لماذا تبدو بكركي «غاضبة» و«مستاءة» من «الموت السريري» لتفاهم «معراب» بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر؟ ولماذا يعتقد الكاردينال بشارة الراعي ان القيادات المسيحية لا تحتاج الى «اعداء» فهي الاكثر  قدرة على التفريط بانجازات المسيحيين دون مساعدة من خارج الطائفة؟ وهل يمكن لكلام البطريرك من بعبدا حول عدم تأييده «للثنائيات» ان يجد الصدى المطلوب لدى «معراب» «وميرنا الشالوحي» لوقف «حرب» الرئاسة المبكرة؟
هذه الاسئلة لا تحتاج الى الكثير من عناء التفكير او البحث عن اجوبة، وفقا لاوساط نيابية مقربة من بكركي، فالبطريرك الراعي يشعر «بخيبة أمل» مرة جديدة، لان ما ظنت بكركي انه اصبح من الماضي عاد ليطل «بوجهه القبيح» مرة أخرى، والمشكلة عنوانها الابدي والازلي هو «كرسي» الرئاسة الذي لم يقتنع القادة المسيحيون بعد انهم لا يملكون سلطة تقريرية تمكنهم من تحديد هوية الرئيس... فلماذا اعادة «نبش القبور»؟ وخوض صراع على «وهم» فيما لا يزال في القصر الجمهوري رئيس «قوي» لا يزال في بداية عهده وجاء بعد مخاض سياسي عسير، وكان العامل الحاسم في وصوله الى بعبدا لا يرتبط ابدا بقوة المسيحيين الذاتية؟!.
ووفقا لتلك الاوساط، ينطلق الراعي في مقاربته لحل الازمة الراهنة بين «القوات» و«التيار» من خلال تحفيز الطرفين على عدم اضاعة الفرصة التي سمحت للمسيحيين في تحسين ظروف مشاركتهم في الدولة من خلال قانون انتخابي سمح لهم بتحسين قدرتهم التمثيلية بعد سنوات من التهميش السياسي... الناخب المسيحي قال كلمته في الانتخابات، ولذلك لا يغير مقعد بالزائد او الناقص في الحكومة الجديدة اي شيء من التوازنات السياسية القائمة، ولم يعد بامكان اي من الاطراف اداعاء «الهيمنة» على القرار المسيحي، فالشراكة هي افضل السبل لخلق التوازن مع الاخرين، بدل التلهي بمعركة اقتسام النفوذ والصراع على «مجد باطل»، لن يؤدي في نهاية المطاف الا الى اضعاف الموقف السياسي المسيحي في منطقة يتم فيها استهداف دور المسيحيين على نحو ممنهج، ولا يصح ابدا ان يعمل المسيحيون اللبنانيون على «رفس النعمة» التي ما يزالون يتمتعون بها في هذا البلد الصغير، وذلك على الرغم من وجود الكثير من الملاحظات ونقاط الضعف في النظام القائم، لكنه لا يزال يحفظ الحد الادنى من «الشراكة» غير الموجودة في اماكن ودول اخرى... فلماذا الاصرار على التمسك بهذه العقلية التي لا تتماشى مع طبيعة التطورات والمخاطر التي تحدق بالمنطقة بشكل عام والمسيحيين على نحو خاص؟
وبحسب تلك الاوساط، يذكر البطريرك الراعي دوما في مجالسه بحالة الفراغ الرئاسي التي استمرت لنحو عامين ونصف العام، وكيف آلت الامور في نهاية المطاف... ولذلك يرى انه من المبكر ان تبدأ معركة الرئاسة من الان، فهذا الامر بعيد عن «الاخلاق» المسيحية لانه من غير الجائز الدخول في صراع على «كرسي» غير شاغر في وقت من المقرر ان تجري الانتخابات الرئاسية في موعدها الطبيعي بعد نحو اربع سنوات... فهل من «عاقل» يتجاوز في حساباته هموم الناس التي لم يجف الحبر الانتخابي عن «ابهامهم» بعد، ويذهب بعيدا في غوض غمار معركة سياسية لم تنضج ظروفها بعد؟
وفي هذا السياق، لا تحمل بكركي اي من طرفي النزاع وحده مسؤولية الازمة الراهنة، وليست في صدد اعطاء «صكوك» براءة لاحد، او ادانة احد آخر، هي تحاول ابقاء «المصالحة» المسيحية على «قيد الحياة»، وتأمل بدور فاعل «وحكيم» من قبل رئيس الجمهورية الذي وعد بان يكون على مسافة واحدة من الجميع، وتعهد بعدم التفريط بما تحقق على صعيد «المصالحة المسيحية»...
