في الوقت الذي يقوم رئيس الحُكومة المُكلّف سعد الحريري بمُشاورات كثيفة في مُحاولة لفكفكة العُقد المُتعدّدة التي تشابكت وتضاعفت بشكل تسبّب بدُخول عمليّة تشكيل الحكومة مرحلة من المُراوحة الثقيلة والدوران في الحلقة المُفرغة، رفع «الثنائي الشيعي» ضُغوطه السياسيّة على المعنيّين بتأليف الحُكومة، في محاولة منه لحثّ مُختلف القوى السياسيّة على الحدّ من مطالبها، تسهيلاً لولادة الحُكومة في وقت قريب. وبرز في هذا السياق، ما نُقل عن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي من تأكيد خلال «لقاء الأربعاء النيابي» في عين التينة، أنّه سيدعو إلى جلسة عامة لمجلس النواب للتشاور في حال لم يتمّ تشكيل الحُكومة المنتظرة في القريب العاجل، الأمر الذي فسّرته مصادر سياسيّة مُطلعة بأنّه تحضير للإضاءة بشكل علني على المُعرقلين لإحراجهم أمام الرأي العام، وبأنّه كذلك تحضير للتدخّل بشكل مُباشر على خطّ التأليف، أقلّه عبر الضغط السياسي طالما أنّ الدُستور اللبناني لا يسمح لمجلس النوّاب بلعب هذا الدور.
وأكّدت المصادر السياسيّة نفسها أنّ ما يتردّد عن معركة حصّص وزارية في الشكل يُخفي وراءه معركة «ثلث ضامن أو مُعطّل» بين كل من «التيّار الوطني الحُرّ» و«تيّار المُستقبل» بالدرجة الأولى، حيث يسعى رئيس «التيّار» وزير الخارجيّة والمُغتربين في حُكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، لأنّ ينال تياره 11 وزيرًا مع إحتساب حصّة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون. وأضافت أنّ هدف الوزير باسيل، تسيير شؤون العهد بشكل قوي، والتمتّع بالقُدرة على الإعتراض على أي قرار لا يوافق عليه «التيّار» وعلى إسقاطه بالتصويت على طاولة مجلس الوزراء، من دون الحاجة إلى دعم أي فريق سياسي حليف. وتابعت المصادر عينها أنّ «تيّار المُستقبل» ينطلق من تمسّكه بحصّة وازنة لكلّ من حزبي «القوّات اللبنانيّة» و«الحزب التقدمّي الإشتراكي» ومن رفضه التنازل عن أكثر من وزير سنّي واحد في مُقابل إحتساب وزير مسيحي من ضُمن حصّته، من الرغبة في الحُصول على «الثلث المُعطّل» للوقوف بوجه أي قرار سياسي أو إستراتيجي لا يوافق عليه «تيّار المُستقبل» الذي لا يزال تجمعه التفاهمات الإستراتيجيّة الكُبرى مع كل من «القوات» و«الإشتراكي» على الرغم من إنفراط عقد قوى «14 آذار». ورأت المصادر نفسها أنّ «الثنائي الشيعي» يريد بدوره تمثيل شخصيّات سنّية ودرزيّة مُعارضة، وحتى مسيحيّة من خارج دائرة «التيّار» و«القوات» تنتمي مثلاً إلى الحزب «القومي السوري الإجتماعي»، لتعزيز جبهة داعمي الخيارات الإستراتيجيّة المؤيّدة لمحور المقاومة على طاولة مجلس الوزراء.  
