هل اهتز تفاهم معراب وسقط سقوطاً مدوياً بعد أن اعتبر رئيس «التيار الوطني الحرّ» الوزير جبران باسيل أنّه أصبح من الماضي عندما أعلن أنّ «هناك اتفاق سياسي لم يعد قائماً»، لا سيما بعد الإنتخابات النيابية ومطالبة «القوّات اللبنانية» بحصّة موازية لحصّة التيّار، وكأنّها بذلك تريد إقامة ثنائية مسيحية، على غرار الثنائي الشيعي («حزب الله» و«حركة أمل»)، أم أنّه لا يزال ثمّة بوادر أمل لإنقاذه من العناية الفائقة التي دخل فيها منذ تصريح باسيل؟!.
«التيّار الوطني الحرّ» يحمّل «القوّات» مسؤولية سقوط «إعلان النوايا» الذي وقّع عليه كلّ من رئيس حزب «القوّات اللبنانية» سمير جعجع، والوزير باسيل بصفته رئيس «التيّار»، كونها قامت بمخالفات عدّة لبنود التفاهم منذ أن شارك وزراؤها في حكومة العهد الأولى وصولاً الى التحضير للإنتخابات النيابية الأخيرة ما دفعها الى خوضها بمفردها. علماً أنّ المفاوضات التي أجراها عرّابا التفاهم أي النائب ابراهيم كنعان عن «التيّار»، ورئيس لجنة التواصل في «القوّات» ملحم رياشي آنذاك، ركّزت على التوافق بين العماد ميشال عون وجعجع، وليس بين جعجع وباسيل.
أمّا «القوّات اللبنانية» فتؤكّد التزامها ببنود التفاهم، وتثمّن دورها الرئيسي في إيصال العماد عون الى قصر بعبدا بإعطائه أصواتها في المجلس النيابي، طبقاً لما نصّ عليه «إعلان النوايا». كما أنّها لا تزال تصرّ على محافظتها على علاقتها الجيّدة مع الرئيس عون، وعلى دعمها له وللعهد ولخطاب القسم بجميع بنوده. غير أنّها في الوقت نفسه، تشدّد على المناصفة في توزيع الحقائب المسيحية و(في جميع المناصب في الإدارات الرسمية والمؤسسات العامة) بينها وبين «التيّار»، على ما نصّ عليه محضر «إعلان النوايا»، ليس فقط في الحكومة الأولى للعهد إنّما في جميع حكوماته اللاحقة. كما على مشاركتها «التيّار» في كلّ ما يودّ القيام به من أجل عهد قوي، متهمّة رئيس «التيّار» الحالي بالتفرّد بالرأي خلافاً لما تمّ الإتفاق عليه بين الطرفين.
فهل سيبقى كلّ من الحزبين متشبّث بموقفه، ما قد يعيق تشكيل الحكومة بشكل جذري، أم أنّ الأمور ستتجه الى الحلحلة؟ أوساط سياسية عليمة قالت إنّ «اللقاء بين باسيل وجعجع يجب أن يحصل لوضع النقاط على الحروف ووقف السجالات والإتهامات الحاصلة وفق مبدأ «بييّ أقوى من بيّك» و«إمّي أقوى من إمّك»، وليس تبعاً لمبدأ «أوعى خيّك». غير أنّ هذا الأمر متعلّق بالرجلين، إذا ما كانا يريدان فعلاً التوصّل الى إنقاذ التفاهم من الموت، والتوافق على استكمال السنوات المتبقية من العهد جنباً الى جنب، وحلّ إحدى العقد التي تعرقل تشكيل الحكومة العتيدة، أم إسقاط التفاهم وبالبدء من جديد كلّ من وراء متراسه السياسي.
ففقدان الثقة بين الطرفين أمر أدّى الى انهيار «إعلان النوايا» منذ أن بدأت سيل الإتهامات المتبادلةعلى ملفات عدّة بدءاً بملف الكهرباء وصولاً الى توزيع الحقائب الوزارية في الحكومة العتيدة، رغم كلّ ما جرى سابقاً وأدّى الى التوصّل الى نقاط وقواسم مشتركة بينهما. وبدا للجميع آنذاك أنّ هذا التقارب سيدوم حتى بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، من أجل مواكبة فعلية وقوية للعهد وطروحاته من محاربة الفساد، وإصلاح المؤسسات، وإرساء دولة القانون.
