تغيرت الظروف في المنطقة وانقلبت المقاييس، والمؤامرة التي بدأت منذ 7 سنوات لإسقاط نظام الرئيس بشار الاسد وضرب نظام الممانعة في سوريا ضد الصهيونية وضد مخطط الخليج للتطبيع مع اسرائيل سقطت. وانتصر الرئيس الاسد وانتصر نظام الممانعة في سوريا، كما انتصر في العراق. لكن الانتصار الاهم هو في سوريا حيث ان الجيش العربي السوري اجتاح جنوب سوريا، والان يطوق درعا. وما هي الا ايام حتى يكون الجيش العربي السوري قد سيطر على اهم مدينة في الجنوب هي درعا على حدود الاردن. كما ان الاردن الذي كان داعما للمؤامرة ضد سوريا تغير موقفه وقام بضرب التكفيريين وساعد على فتح ممر باب نصيب الطريق الدولي الذي يربط سوريا بالاردن، وبالتالي بالخليج العربي. وهنالك الاف الشاحنات التي تنتظر على الحدود في سوريا والاردن لتبدأ بالعبور ذهابا وايابا لنقل البضائع، بعدما توقفت 3 سنوات دون نقل البضائع من لبنان الى سوريا والعراق والخليج والاردن.

انتصر الجيش العربي السوري في الجنوب، واجتاح مناطق السويداء وجبل العرب وطوق مدينة درعا الكبيرة واصبحت على مشارف السقوط ودخول الجيش العربي السوري اليها، لينطلق بعدها باتجاه سفح جبل الجولان للوصول الى خط الفصل الذي تم اقراره بموجب قرار مجلس الامن الذي صدر اثر حرب 1973 التي جرت بين الجيش السوري والجيش الاسرائيلي. واستطاع يوم ذاك الجيش السوري اجتياح الجولان، لكن الجسر الجوي الاميركي من المانيا الى اسرائيل وتوقف السادات عن الحرب في ممرات مثل سينا وترك الجيش العربي السوري وحده، اعاد الجيش الاسرائيلي الى التقدم باتجاه الجولان واحتلال مناطق. وهكذا توصل الطرفان عبر قرار لمجلس الامن الى وضع قرار الفصل بين الكيان الصهيوني الذي يغتصب جزءاً من هضبة الجولان، فيما الجيش العربي السوري استطاع الحفاظ على مناطق من الجولان واجبر العدو الاسرائيلي من الانسحاب من القنيطرة حيث قام بتدميرها وهي اكبر مدينة في الجولان. وابقى الرئيس حافظ الاسد رحمه الله على ما فعلته الهمجية الاسرائيلية وقام بإعمار جزء من القنيطرة هي القنيطرة الجديدة ليشهد العالم على تدمير القنيطرة وعلى بربرية الجيش الاسرائيلي.

هذا الوضع في سوريا سينعكس على لبنان وسوريا التي اصابتها الخناجر من الاردن والخليج والسعودية والامارات وحتى قسم من العراق. لكنه عاد ولبى النداء القومي ووقف مع الحشد الشعبي، اضافة الى وقوف ايران ووقوف الجيش الروسي مع سوريا. لكن اهم محور هو دخول المقاومة عبر حزب الله الى سوريا ووضع طاقاتها الى جانب الجيش العربي السوري. وخاضوا اعنف المعارك وهزموا التكفيريين الذين ارسلهم الخليج لكي يهزموا سوريا ويسقطوا خط الممانعة، لكن خط الممانعة انتصر وهزم المشروع، وعلى رأسه محمد بن سلمان. واليوم ينتصر نظام الرئيس السوري بشار الاسد على التكفيريين بخاصة في جنوب سوريا ليفتح الحدود مع الاردن ويتجه صعودا نحو الجولان.

هذا الوضع الاقليمي لم يتكلم عنه احد الا «الديار». والمعلومات الاكيدة هي ان سوريا لن تسمح بقيام حكومة وسطية في لبنان تكون ضعيفة ولا تقف في وجه المؤامرة. ولذلك فان اي حكومة يفكر الرئيس الحريري في تشكيلها تكون وسطية ولا يكون بيانها ممانعاً وضد العدو الاسرائيلي ويجعل لبنان دولة ممانعة والوقوف في وجه العدو الاسرائيلي، فان هذه الحكومة لن تولد في لبنان نتيجة الانتصار السوري. وبالتالي، عليها ان تكون صاحبة بيان وزاري ضد العدو الاسرائيلي ومع الممانعة وضد التطبيع الذي يقوده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع دول الخليج التي تدور في فلك الصهيونية وفلك اميركا. واكبر دليل على ذلك، هو اعلان اميركا ان القدس هي عاصمة الكيان الصهيوني. والان يجري التحضير لاعلان «صفقة القرن» التي تؤدي الى تصفية المسألة الفلسطينية، وهذا لن يمر بأي شكل، فغزة ستقاتل والضفة وحزب الله سيقاتلان وسوريا والحشد الشعبي العراقي ايضا سيقاتلان، وهنالك الاف بل مئات الالاف من العرب الذين سيقاتلون في وجه اي صفقة قرن تؤدي الى تسوية المسألة الفلسطينية.