وكشفت المصادر السياسيّة المُطلعة أنّ الحكومة المُقبلة ستواجه مجموعة كبيرة من الإستحقاقات المُهمّة والخيارات الكبرى خلال عهدها، إن على المُستوى الإقتصادي - المالي أو على المُستوى السياسي، وحتى الإستراتيجي، الأمر الذي يُضاعف من أهميّة التوازنات السياسيّة فيها. وأوضحت أنّه على الصعيد الإقتصادي، الحُكومة المُقبلة على موعد مع تطبيق مُقرّرات مُؤتمر «سيدر» لجهة الحُصول على دعم مالي كبير تفوق قيمته 11 مليار دولار لكن وفق شروط واضحة مُرتبطة بتطبيق سياسة إصلاحيّة قاسية في لبنان، وبالتالي إنّ إنهيار الوضع المالي والإقتصادي أو نهوضه من جديد مُرتبط بهذا الأمر، وتحديدًا بالسياسة التي ستنتهجها الحُكومة المُقبلة. وتابعت أنّه على خط مواز، إنّ وتيرة الإجراءات التطبيقيّة لمسألة إستخراج النفط والغاز من حُقول لبنان البحريّة ستتسارع خلال مرحلة حُكم مجلس الوزراء المُقبل، الأمر الذي سيدفع أكثر من طرف لأن يكون له كلمة فصل في هذه الحكومة، لإدارة سياسة الدولة من جهة وللإستفادة من الحركة المالية الكبيرة التي يُتوقّع حُدوثها.
ولفتت المصادر السياسيّة المُطلعة إلى أنّه بموازاة الأهميّة الإقتصادية لدور الحُكومة المقبلة، توجد ملفّات سياسيّة حسّاسة سيكون لحكومة العهد الثانية الكلمة الفصل فيها. وأوضحت أنّ ملف عودة النازحين سيوضع على نار حامية، ما سيجعل الدولة اللبنانية أمام خيار من إثنين، إمّا مواصلة سياسة الهروب إلى الأمام في هذا الملفّ، وإمّا العمل على تسريع وتيرة حلّه والتي قد تتطلّب تواصلاً وتنسيقًا مباشرين مع النظام السوري، مُشيرة إلى أنّ هذه النقطة بالتحديد ستتسبّب بخلافات داخليّة على طاولة مجلس الوزراء ستحسمها الأغلبيّة العدديّة بطبيعة الحال. وأضافت أنّ الأمر نفسه ينطبق على مسألة إقرار ما يُسمّى «صفقة القرن»، حيث يُنتظر أن تشهد منطقة الشرق الأوسط مُحاولة أميركيّة لفرض تسوية للقضية الفلسطينيّة تأخذ في الإعتبار المصالح الإسرائيليّة على حساب المصالح الفلسطينيّة والعربيّة، ما سيدفع دول المنطقة إمّا إلى الرُضوخ للدور الأميركي أو إلى الإنحياز إلى المُحاولات القائمة لعرقلة هذه الصفقة، ما سيستدعي موقفًا حازمًا من الحُكومة اللبنانيّة حيث لن يعود من المُمكن إعتماد سياسة الحياد والتعاطي الرمادي مع الملفّات، لأنّ تغييرات كُبرى في الشرق الأوسط هي على وشك الحُدوث، ولا يُمكن لأحد البقاء في موقع المُتفرّج. وتابعت المصادر نفسها أنّ الضُغوط على إيران مُرشّحة بدورها للتصاعد في المرحلة المقبلة، وهي ستطال في جانب منها «حزب الله»، الأمر الذي سيُلقي بدوره المزيد من المسؤولية على الحُكومة لإتخاذ الخُطوات اللازمة للدفاع عن لبنان واللبنانيّين من دون تعريض علاقات لبنان الدَولية لأي مخاطر.
وختمت المصادر السياسيّة المُطلعة كلامها بالقول إنّ الظروف الداخليّة والإقليميّة والدَولية الحالية تجعل مسؤوليّات الحكومة المُقبلة مُضاعفة وشديدة الخطورة وحاسمة، تبعًا للإتجاه الذي ستتخذه قرارتها. وسألت: «ألا يُبرّر هذا الأمر سعي مُختلف القوى السياسيّة لأخذ أكبر حصّة مُمكنة، ولتأمين الثلث الضامن أيضًا»؟