إذا كان لا يمكن الكلام عن أي نتيجة عملية للجهود التي بُذلت في الساعات القليلة الماضية لوقف التدهور في العلاقات ما بين «الثنائي المسيحي» بعد زعزعة «تفاهم معراب»، فمن المؤكد أن تراجع الحملات على مواقع التواصل الإجتماعي لم يكن قراراً عفوياً أو فردياً من قبل «القوات اللبنانية» أو «التيار الوطني الحر»، بل أتى وفق تفاهم حصل من خلال الوسطاء لدى الطرفين من أجب تخطّي التصعيد ورسم حدود أمام الإنهيار الجدّي للمصالحة المسيحية.
وكانت القوات اعلنت عبر دائرتها الاعلامية ان قيادة الحزب اصدرت تعميماً على جميع وزرائها ونوابها الحاليين والسابقين والمسؤولين على المستويات كافة، بعدم الرد على أي تهجم تتعرض له «القوات».
من جهته، اعتبر وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل، بعد زيارة «تكتل لبنان القوي» للمجلس الاقتصادي الاجتماعي، ان النقاش السياسي لا يعني الانحدار الى اماكن لا تليق بنا وذكر بالمسؤولية التي تقع على عاتقه وقال: «رغم كل ما نتعرض له من اساءة ومن تركيب صور مشوهة للحقيقة، نضحي لأن قدرنا التضحية فنحن ضنينون بالاقتصاد وبالوضع في البلد وبالمصالحة اكان اسمها مسيحية او وطنية، وعممنا على جميع مسؤولينا السياسيين وعلى نوابنا عدم الرد على اي اهانة او على ما نتعرض له على المستوى الشخصي والعام، ونكرر على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى على الناشطين في التيار الوطني الحر عدم الذهاب الى اماكن لا تليق بنا، يجب ان نعرف ان تختلف سياسيا من دون ان نضع البلد بتشنج.
وفي هذا السياق، كان الاستنفار الشديد بين الطرفين قد بدأ منذ عطلة الأسبوع الماضي، وانخرطت فيه مراجع روحية وسياسية وحزبية مسيحية بشكل خاص ووطنية بشكل عام، خصوصاً وأن انفجار الخلاف والإحتقان في الشارع المسيحي، لا يهدّد فقط جمهور الفريقين، بل ينذر بتداعيات كارثية على مجمل الموقف المسيحي على الساحة الداخلية. ولفتت المعلومات إلى أن النتائج المباشرة لهذا الإستنفار قد ظهرت منذ صباح يوم الإثنين الماضي، حيث تراجع بشكل لافت التوتّر، كما الخطاب العنيف، الذي كاد ينبش قبور الحرب ما بين الإخوة المتصالحين حديثاً.
وأشارت هذه المعلومات، إلى أن التهدئة قد انطلقت من خلال قناة التواصل الوحيدة التي تعمل حتى الآن، وهي من خلال النائب ابراهيم كنعان والوزير ملحم الرياشي، اللذين يتحرّكان بناء على توجيهات من قيادتي «القوات»، كما «التيار الوطني»، وذلك، بهدف إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح ووضع حدّ للصراع الخطير في الشارع بين محازبي الطرفين، ومن أجل تطويق الإشكال ومحاولة تخطّيه أولاً، والسعي إلى إعادة إنعاش «تفاهم معراب» ثانياً، وذلك على الرغم من كل المواجهات التي حصلت بين القيادتين على الصعيد السياسي، كما على الصعيد الإعلامي.
ومن المتوقّع وفق المعلومات نفسها، أن تكون للمبادرة التي تزمع بكركي إطلاقها في الساعات الـ24 المقبلة مفاعيل عملية على مستوى ترسيخ هدنة إن لم يكن في الممكن حالياً الذهاب إلى ترميم الجسور في العلاقات ما بين «الثنائي المسيحي»، خاصة وأن ما سُجّل في الفترة الأخيرة، قد أكد بشكل جلي أن هناك من سعى إلى قطع هذه الجسور من أجل عدم العودة إلى الوراء، أي إلى التفاهم مجدّداً. واستبعدت المعلومات أن تكون للإشكالات المسيحية، كما للدور الذي تقوم به بكركي، علاقة مباشرة بتداعيات عودة الإنقسام ما بين «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» على تأليف الحكومة، وكشفت أن الهدف هو النأي بالمجتمع المسيحي عن أية صراعات عبثية جديدة في الدرجة الأولى، كما ترسيخ ودعم صورة العهد التي تتأثّر بأية انقسامات مسيحية ـ مسيحية في الدرجة الثانية.
من هنا، فإن أفق التهدئة ليس مقفلاً، ولكن الفترة الزمنية التي قد تستغرقها مرحلة التهدئة، ما زالت غير واضحة، ذلك أن صعوبات جمّة تعترض مسار ترميم «تفاهم معراب». وبالإستناد إلى التبدّل الواضح في الصورة خلال الساعات الماضية على المستوى المسيحي، توقّعت المعلومات نفسها، أن تتركّز جهود بكركي على حصر رقعة الصراع بالمستوى السياسي، في ضوء التباين الحاد في الإتجاهات ما بين طرفي المصالحة المسيحية، على الأقلّ في اللحظة الراهنة، تمهيداً لتمرير المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها الساحة الداخلية، بانتظار أن يتم تأليف الحكومة ويجري العمل على صياغة علاقة تعكس الأمر الواقع السياسي الجديد، والذي يختلف عن الواقع الذي كان سائداً منذ عامين، ودفع باتجاه «تفاهم معراب».