وانطلاقا من هذه المعطيات، ترى اوساط وزارية بارزة ان المشكلة الراهنة ترتبط بشعور كلا طرفي الازمة «بفائض» من القوة يسمح له بالتصرف على انه قادر على فرض شروطه، رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، تمكن من الفوز بكتلة نيابية وازنة، بفعل حسن ادارة العملية الانتخابية، وبسبب اخطاء «كارثية» ارتكبها رئيس التيار الوطني الحر، لكن في المحصلة يعتقد «الحكيم» انه قادر على زيادة حصته الوزارية «كما ونوعا»... وهو استفاد من الظروف الداخلية والاقليمية ومن «ضعف» حظوة الرئيس سعد الحريري في السعودية ليتحول إلى رأس حربة للمملكة في لبنان، وهو يظن ان هذا الدعم يمنحه القدرة على وضع «الفيتوات» على تشكيل الحكومة، وكذلك يفتح له الطريق نحو بعبدا... ولذلك يرى ان الفرصة «الذهبية» متاحة اليوم لتحقيق التوازن مع التيار الوطني الحر، «وتكبيل» العهد بكتلة «قواتية» وازنة في الحكومة والمجلس، وهو يتمتع بدعم ضمني من الرئيس المكلف الذي يرى مصلحة شخصية في عدم «تضخم» حصة الرئيس ويحتاج «للقوات» لكبح جماح وزير الخارجية جبران باسيل الذي يحاول فرض شروطه عليه، وهذا ما يدفع الحريري الى التمسك بجملة واحدة مفادها» تفهموا ظروفي جيدا لا يمكن تأليف حكومة دون «القوات»!
في المقابل، يجد وزير الخارجية جبران باسيل ان الوقت قد حان للخروج من «تفاهم معراب»  الذي يتحول يوما بعد يوم الى «عبء» لانه منح رئيس «القوات» شرعية لا يرغب رئيس «التيار» في منحه اياها لاستثمارها في طرح نفسه مرة جديدة مرشحا رئاسيا قويا، ولذلك يريد من الان ان يخرجه من هذه الدائرة عبر وصمه «بخيانة» «التفاهم»، واعادة التشكيك به مسيحيا، وتقديمه على انه مجرد «ورقة» سعودية مفروضة على الشارع المسيحي... ومن هنا يريد الاستفادة من وجود عهد قوي لتعزيز فرصه في «الوراثة» السياسية المفترضة بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، وهو يرى ان منافسه الاول سليمان فرنجية لم يحصل على «الشرعية» الشعبية التي تخوله البقاء في السباق الرئاسي، ولانه يصعب تجاوز ما حققته القوات اللبنانية في الانتخابات التشريعية، فهو يحاول اعادة رسم موازين القوى بما يتيح تظهير «هيمنة» «التيار» على الشارع المسيحي، وهو يتكئ ايضا على ارتباطات جعجع الخارجية سواء علاقته مع السعوديين او الاميركيين لقطع «الطريق» الرئاسية امامه...
وتخلص تلك الاوساط الى التأكيد بان بكركي على حق في تقويمها للموقف الراهن، لان هذا الصراع يبدو في غير آوانه، وبين طرفين لا يملكان القدرة على الحسم في الاستحقاق الرئاسي، ففي عام 2014، لم ينجح جعجع في معركته الرئاسية، على الرغم من دعم السعودية، ولولا القرار الحاسم لدى حزب الله بوصول الرئيس عون الى بعبدا، لكانت الامور اتخذت لاحقا منحا آخر... ولذلك من «المبكر» الجزم بهوية الماروني الذي سيصل الى سدة الرئاسة بعد نحو أربع سنوات؟ فالمعايير قد تكون مختلفة وقد لا يكون عنوان «الرئيس القوي» هو المعيار حينها، ثمة عناوين اخرى يمكن ان تتلائم مع تلك المرحلة، واذا كانت طريق «الحكيم» شائكة فان «طريق باسيل ليست مفروشة «بالورود» فهو يعادي اليوم «نصف المسيحيين»، «ونصف الشيعة»، «واكثرية السنة»، «وغالبية الدروز»، وهو بذلك يصعب الموقف على نفسه... وعلى ما يبدو فان «المعركة» الرئاسية المبكرة لن تتوقف، حتى لو تم تشكيل الحكومة، فلدى الطرفين ادوات اخرى لخوض هذه «الحرب»، ويبقى نجاح بكركي في «ترميم» العلاقة بين الطرفين، رهاناً «محفوفاً بالمخاطر»... وتجارب الماضي «غير مشجعة»...