مرة اخرى أعود الى صفحات الماضي الغني، أستعير منه أحداثاً ورجالات مضوا، اضعها بتصرّف اليوم، ليستفيد الطقم السياسي في كيفية تعامل الكبار المتخاصمين، مع حالات معيّنة، بكثير من الترفّع والانسانية والاخلاق.
الخلاف السياسي العميق بين المرحومين ريمون اده وبيار الجميل، كان يشهد احيانا، حدّة في التعبير، لكنه لم يرتفع يوماً الى الشخصي، ولا الى الشتائم، ولا الى العداء، واكبر برهان على الاخلاقية السياسية لدى العميد ريمون اده، برزت بابعاد ثلاثية يوم صدمت احدى الشاحنات الشيخ بيار، ونقل بحالة الخطر الى احدى المستشفيات، وكان العميد اده من اوائل الواصلين للاطمئنان الى الجميل.
بيت القصيد، ليس هنا، بل في حديث لريمون اده بعد الحادث الى احدى الصحف، قال فيه «بكيت مرتين في حياتي، حين توفيت والدتي، وحين سمعت بخبر دهس الشيخ بيار الجميل».
الحالة الثانية، حصلت في بدايات التوتر الذي سبق اندلاع الحرب في لبنان، حين استهدفت عبوّة ناسفة سيارة الرئيس كميل شمعون، وكان يومها على خلاف سياسي حاد مع الشيخ بيار، ولكن الجميّل سارع الى الاطمئنان على صحة شمعون وصرّح مستنكراً بشدة محاولة الاغتيال.
الحالة الثالثة التي تشهد على كبر رجالات الماضي وترفّعهم عن القيام بأي تصرّف يسيء الى الوضع المسيحي او الوضع الوطني، موقف شمعون ممّا سمّي بمجزرة الصفراء، حيث سارع الى الاتصال بالشيخ بيار، وبالشيخ بشير الجميّل، مؤكداً على وحدة المسيحيين والجبهة الوطنية.
* * * *
الجنرال ميشال عون، والدكتور سمير جعجع، أخذا وقتاً طويلاً ليتصالحا، ربما بسبب ظروف نفي الاول واعتقال الثاني، ولكن من غير المسموح ان يسمحا بموت المصالحة التي وصفت بالتاريخية.
ومن غير المنطقي، ان يبقى اللبنانيون حائرين، ويتساءلون «هل الخلاف هو بين جعجع وجبران باسيل، او بين جعجع والرئيس عون؟»!.
وهل تستحق لعبة المناصب الوزارية ان تزنّر الخلافات، الطوائف كلها، وفي مقدمها الطائفة المسيحية، وتستعر مع الدروز، وهي كالجمر تحت الرماد مع الطائفة السنيّة؟!
هل اصبح طبيعياً ان يتجرّأ أولاد السياسة على كبارنا، الذين لهم دور كبير في هذا الوطن؟!
لماذا لا تطبّق سياسة النأي بالنفس داخلياً، ونترك للطوائف ان ترفع من تشاء، دون تدخل من اي طائفة اخرى، طالما ان نظامنا هو نظام طائفي؟!
* * * *
التهدئة التي اعلنت بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، يجب ان تشمل ايضاً تيار المردة، والحزب التقدمي الاشتراكي، وتيار المستقبل، الغاضب على محاولات الانتقاص من صلاحيات رئيس الحكومة.
لتشمل التهدئة والمصالحة، جميع اللبنانيين، لأن هناك يا فخامة الرئيس عون، قنابل موقوتة، قد تفجّر العهد، إن لم تعالج، والمصالحات الحقيقية خير وسيلة لتفكيكها.