شكّلت خارطة الطريق التي رسمتها بكركي في سياق المقاربة الفاتيكانية لواقع المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط، محطة بارزة في التعاطي الواجب اتباعه من قبل القيادات المسيحية، كما الإسلامية في لبنان، مع التهديدات التي يتعرّض لها هذا الوجود، والتي تحدّث عنها الفاتيكان أخيراً في معرض الدعوة إلى بناء الوحدة الداخلية المسيحية - الإسلامية، بعيداً عن أية ثنائيات أو ثلاثيات سياسية، سواء على المستوى المسيحي الداخلي، أو على المستوى المسيحي ـ الإسلامي. وفي معرض الحديث عن العناوين التي ناقشتها خلوة مسيحيي الشرق في الكرسي الرسولي في روما الأسبوع الماضي، لاحظت أوساط نيابية مواكبة، أن ترجمة الموقف الرسمي للفاتيكان من هذه القضية، يستدعي التركيز على خيارات سياسية ذات طابع وطني من قبل القيادات الروحية، كما السياسية، في لبنان، وعلى مستوى كل الطوائف من دون استثناء، كون أي أزمة داخلية في البيت المسيحي لا بد وأن تنعكس عاجلاً أم آجلاً على البيت الوطني اللبناني العام، وهو ما تشهده الساحة السياسية اللبنانية في هذه المرحلة، في ضوء المأزق الذي تمر به عملية الإنطلاق في تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي هذا المجال، يأتي الدور المتقدّم لبكركي في تدوير زوايا الخلافات على الساحة المسيحية، كخطوة ضرورية تشكّل معبراً إلى تفكيك العقد البارزة أمام انطلاقة حكومة العهد الأولى، كما تؤكد الأوساط نفسها، حيث أن تبريد الأجواء جاء في إيقاع واحد ما بين البطريرك الماروني بشارة الراعي ورئيس الجمهورية ميشال عون من جهة، والرئيس المكلّف سعد الحريري من جهة أخرى. والهدف هو واحد لدى الجانبين، ويتمحور حول المساهمة في اتخاذ خطوات سريعة لإنقاذ البلاد من أي انهيار نتيجة الأزمات السياسية، أو الفراغ في السلطة التنفيذية، وذلك على الرغم من وجود حكومة لتصريف الأعمال تعمل بكل طاقتها لمواجهة الكمّ الكبير من المشاكل الحياتية والإقتصادية الماثلة أمامها منذ ما قبل دخولها في مرحلة تصريف الأعمال هذه.
وبالتالي، فإن العنوان الرئيسي المرفوع حالياً لدى الكنيسة، يُختصر بكلمة واحدة ذات مضامين عدة وطنية في الدرجة الأولى، ومسيحية في الدرجة الثانية، وهي كما حدّدتها الأوساط المطلعة ب«الشراكة» في الداخل المسيحي، كما في الداخل اللبناني العام، وذلك بعيداً عن أية ثنائيات، بل من خلال تنوّع ينطلق من الساحة المسيحية الداخلية إلى الساحة السياسية الوطنية، لتكون أية تفاهمات وطنية ومتنوّعة تشمل كل الأطراف والطوائف، وكذلك تكون المصالحة أوسع من مصالحة فريقين سياسيين أو حزبين، لترتقي إلى مستوى المصالحة الوطنية الضرورية من أجل العبور إلى تمكين لبنان من لعب دوره المتميّز في المنطقة، وتجسيد النموذج الفعلي للتعايش والشراكة ما بين أبنائه جميعاً.
وانطلاقاً من هذا الجو، يأتي سياق الرسالة التي وجّهها بالأمس البطريرك الماروني بشارة الراعي بالأمس، والتي تدعو إلى الإسراع في تشكيل الحكومة وفق المعايير الدستورية، وبعيداً عن أية خلافات مهما كان نوعها، ولا سيما الخلافات الداخلية بين المسيحيين، كون التأخير في معالجة العراقيل والعقد الكثيرة، يشكّل ضرراً فادحاً على كل الأطراف، وليس فقط على فريق معيّن دون غيره، حيث اجتمع الراعي في الصرح البطريركي في الديمان عرابي المصالحة المسيحية وزير الاعلام ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان، وعقدت خلوة استمرت نحو ثلاث ساعات تخللتها مأدبة غداء استمرت المحادثات خلالها.
وبعد اللقاء المطول تلا مسؤول الاعلام في الصرح المحامي وليد غياض الرسالة التي حملها البطريرك الى العرابين، وجاء فيها:
1- «تأكيد المصالحة التاريخية الأساسية التي تمت بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وعدم تحويل أي اختلاف سياسي بينهما الى خلاف، والتشديد على أن تستكمل بالتوافق الوطني الشامل.
2- وقف التخاطب الاعلامي الذي يشحن الأجواء ويشنجها على مختلف المستويات السياسية والاعلامية بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي كافة.
3- دعوة الطرفين الى وضع آلية عمل وتواصل مشترك لتنظيم العلاقة السياسية بينهما تدوم، وألا تكون آنية ومرهونة ببعض الاستحقاقات، على أن تشمل جميع الأفرقاء من دون استثناء.
4- الاسراع في تشكيل الحكومة وفق المعايير الدستورية لما يشكل التأخير في ذلك من ضرر فادح يطال عمل المؤسسات العامة والخاصة كافة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية».
ثم تحدث كل من الرياشي وكنعان واكدا ان البطريرك حمّلهما النقاط الاربع لنقلها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر ورئيس القوات اللبنانية.
واكد الرياشي ان «الاختلاف مذكور في اعلان النيّات بيننا وبين التيار الوطني الحر الى حدّ ما، ولكن اي انعكاس على هذا الاختلاف على الارض ليس وارداً لا من قريب ولا من بعيد بأيّ شكل من الاشكال، وشدد على ان المصالحة اعادتنا من غربة كنا نعيش فيها الى وطن نأمل ان يبقى ونعيش فيه الى الابد، نحن واحفادنا واولادنا».
اما كنعان فقال: ان المصالحة بالنسبة الينا مقدسة وخط احمر تمت وانتهت ووضعناها خلفنا، ولكن هذا لا يعني اننا حزب واحد، نحن حزبان ولكل آرائه المتنوعة، وتوجّه الى اللبنانيين الخائفين قائلاً: لا تخافوا، لن نعود الى الوراء، الحكومة تقطع واستحقاقات كثيرة تقطع ولكن المصالحة باقية.
واكد ان هذا اللقاء سيكون له متابعة، والبطريرك يهمّه جداً ان يكون هناك حضور مسيحي مؤثر على مستوى الوطن، وهذا الامر في حاجة الينا نحن الاثنين والى غيرنا.