خاب رهان الاليزيه على الثأر من واترلو. الفرنسي قد ينسى لون الملابس الداخلية لعشيقته لكنه لا ينسى ما فعله الدوق أوف ولينغتون بنابليون بونابرت.
فصل آخر من فصول الغروب الانكليزي. أين هي كرواتيا، ومن هي كرواتيا، لكي تهز عرش الملكة حين هزت شباك الفريق البريطاني في المونديال الروسي؟ دولة قد تكون خالية من التاريخ لو لم يوجد فيها الماريشال جوزف بروز تيتو.
ذلك الماريشال الرائع الذي اذ قاوم الغزو النازي، قبل ماو تسي تونغ، وفي ظروف أكثر تعقيداً، وقف في وجه الحاضرة (القاطرة) السوفياتية. داخل ذلك البلقان الذي هو خط النار بين الاديان والاتنيات، أقام يوغوسلافيا الاتحادية.
قد تسألون كيف يمكن لكرواتي، وحيث الترسانة الكاثوليكية أن يكون زعيم الصرب الارثوذكس القساة؟ شاءت الصدفة أن يكون تيتو كرواتياً وارثوذوكسياً في آن.
التمثال الذهبي سيبقى للاوروبيين. بدا الأرجنتيني مارادونا وكأنه كيس من الأفيون ملقى على كرسي من البلاستيك. بلهجة كئيبة قال نيمار «في رقصة السامبا ليس ثمة من راقص واحد». أقدام البرازيليين لم تعد تلاعب الرمال وتتسلق رغيف الخبز. شيء ما انكسر. قيل ان تمثال السيد المسيح في الريو انحنى قليلاً.
الأوروبيون بحاجة الى تلك اللحظة ليفهم السيد الأميركي «اننا ما زلنا هناك». لا، لا هناك تعني أميركا. المسيح ظهر هناك. قام هناك. لا شيء سوى أميركا حتى ولوقال أوبير فيدرين « أيها المستر ترامب، انت لا ترقص الفالس مع الدمى».
ذاك رجل فظ، ماركنتيلي. لا شيء في مخيلته سوى صورة شايلوك في مسرحية شكسبير «تاجر البندقية». انه يقتطع من لحوم الآخرين. لا ثقافة سوى ثقافة الأرقام. هذا هو «المفهوم اللاهوتي» للأمبراطورية، وليبق بنيامين فرنكلين وتوماس جيفرسون، وأبراهام لنكولن، وجون شتاينبك، ولتبق جين فوندا وأودري هيبورن تحت التراب.
الأوروبيون لا يستطيعون أن يرفعوا الصوت أكثر. لا يكترث بقولهم «لسنا حديقة الديناصورات». بفصفاقة تكلم ستيف بانون عن العجوز الشمطاء بأحمر الشفاه.
الزمن الأمبراطوري انقضى. هذا منطق الأزمنة (قد يكون منطق ابن خلدون). لكن القارة العجوز ما زالت تمتلك كمية لا يستهان بها من الخيال.
صحيح أن رجالاً مثل رينيه ديكارت، أو ايمانويل كانط، أو فريديريك هيغل، أو توماس هوبز، يقبعون من قرون في قبورهم ، لكنهم باقون في اللاوعي. يتوهجون، بفلسفاتهم الفذة، في اللاوعي.
قد يكون الأوروبيون بحاجة الى رجل معتوه مثل دونالد ترامب ليهز عظامهم. عليهم أن يقاتلوا، بعظامهم، عن وجودهم وعن تألقهم، بعدما بدا أن آسيا ستكون المسرح الأمبراطوري في هذا القرن. الاقتصاد الصيني قد يقفز، في اي لحظة، فوق الاقتصاد الأميركي. الهند تحل محل فرنسا في المرتبة السادسة عالمياً.
من قال ان قوة أميركا تقتصر على الأرمادا العسكرية؟ في كل مكان فرضت «أسلوب حياة»، لا بل أنها غيّرت «مفهوم الحياة». من الهوت دوغ الى الشبكة العنكبوتية، ومن سروال الجينز الى رقصة الروك اند رول، ومن الأقدام التي تطأ سطح القمر الى شفتي مارلين مونرو اللتين فتنتا يوليوس قيصر، وهو في مكان ما من العالم الآخر.
لكنه دونالد ترامب. فوضى لكأنها الزلزال في العلاقات الدولية. وصف أنغيلا ميركل بـ «الرهينة الروسية» لأنها تعتمد على الغاز الروسي لا على الغاز الأميركي، ثم تغزل بفلاديمير بوتين، وقد يكون «زواج القرن» في هلسنكي.
صراخ (المفجوعين) في اوروبا. ترامب طلب من رفاق الأطلسي رفع نفقاتهم العسكرية الى أربعة في المئة من الناتج المحلي. باستثناء ألمانيا، كل الدول الأوروبية تعاني من التقهقر الاقتصادي. في احد تعليقات «اللوموند» «ذاك الرجل يراهن على البطون الفارغة وعلى الرؤوس الفارغة».
الحيرة الأوروبية في ذروتها. الصينيون يدقون ابواب الشرق الأوسط. ترامب الذي تعامل مع المنطقة على أنها مغارة علي بابا قد لا يترك لهم سوى العظام. القى بصخرة هائلة في البحيرة.
... وقال من يمسك بانابيب الغاز يمسك بالكرة الأرضية. ألهذا السبب تتحطم دولنا الواحدة تلو الأخرى؟!