ابراهيم ناصرالدين



لم تنضج «الطبخة» الحكومية بعد، رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ابلغ من التقاهم انه لن يقبل بان «يحرق يديه» «بكرة نار» ليس مسؤولا عنها، هو «يتفرج» وليس بصدد تقديم تنازلات من «كيسه»، ولا يملك بين يديه غير المسودة الحكومية القديمة التي تعطي القوات اربع وزارات، والحزب التقدمي الاشتراكي الوزراء الدروز الثلاثة، و«المقايضة» مع رئيس الجمهورية في «العقدة» السنية، وهو لم يتلق حتى الان اي جديد من «المختارة» او «معراب» يفيد بتغيير موقفهما، كما لم يتلق من «بعبدا» «وميرنا الشالوحي»، ما يفيد ايضا بالتراجع عن القبول بمنح «القوات» اكثر من 3 مقاعد وزارية، مع استمرار رفض احتكار النائب السابق وليد جنبلاط «للحصة» الدرزية، ولهذا لا شيء لديه لتقديمه، وهو اذا زار بعبدا سيخرج كما دخل دون اي نتيجة تذكر... هذه الخلاصة حول «مراوحة» الوضع الحكومي التي تتحدث عنها اوساط «بيت الوسط»، خرقتها «بارقة امل» اطلت «برأسها» من الديمان حيث نجح البطريرك بشارة الراعي في وقف «السجالات» بين القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر، وجمع «عرابي» تفاهم معراب ابراهيم كنعان، وملحم رياشي، حيث تم التفاهم على تحييد «المصالحة المسيحية» عن الخلاف السياسي، والبدء بورشة صيانة «للتفاهم»، ولكن بقي الخلاف على حاله حول النقطة التي يجب ان يبدأ منها اصلاح «الاعطال»...وفيما لا تزال «الحرب» «التويتيرية» غير المسبوقة  متواصلة بين «الاشتراكي» والتيار»، ولا تزال الاسئلة تدور حول اسباب بقاء «العقد» الحكومية على حالها؟ وعن اسباب «نأي» حزب الله عن المساهمة الجدية في حلّها؟ تستمر السفيرة الاميركية اليزابيت ريتشارد في «مطاردة» الحزب والتحريض عليه في بيروت وآخر «رسائلها»: ابتعدوا عن الحزب؟!

 ريتشارد... والتحريض على حزب الله

وفي هذا السياق، افادت اوساط سياسية مطلعة على حركة السفيرة الاميركية في بيروت، ان ريتشارد ركزت خلال لقاءاتها وآخرها بالامس مع وزير الخارجية جبران باسيل على اعادة تعميم تصريحات وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو التي اكد فيها ان بلاده ستصعد من حربها على ايران و«ادواتها» في المنطقة وفي طليعتهم حزب الله، وفيما كررت السفيرة الاميركية اعتراض بلادها على دور الحزب في تولي ملف اعادة النازحين السوريين باعتباره تجاوزا لدور الدولة اللبنانية، «ما قد يضر بتعاون الامم المتحدة مع لبنان في هذا الملف».. كان لافتا تحريضها على «محاصرة» الحزب من تقديم نصائح «ودية» تحمل في طياتها نوعا من «التحذير» من استمرار الالتصاق بحزب الله، ونصحت بضرورة «الابتعاد» عنه مسافة «معقولة» كي لا تطال العقوبات الاميركية «غير المسبوقة» على ايران وحلفائها، اطرافا لبنانية حليفة للحزب...وبحسب تلك الاوساط، جولة ريتشارد التي لن يكون آخرها لقاء باسيل، تحمل «رسائل» واضحة من الخارجية الاميركية لشرح طبيعة المرحلة المقبلة، في محاولة منها لتهيئة الاجواء امام الاجراءات المالية المنوي اتخاذها من قبل الادارة الاميركية، وهي تواكب الاستراتيجية الجديدة التي وضعها مستشار الامن القومي جون بولتون ومعه وزير الخارجية مايك بومبيو وتنصح الجميع بالقول «الافضل في هذه المرحلة الابتعاد عن حزب الله»...؟!