وأشارت الأوساط نفسها الى أنّ عرّابي التفاهم، كنعان والرياشي يواصلان الإجتماعات فيما بينهما في المرحلة الراهنة، لا سيما منذ بدء الخلاف ونعي «إعلان النوايا» من أجل رأب الصدع الحاصل في أساسات هذا التفاهم. وإذ يجتمعان اليوم الخميس في الديمان من أجل التقريب مجدّداً في وجهات النظر، يأمل كلّ منهما إنقاذ التفاهم الذي تطلّب أشهراً طويلة من المساعي الحثيثة من قبلهما لوضعه وصياغته وموافقة الطرفين المسيحيين عليه. ولهذا فإنّ عرّابي التفاهم، قد لا يُشاركان جعجع وباسيل رأيهما في إسقاط هذا التفاهم، بل سيسعيان جاهدين، بحسب العارفين، من أجل إعادة توحيد الجهود المشتركة.
كذلك تقول بأنّ «التيّار» لا يريد قطع «شعرة معاوية» التي لا تزال تربطه بالقوّات عبر «إعلان النوايا»، وينتظر من هذه الأخيرة أن تحافظ هي أيضاً على هذه الشعرة لكي يتمكّن كلّ من الوزير الرياشي والنائب كنعان من إعادة الأمور الى نصابها، في حال وافق باسيل وجعجع على لملمة أجظاء التفاهم التي تطايرت سريعاً في ظرف سنتين.
وإذا كان كلّ طرف يريد تفنيد بنود التفاهم، لإقناع الجميع بأنّ الحقّ معه وليس مع الطرف الآخر،، فإنّ هذا الأمر لا يعيد لحمة «إعلان النوايا»، إنّما يزيد في الطين بلّة، على ما يرى بعض العارفين، لهذا فالمطلوب اليوم التوافق على لقاء باسيل- جعجع لتصفية النوايا وكسر الجليد من خلال تفرّد كلّ طرف برأيه بعيداً عن الشراكة والمصالحة المسيحية الفعلية. كما لا بدّ من التوافق بشكل نهائي على كلّ ما جرى تخوين الطرف الآخر به، والإتفاق على تفاهم نهائي وليس على «إعلان النيّات» التي قد يُفسّرها كلّ طرف بحسب نواياه.
وتأمل الاوساط أن يؤدّي لقاء كنعان - الرياشي اليوم الى الإعلان عن عدم موت «تفاهم معراب» على الأقلّ، لكي يتمكّنا من إكمال مسيرة ترميمه، لأنّ الشارع المسيحي يئس من محاولات تشتيته وتهجيره وعدم حمايته بشكل كامل من جميع القادة المسيحيين.
ولفتت الأوساط نفسها بأنّ «التيّار» و«القوّات» لا يريدان القيام بما يُسمّى «ثنائية مسيحية» لأنّها تختزل الأطراف المسيحية الأخرى، بل التفافها جميعها حول العهد من أجل إعطائه الزخم المناسب. فبعد أن توافقا على إيصال العماد عون الى السدّة الرئاسية، وتوافقا على وضع قانون جديد للإنتخاب وفق النسبية جرى على أساسه الإنتخابات الأخيرة، وإن قرّرا عدم خوضها معاً، لا يمكن لهذين الحزبين المسيحيين الإنفصال في منتصف الطريق، بعد أن جرى تعبيدها من أجل إعادة الحقوق للمسيحيين. فإعادة الحقوق لا تكون من خلال الخلاف على لمن سيكون هذا المنصب أو ذاك، من حصّة «القوّات» أو «التيّار»، إذ ليس هكذا تُبنى الأوطان، وليس هكذا ينطلق العهد القوي لجميع أبنائه.
وختمت بالقول: صحيح أنّ الرئيس عون أحال جعجع الى باسيل، ولكن ليس لكي لا يجتمعا، بل على العكس ليعقدا لقاء موسّعاً فيما بينهما، على ما أفادت المعلومات، ويخرجا منه متفقين على جميع بنود «إعلان النوايا» واضعين النقاط على الحروف، بدلاً من إضاعة الوقت في إحالة الإجتماع الى كلّ من الرياشي وكنعان. فالوقت يمرّ والعهد لا يريد المزيد من هدر الوقت دون إنتاجية وإصلاحات ومكافحة الفساد.