوب «حكومة وفاق وطني»، أشار المصدر الى أنّه صحيح أنّ للدول الخارجية موقفا من أي حكومة لبنانية، إلاّ أنّ الأرجحية هي للقرار الداخلي. فإذا اتفق اللبنانيون يمكن أن نرى قريباً حكومة صُنعت في لبنان، وهذا المطلوب وبإلحاح.
ورأى المصدر أنّ ثمّة تقدّم بالنسبة لتحديد الأحجام، فقد وضع الرئيس المكلّف تصوّراً أولياً للحكومة العتيدة، و«القوّات اللبنانية» تقف موقف المسهّل لعملية التشكيل، ولجهود الرئيس الحريري كما لمصلحة البلد والناس، ولمصلحة نجاح العهد الذي يهمّها، لا سيما إذا ما سهّلها الأفرقاء الآخرون. ولكن إذا حصل ضرب للأحجام وللقيمة التي نالتها «القوّات» من الناخبين، فلن تكون بوارد إلغاء نفسها، على حدّ تعبيره، وبالتالي إلغاء التوكيل الذي منحه إياها الشعب.
وإذا كانت «القوّات» قد عوّلت في وقت سابق على الإجتماع الذي عُقد بين الرئيس الحريري والوزير جبران باسيل، كون رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قال «روحوا شوفوا جبران»، فإنّ أي شيء ملموس لم ينجم عن هذا اللقاء، في ما يتعلّق بتحديد الأحجام بشكل نهائي، علماً أن تسهيل الأمور من شأنه التسهيل على العهد الذي يريد الإنطلاق إنطلاقة فعلية بعد تشكيل الحكومة الجديدة.
وعمّا تريد «القوّات» حالياً من حقائب وزارية، أوضح المصدر نفسه، أنّ موقفنا صار واضحاً في هذا الموضوع. فنحن نجعل من كلّ وزارة خدماتية، أي في خدمة الناس، ونجعل من كلّ وزارة سيادية، أن تنجز وتؤثّر في البلد وإدارته ومؤسساته. فـ «القوّات» تريد حصّة وزانة تمثّل حجمها، مشيراً الى أنّه لم يتمّ التوصّل بعد الى توزيع الحقائب وتحديد الأسماء. فإذا لم تحصل على حقائب وازنة مع التسهيلات التي قدّمتها، ووزارات تستطيع أن تبني فيها، سيكون لديها رأي آخر. فكلّ وزارة وازنة لمصلحة الشعب تقبلها، من دون تحديد أسماء الحقائب سيما وأنّه لم يتمّ التوصّل الى هذه المرحلة بعد.
وفيما يتعلّق بالتسهيلات التي قدّمتها «القوّات» كأن تقبل بـ 4 وزارات من بينها وزارات خدماتية وليس سيادية سيما وأنّ الإتفاق على هذه الأخيرة قد حصل بين الرئيس عون و«التيّار» و«المستقبل» و«أمل»، شدّد على أنّ «القوّات» لا تبخل في تقديم التنازلات للبنان وهي مستعدّة دائماً لذلك، لكنّها لا تفرّط بالأمانات وبأصوات الناخبين وتفويضهم أمانة في عهدتها. لذلك نحن متمسّكون بتمثيل يتناسب مع تفويض الناس، على ما قال، حتى وفق حسابات وتقسيمات الوزير جبران باسيل. ونحن منفتحون على أي طرح عملي يُسهّل مهمّة الرئيس المكلّف. تسير بموضوع الإتفاق مع «التيّار الوطني الحرّ»، وهي تتمسّك به وإن كان «التيّار» لا يريده. وبحسب «التيّار»، فإنّ «القوّات» تمثّل 31 % من أصوات المسيحيين، ما يعني أنّه يحقّ لها الحصول على 5 وزارات، على أن تكون وزارات وازنة وسيادية. علماً أنّه لا أحد يستطيع توزيع الحقائب إلاّ بعد الجلوس والتفاهم مع بعضنا البعض لمصلحة البلد والشعب، على أن نكون صادقين مع الناس.
وأكّد المصدر القوّاتي بأنّ المشاورات مع الرئيس الحريري شديدة الإيجابية، وهو يبدي تفهّماً كبيراً لمطالب «القوّات»، مشدّداً على مطالبته بأن يكون لدائرة كسروان وجبيل وزير أو أكثر في الحكومة المقبلة، سيما وأنّها تزخر بالأسماء الناجحة والكفوءة، دون الدخول في الأسماء، لأنّ الحقائب هي التي تفرض أصحابها ولكلّ موقع رجاله ونساؤه.
ولفت الى أنّ «القوّات اللبنانية» تلتزم بموقفها في ما يتعلّق بمسألة فصل النيابة عن الوزارة، وهي غير معنية بمواقف الأحزاب الأخرى، وقد سبق وأعلنت هذا الأمر ولا تزال عند قولها.
وذكر المصدر بأنّ «القوّات» تشدّ على أيدي الرؤساء الثلاثة، في ما يتعلّق بموضوع إعادة النازحين السوريين الى بلادهم. فهي توافق عليه وتتابعه بكلّ قوّتها، وتصرّ على أنّ الوزير باسيل لا بدّ وأن يتابعه بجديّة لكي يعود النازحون في أقرب وقت ممكن.
في المقابل، يرى المراقبون السياسيون بأن التنازل يجب أن يشمل القوى السياسية كافة، ليتمّ تسهيل مهمّة الرئيس الحريري في تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» التي لن يتنازل عنها لقاء حكومة أكثرية ومعارضة، وإلاّ فإنّ التشكيل سيطول حتى شهر تشرين الأول المقبل. وهذا الأمر يُعطّل البلاد ويشلّ من موسم السياحة وحركة الإصطياف فيه، فضلاً عن التفاقم في الملفات العالقة من النفايات الى الكهرباء وتلوّث الشاطىء وما الى ذلك.