 الحريري امام مأزق حقيقي

هنا الرئيس الحريري المكلف التشكيل امام مأزق حقيقي، فزمن الحكومة الوسطية وحكومة النأي بالنفس والحكومة التي تراعي الولايات المتحدة او التطبيع مع العدو كما يريد محمد بن سلمان مع صهر الرئيس ترامب كوشنير فان الرئيس الحريري لن يستطيع تشكيل الحكومة ولا باي شكل من الاشكال حتى ولو وقف معه اطراف كثيرة سواء الوزير جنبلاط او العماد عون او التيار الوطني الحر او القوات اللبنانية او حزب الكتائب او حتى كتلة الوزير فرنجية او كتلة عكار او غيرها. فالحكومة المقبلة ستكون محكومة بخط الانتصار السوري الذي انتصر على خط المؤامرة ونجح في تثبيت الممانعة وقوتها على الارض. وسوريا التي ضربتها الخناجر العربية في خاصرتها لن تقبل اي حكومة في لبنان لا تكون حكومة مقاومة بكل معنى الكلمة. والبنود التي جاء بها الرئيس الحريري والتي تم استدعاؤه الي السعودية بسرعة، فان كل ذلك قد سقط والحكومة سيكون بيانها الوزاري بيان ممانعة وضد صفقة القرن وضد اعتبار مدينة القدس المحتلة عاصمة لاسرائيل وبيان وزاري بكل المعنى الكلمة يمثل مقاومة الشعب اللبناني ضد العدو الاسرائيلي.

هذه اول مرة تتم فيها الاشارة الى هذا الموضوع وتشير الىه «الديار» لانها استقت معلوماتها من مصادر عربية مطلعة، وبخاصة بعد انقلاب المقاييس في سوريا وانتصار الحشد الشعبي في العراق، اضافة الى صمود ايران في وجه العقوبات الاميركية، اضافة الى موقف روسيا التي لن تقبل ان تهيمن اميركا على الشرق الاوسط. واذا كان ترامب سيجتمع في 16 الحالي في هلسنكي مع الرئيس بوتين، فإن بوتين رفض الطلب الاميركي بخروج الايرانيين من سوريا، وقال: ان سوريا دولة ذات سيادة وهي تقرر من يأتي اليها ومن يكون عندها. كذلك اعلنت روسيا بالمناسبة انه في مجال التسلح، فان سوريا لم تطلب منظومة الدفاع صواريخ اس 300 المتطورة والقادرة على اسقاط الطائرات الاسرائيلية، ويعني ان روسيا جاهزة لتسليم سوريا المنظومة. والان يوجد في روسيا رئيس الوزراء نتنياهو وايضا الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وقد رفض عباس لقاء نتنياهو، لذلك قرر نتنياهو حضور مباراة كرواتيا مع انكلتراالتي انتهت بفوز كرواتيا 2 ـ 1، على ان يحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم 15-7-2018، المباراة النهائية لكأس العالم بين  فرنسا وكرواتيا.

وبالمناسبة جمهور موظفي «الديار» هم مع فريق كرواتيا.

 ظاهر الحكومة سني ـ شيعي ـ درزي وباطن الازمة مسيحي

بالنسبة الى تشكيل الحكومة زار الوزير جنبلاط الرئيس الحريري، كذلك الوزير غازي العريضي مفتي الجمهورية اللبنانية عبداللطيف دريان، وصرح الوزير العريضي انه ليس من عقدة عند الدروز بل هي عند الحكومة. وبالتالي فان الوزير جنبلاط الذي حاز الاكثرية الدرزية هو الذي يختار الوزراء الثلاثة من الموحدين الدروز وفق تفسير الوزير العريضي. لكن في المقابل، فان حزب الله يؤيد توزير الوزير طلال ارسلان، غير ان الثنائي الشيعي لن يخوض معركة في هذا المجال بل يعطي رأيه في توزير النائب طلال ارسلان. انما القضية اصبحت على رأي القيادة السورية، فالرئيس بشار الاسد واللواء ماهر الاسد يؤيدان توزير طلال ارسلان، والقضية اصبحت بين القيادة السورية والوزير جنبلاط الذي قرر ان لا يخضع الى القيادة السورية.