 «العقد» الحكومية داخلية ام خارجية...؟

وفي الشان الحكومي، تؤكد اوساط وزارية بارزة ان لا شيء جديداً على هذا المسار، والقناعة تزداد يوما بعد يوم بان الابعاد الخارجية تلعب دورا في تأخير «الولادة»، والمعادلة القائمة حاليا يمكن اختصارها بالتالي: اذا كانت السعودية تخسر في المنطقة، والرئيس الاميركي دونالد ترامب ترامب يقر بفوز روسيا في سوريا، ورئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو يقر بانتصار الرئيس بشار الاسد فلماذا ستعطى الرياض انتصارا مجانيا على الساحة اللبنانية؟

 «استراتيجية» الحريري

ووفقا لتلك الاوساط، يبدو الرئيس الحريري اكثر واقعية من غيره، فهو لا يعتبر نفسه تحت الضغط بل يترك الامور تسير على هداها الى ان ينتهي «الكباش» القائم حاليا، وهو لا يريد ان يدفع اثمانا سياسية من «كيسه»، ولا يريد الاندفاع نحو مواجهة يمكن ان تفقده الدعم السعودي المستجد، او العلاقة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو يترك رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع يخوض معركته وحيدا، فاذا نجح بالحصول على  حصة وازنة، فهو سيضعها في حسابه لايجاد نوع من التوازن داخل الحكومة مع التيار الوطني الحر الذي يثير حفيظة الرئيس المكلف بمطالبه «غير المنطقية»، لكنه لا يجد نفسه مضطرا لخوض اي مواجهة مع العهد، ويترك للمواجهة المسيحية- المسيحية تأخذ مداها، وبناء على النتائج يقوم باحصاء الخسائر، والارباح «ليبني على الشيء مقتضاه.»..وفي هذا الوقت يكون قد تجنب «الصدام» مع الرياض التي تطالبه بحصة وازنة»للقوات» في الحكومة، وهو سبق ووعد بان لا يؤلف الا اذا كانت «معراب» ممثلة، وهذا التعهد لا يزال ساريا ولم يتراجع عنه، لكن الحصة المقدرة داخل الحكومة تبقى مفتوحة للنقاش، ويعتقد الرئيس المكلف انه سيصل الى اليوم الذي يقول فيه اننا «قاتلنا» الى ما لا نهاية، وهذا ما استطعنا الحصول عليه، وباسم «الواقعية» السياسية وخطر انزلاق البلاد نحو ازمة اقتصادية وسياسية خطيرة سيمشي ومعه جعجع في حكومة «اقل الخسائر»...

 العهد لا يدفع «الثمن»...

اما من يقول ان العهد يدفع من رصيده، وهو المتضرر الاول من تاخير تشكيل الحكومة، فامر مبالغ فيه بحسب اوساط «بعبدا»، لان ما حصل من تأخير حتى الان يعتبر مقبولاً جدا ولم يتجاوز بعد «الخطوط الحمراء»، وخوض معركة لمنع الاخرين من  «سرقة» نتائج الانتخابات النيابية حكوميا، تستأهل هذه التضحية الزمنية «البسيطة» لان الارباح لاحقا ستكون كبيرة، وامام العهد نحو اربع سنوات مقبلة لتحقيق الانجازات التي يصبو اليها، واذا نجح الان في ازالة العقبات من امامه ستكون طريقه «معبدة» وخالية من «الالغام»، فالاستحقاقات المقبلة على درجة كبيرة من الاهمية وتحتاج الى تحصين العهد ومنحه الادوات اللازمة لخوض معركة انتخابات نيابية ناجحة في العام 2022، والتحضير جيدا للاستحقاق الرئاسي المقبل، والسير بالخطط الاقتصادية دون اعتراضات جدية وعراقيل من بعض الذين يحاولون المزايدة على الرئيس ومعه التيار الوطني الحر، فضلا عن الاستحقاقات الخارجية والاخرى المرتبطة بها كملف النازحين، ومسألة العلاقة مع دمشق...ولهذا كله التشدد القائم حاليا من قبل وزير الخارجية جبران باسيل ومن خلفه رئاسة الجمهورية يبدو منطقيا، «ولعبة الوقت» لا تزال «تلعب» لصالح العهد، وذلك على عكس ما يظن الكثيرون...
   