هذا على ما يقال في الاوساط السياسية سواء في الطائفة الدرزية ام حول الرئيس سعد الحريري ام حول الرئيس العماد ميشال عون. وبالنسبة لفخامة الرئيس عون، فهو يطالب بحصة من 4 وزراء وقد يكونون من عدة طوائف، واذا نال وزيراً سنياً من حصته، فانه سيقدم وزيراً مسيحياً ارمنياً الى الرئيس سعد الحريري، لكن كتلة الرئيس عون هي اربعة وزراء، فاذا طالبت القوات اللبنانية ان تكون حصتها اربعة وزراء يعني انها تأخذ اكثر من حصتها وفق رأي التيار الوطني الحر الذي سيطالب اذاك بسبعة وزراء بدلاً من 6،  لان التيار يعتبر ان حصته 7 وزراء كون كتلته النيابية تضم 29 نائبا، وهم غير الوزراء الاربع من حصة الرئيس ومن خارج اي كتلة نيابية، وهم من خلال مبدأ حصة رئيس الجمهورية، وعندئذ سيكون الرئيس والتيار الوطني الحر يملكان الثلث الضامن وهم 11 وزيرا من اصل 30. وقد علق مصدر نيابي في 14 اذار على ذلك بالقول: الثنائي الشيعي وجنبلاط وغيرهم لم يحصلوا على الثلث الضامن في اي حكومة شكلت الا ضمن اتفاق شامل، لكن حصول التيار والرئيس على 11 وزيرا من اصل 30 سيكون امرا غريبا. ويقول مصدر في القوات اللبنانية ان القوات عندها ستطالب بزيادة عدد وزرائها، ومن قال انها ستوافق على 4 وزراء  فقط ومن بينهم وزارة سيادية؟ اما وزارة الدفاع او الداخلية او الخارجية او المالية، هذه المطالب من قبل التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية من الصعوبة ان تتحقق، لذلك فالحكومة ليست سهلة التأليف ومنهم من يقول انها ستبقى حتى عيد الاضحى في 21 اب المقبل.

التمثيل الدرزي

وفي مجال التمثيل الدرزي، اعلن الرئيس سعد الحريري، انه وفق الدستور، المكلف الحقيقي تشكيل الحكومة هو الرئيس سعد الحريري، وهو من يعرضها على الرئيس ومن حق الرئيس ان يرفض احد الوزراء، ولكن ليس من حق رئيس الجمهورية تأليف الحكومة، وعند رفض الرئيس احد الوزراء، يقوم الرئيس المكلف توزير وزير اخر بديلا عن الاسم الذي رفضه رئيس الجمهورية. وان الحق الدستوري الوحيد لرئيس الجمهورية هو رفض توقيع تشكيل الحكومة ولا يحق له تأليف الحكومة لان الرئيس الذي اختاره النواب هو الذي يقوم بتأليف الحكومة فقط.

اما بالنسبة الى التمثيل السني، فليس هنالك عقدة كبيرة. وقد ينال رئيس الجمهورية نائباً سنياً يعينه مقابل حصول الرئىس الحريري على وزير مسيحي من المرجح ان يكون من الطائفة الارمنية. وبالنسبة للطائفة الشيعية، لا مشكلة فالوزراء الستة الذين يمثلون حركة امل وحزب الله تم اختيارهم ولا مشكلة في هذا المجال، لذلك يمكن القول ان ظاهر الحكومة مشاكل متعددة الطوائف انما باطن المشكلة الفعلية هي المشكلة المسيحية في التمثيل الوزاري المسيحي. وفي نهاية الامر فان القوات اللبنانية لم تتراجع عن مطلبها بحصة وزارية حسب حجمها ومن بينها حقيبة سيادية. وفي المقابل رد مصدر في التيار الوطني الحر انه اذا كانت القوات تطالب بزيادة حصتها من 3 الى 4 وزراء مع حقيبة سيادية، فان التيار الوطني الحر سيطالب بـ7 وزراء وفقا لحصته التي هي 29 نائبا، على ان ينال فخامة الرئيس 4 وزراء، وهذا خارج التعداد الوزاري وهي قيمة وهيبة لفخامة رئيس الجمهورية ان تكون حصته 4 وزراء من عدة طوائف.

 ولادة الحكومة غير قريبة

في ظل هذه الاجواء، وفي ظل الحرب التي يقودها الجيش العربي السوري في جنوب سوريا، وقد فتح مبدئيا ممر معبر نصيب بينه وبين الاردن، وقد صادر الاف الصواريخ الفرنسية المضادة للدروع، كما بدأ يتجه نحو سفح جبل الجولان ليصل الى خط الفصل كما طلب رئيس وزراء العدو نتنياهو لتنفيذ قرار مجلس الامن، لكنه يعترض على الوجود الايراني كليا في سوريا، انما سوريا ترفض الطلب الاسرائيلي لعدم وجود ايرانيين في سوريا، ولذلك فسوريا ستبقي مستشارين عسكريين ايرانيين لديها.

كذلك ستبقى قوة من حزب الله في سوريا لقتال الارهابيين والتكفيريين، ووجوده في سوريا هو بطلب الحكومة الشرعية السورية والنظام السوري. ويبدو ان رئيس وزراء العدو نتنياهو ابلغ الرئيس الروسي بوتين انه ستشن غارات على مواقع الايرانيين وعلى مواقع حزب الله في سوريا. وفي المقابل، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الاميركية المطلعة جدا ان عدد الصواريخ التي يملكها حزب الله على الاراضي اللبناني وعلى اطراف الحدود اللبنانية ـ السورية هو 130 الف صاروخ، 70 بالمئة بعيد المدى ويصل الى تل ابيب وحيفا وبيسان ووادي عربا ورام الله ومناطق الجليل وكل مناطق فلسطين المحتلة.

 امكانية اندلاع مواجهة بين حزب الله والعدو الاسرائيلي

لذلك، فان لا شيء يمنع اندلاع حربا صاروخية قوية بين حزب الله واسرائيل اذا قامت بالقصف الجوي على مواقع لحزب الله او على نقل حزب الله صواريخ من ايران الى الاراضي اللبنانية او السورية. مع العلم ان حزب الله اصبح لديه صواريخ موجودة في لبنان وصواريخ موجودة في سوريا وسيطلق صواريخه من الاراضي اللبناني ضد العدو الاسرائيلي. كذلك سيطلق حوالى 35 الف صاروخ موجودة على اطراف الحدود السورية ـ اللبنانية على الاراضي المحتلة في فلسطين.

ويبدو ان اسرائيل وضعت كل ثقلها كي لا تقوم روسيا ببيع سوريا صواريخ اس .300 ومن هنا جاء تصريح وزير الدفاع الروسي ان سوريا لم تطلب من روسيا شراء منظومة الدفاع اس 300. لكن في خضم التحالف الروسي ـ السوري ومن خلال وجود قواعد عسكرية روسية في حميميم وفي طرطوس، باتت روسيا تتجه الى بيع سوريا منظومة الصواريخ اس 300 وربما منظومة الدفاع اس 400 للدفاع عن الاجواء السورية في اي حرب قادمة. رغم تهديد رئيس وزراء العدو الاسرائيلي نتنياهو بضرب منظومات الدفاع اس 300 واس 400 فور دخولها الاراضي السورية. لكن الرئيس بوتين لم يقبل هذا المنطق وقال ان روسيا ستكون مسؤولة عن ايصال منظومات الدفاع الصاروخي الى قلب الاراضي السورية ونصبها في وجه اي غارات او صواريخ تنطلق من اسرائيل ضد سوريا.

اخيرا، المشكلة الفعلية بين فخامة رئيس الجمهورية والدكتور سمير جعجع بشأن التمثيل المسيحي. ففخامة الرئيس يصر على الثلث الضامن، اي الحصول على اربعة وزراء من حصته و7 وزراء للتيار الوطني في حال طالبت القوات اللبنانية بمقعد اضافي عن 3 وزراء. بينما يرفض جعجع كليا هذا المنطق ويقول انه تم توقيع اتفاق معراب الذي وقع عليه الوزير جبران باسيل والدكتور سمير جعجع، وجاء فيه ان توزيع المقاعد الوزارية يكون مناصفة بين التيار الوطني والقوات اللبنانية، فيما قال الوزير باسيل ان الانتخابات النيابية هي التي تعطي النتائج الملزمة للتمثيل في الحكومة المقبلة عكس ما جاء في اتفاق معراب.

شارل ايوب