 لماذا لا يتدخل حزب الله؟

اما لماذا ينأى حزب الله بنفسه عن ممارسة الضغوط  لتحريك عجلة التشكيل الحكومي؟ فسؤال يبدو بنظر مصادر مقربة من الحزب في غير مكانه، لان السؤال المناسب الذي يجب ان يطرح في الوقت الراهن، هو لماذا يتدخل حزب الله، وليس العكس؟ والمفارقة في هذا السياق، انه اذا تدخل تعلو الاصوات المعترضة على تدخله، واذا تعمد «الحياد» تبدأ التساؤلات حول اسباب سكوته...! وبحسب تلك الاوساط لا تبدو مصالح الحزب السياسية في خطر وكل العقد الحكومية الحالية لا تتعارض مع رغباته، فالحلفاء في التيار الوطني الحر يخوضون عنه معركة «تحجيم» القوات اللبنانية التي باتت عنوانا للمصالح السعودية على الساحة اللبنانية، واذا ما تمكن «التيار» من «عقلنة» دورها وحجمها في الحكومة المقبلة لن يكون الحزب «منزعجا»... طبعا لا يوافق على سياسة «عزل» أحد، ولا يرغب في «احراج» «القوات» «لاخراجها»، لانه يدرك مخاطر سياسة الاقصاء ولا يريدها، لكنه لا يرغب بانفلاش «متضخم» لدور «معراب» التي تفاخر بانها باتت الحليف الاول للرياض في لبنان، واذا كانت المملكة تخسر في المنطقة، فليس منطقيا ان يأخذ حلفاؤها في لبنان جوائز ترضية لا يستحقونها، وهذا ما يجعل الحزب «مرتاحا» لمعركة «التيار» على المستوى المسيحي، مع ادراكه المسبق ان العقدة السنية قابلة للحل بالتفاهم بين رئيسي الجمهورية والحكومة، اما «العقدة» الدرزية فلا يعتبرها قضيته، فمن جهة ينحو رئيس الحزب الاشتراكي نحو سياسة اكثر «عقلانية» ولم يعد في وارد خوض مغامرات «انتحارية»، وذلك على الرغم من «المكابرة» في الملف السوري، وعلى الضفة الاخرى ادى تراكم «الاخطاء» الى تراجع العلاقة مع النائب طلال ارسلان الى حدودها الدنيا، ولم يعد الحزب معنيا بخوض معركة  «لحفظ» حقه في التركيبة الدرزية، ولذلك كيفما انتهت عليه الامور في هذا الملف لن يكون الحزب «منزعجا»...

 «قناعة» قواتية بوجود «عقد» اقليمية...

وتلفت اوساط سياسية مطلعة على موقف «القوات»، الى ان الدكتور سمير جعجع «مقتنع» بان الوزير جبران باسيل لا يخوض فقط معركة الرئاسة المقبلة معه، بل يدرك ان ثمة اموراً اخرى تقف وراء الصراع «القائم» على «الحصة» المسيحية، وهو يدرك ان ثمة بعدا اقليميا في المعركة الدائرة لمحاصرة «القوات»، ولا يخفي امام زواره وجود معطيات دامغة لديه تفيد بان «الحرب» على «معراب» يخوضها التيار الوطني الحر نيابة عن محور قائم بذاته يحاول استثمار نتائج الانتخابات النيابية في الحكومة، لاجهاض النتائج التي حققتها «القوات» والتي سمحت لها بان تكون لاعبا رئيسيا على الساحة المسيحية، لكنه عمم على قياداته عدم اثارة الملف من هذه الزاوية، لسببين، الاول حصر المعركة ببعدها المسيحي يعطيه «ورقة» مهمة في «الكباش» الدائر، عنوانها تداعيات الخوف من سقوط المصالحة المسيحية مع ما تعنيه من عودة الى الانقسام المسيحي الذي يضعف العهد ولا يقويه، ويضعف قدرة المسيحيين على مقارعة من يحاول «مد يده» على حقوقهم، وهو امر جاء بنتائج ايجابية حتى الان، وكان لدخول بكركي القوي على «الخط» احد مؤشرات النجاح... اما المسألة الثانية فلها علاقة «بصورة» «القوات» وموقعيتها، وفي هذا السياق لا يرغب «الحكيم» في اظهار «معراب» كجزء من معركة اقليمية لا يعرف طبيعة نتائجها، ولا يريد توريط نفسه علنا في «مغامرة» غير محسومة النتائج، خصوصا ان نتائج المواجهة الاميركية مع ايران غير واضحة، والتطورات في سوريا لا «تبشر بالخير»... وهو معني على المستوى الداخلي ايضا بعدم اظهار ان رغبة الجميع في «اضعاف» «القوات»، فحصر المواجهة على المستوى المسيحي تبقى اقل ضررا، ومن هذا المنطلق يسعى جعجع الى تعزيز العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري،والتخفيف من حدة «التوتر» مع حزب الله، وكان لافتا عدم «التصويب» على مسؤولية الحزب عن عرقلة التشكيل، وكذلك تصديه لمسألة اعادة النازحين الى سوريا... وفي المقابل يحافظ على مسافة «معقولة» في التمييز بين العهد ورئيس الجمهورية، وبين التيار الوطني الحر، وهو يعمل على استعادة الثقة الكاملة مع الرئيس سعد الحريري...

 لقاء «الصيانة» في الديمان
في هذا الوقت استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي في الصرح البطريركي في الديمان، «عرابي» تفاهم «معراب» وزير الاعلام ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان، وعقدت خلوة استمرت نحو ثلاث ساعات تخللتها مأدبة غداء استمرت المحادثات خلالها، وبعد اللقاء المطول تلا مسؤول الاعلام في الصرح المحامي وليد غياض الرسالة التي حملها البطريرك الى العرابين، وجاء فيها تأكيد المصالحة التاريخية الأساسية التي تمت بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وعدم تحويل أي اختلاف سياسي بينهما إلى خلاف، والتشديد على أن تستكمل بالتوافق الوطني الشامل...وقف التخاطب الإعلامي الذي يشحن الأجواء ويشنجها على مختلف المستويات السياسية والإعلامية بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي كافة..  دعوة الطرفين إلى وضع آلية عمل وتواصل مشترك لتنظيم العلاقة السياسية بينهما تدوم، وألا تكون آنية ومرهونة ببعض الاستحقاقات، على أن تشمل جميع الأفرقاء من دون استثناء... الاسراع في تشكيل الحكومة وفق المعايير الدستورية لما يشكل التأخير في ذلك من ضرر فادح يطال عمل المؤسسات العامة والخاصة كافة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 «الخلاف» مستمر...

وبحسب اوساط مطلعة على اجواء اللقاء، برّد دخول بكركي على خط «الوساطة» الاجواء، لكنه لم يذلل العقبات التي تعترض العلاقة بين «التيار» و«القوات»، والامر الجيد براي تلك الاوساط ان النقاش في ظل اجواء هادئة يمكن ان يؤدي الى النتائج المرجوة، بعيدا عن «الصخب» السياس والاعلامي، لكن الخلاف ما يزال قائما حول مبدأ اساسي يتعلق من اين تبدأ «صيانة» هذه العلاقة، «فالقوات» ترى ان اولى بوادر حسن النية تكون من خلال اقرار «التيار» بحقوقها الوزارية وفق معيار نتائج الانتخابات النيابية، في المقابل لا تزال «القناعة» في «ميرنا الشالوحي» على حالها لجهة الفصل بين المحافظة على المصالحة المسيحية وبين الملف الحكومي، وهي ترى ان «صيانة» التفاهم تحتاج الى الوقت وهذا سيكون متاحا بعد تشكيل الحكومة، وهذه نقطة خلاف جوهرية لا تزال تحتاج الى المزيد من الجهد لانطلاقة جدية للحوار الثنائي الذي سيتوج  بلقاء بين جعجع وباسيل... اذا ما زللت العقبات.